حدود سلطة عضو مجلس النواب في إقتراح القوانين!
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لا يستطيع الرئيس الأمريكي ولا الحكومة الأمريكية أن تقدم مشروع قانون أو إقتراح بقانون إلى الكونجرس الأمريكي إلا من خلال أعضاء الكونجرس أنفسهم، على حين يستطيع عضو مجلس النواب المصري وغيره من أعضاء المجالس النيابية في معظم الدول التي تتبع نظام التقنين الفرنسي أن يفعل ذلك منفردا أو مع عدد من الأعضاء! ومع ذلك، يخضع ذلك الحق لعدد من القيود والضوابط الدستورية والقانونية واللائحية والشكلية تختلف من دولة لأخرى. وتبرز إشكالية كبيرة عندما يتعلق الإقتراح المُقدم من العضو بتنظيم شؤون جهة تنفيذية أو قضائية، ما قد يُعتبر تغولا من السلطة التشريعية على إختصاصات السلطات الأخرى، فهل يحق للعضو ذلك؟
من المبادئ المستقرة، بموجب الدستور المصري، أن عضو مجلس النواب يملك سلطة اقتراح القوانين منفردًا أو بالإشتراك مع عُشر أعضاء المجلس (مادة 122)، ويجوز له أن يقترح قانونا جديدا أو تعديلا على قانون قائم، لكن سلطته في هذا الخصوص ليست مُطلقة. ويُشترط في الإقتراح المُقدم ما يلي:
1. أن يكون مبرر الإقتراح يمثل ظاهرة عامة تؤثر على قطاع كبير من الشعب وليس مجرد مشكلة تؤثر على فئة محدودة.
2. أن يقتصر على قواعد عامة مُجردة، وألا يستهدف جهة بعينها بشكل إنتقائي أو شخصي.
3. ألا يتعارض مع أحكام الدستور والمبادئ والحريات والحقوق الأساسية التي نص عليها.
4. ألا يتضمن ما يُعتبر تعديًا على اختصاصات السلطة التنفيذية أو القضائية وإخلالا بمبدأ الفصل بين السلطات. ومثال للتعدي على إختصاص السلطة التنفيذية أن يكون الإقتراح يتضمن مسائل تنظيمية مُفصّلة يمكن معالجتها بلائحة، وليس بقانون.
5. ألا يؤدي إلى زيادة الإنفاق العام أو تقليل الإيرادات أو فرض ضرائب أو رسوم أو تعديلها أو إلغائها إلا بموافقة الحكومة (مادة 124 من الدستور).
كذلك، يخضع هذا الحق لقيود شكلية؛ منها ما يلي:
1. يجب أن يكون الإقتراح مصوغا في شكل مواد قانونية ومُرفقا به مذكرة إيضاحية تتضمن تحديد نصوص الدستور ذات الصلة، والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها، والأهداف التي يحققها (مادة 181 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب المصري).
2. إذا قدم العضو الإقتراح، منفردا أو كان عدد مقدميه أقل من عُشر الأعضاء، يُحيل رئيس المجلس الإقتراح إلى لجنة الإقتراحات والشكاوى لفحصه وإبداء الرأي في جواز نظره أو رفضه أو إرجائه، فإذا وافق المجلس على نظره أحاله إلى اللجنة المختصة، وإذا أجازته، تحيله إلى لجنة الشئون الدستورية والتشريعية لإبداء رأيها فى صياغة وتنسيق مـواده، قبل تقديم تقرير اللجنة الأصلية للمجلس (مادة 183 من اللائحة الداخلية للمجلس).
3. إذا كان الإقتراح مُقدما من عُشر أعضاء المجلس، يُحال مباشرة إلى اللجنة النوعية المختصة بالمجلس لفحصه وتقديم تقرير عنه إلى المجلس (مادة-122 من الدستور).
وفي فرنسا، لا يجوز لأعضاء البرلمان إقتراح قوانين تؤدي إلى زيادة الإنفاق العام أو الضرائب، إلا بموافقة الحكومة، ويجوز لرئيس المجلس رفض الاقتراح من الناحية الشكلية إذا لم يكن مصوغا وفق أصول الصياغة القانونية. وفي المملكة المتحدة، لا يجوز لعضو مجلس العموم إقتراح قانون تترتب عليه آثار مالية إلا بتفويض حكومي. وفي البرازيل، لا يجوز للعضو إقتراح قوانين تخص الجيش أو الخدمات العامة، باعتبارها من اختصاص السلطة التنفيذية حصريًا.
وفيما يتعلق بحق العضو إقتراح قانون ينظم شؤون جهة تنفيذية، إذا دققنا النظر في صياغة مادة (122) من الدستور المصري المُشار إليها أعلاه، نجد أنها قد أعطت كل عضو في مجلس النواب حق اقتراح القوانين، دون إستثناء لطبيعة الجهة التي يُنظمها القانون. والأصل، أن التشريع يُعتبر الأداة الطبيعية لتنظيم السلطات العامة؛ ويعني ذلك، أن إقتراح العضو قانونا يُنظم شؤون جهة تنفيذية لا يُعد، تلقائيًا، تدخلًا في إختصاصها مادام لا يمسه بشكل مباشر أو يتعارض مع الدستور. فإذا كان الإقتراح، مثلا، يتعلق بإنشاء مرفق جديد يتبع الجهة التنفيذية، أو دمج جهات قائمة، أو تعديل اختصاصاتها، فهذا يدخل ضمن صلاحيات السلطة التشريعية. لكن، إذا كان يتدخل في تفاصيل تنظيمية دقيقة هي من صميم اللوائح، كان ذلك بمثابة تعديا على إختصاص السلطة التنفيذية.
وينبغي التفريق بين التدخل التشريعي لتنظيم مرفق عام، والتدخل لتنظيم طريقة تسييره أو تقييد ممارسته لاختصاصاته. ومثال للحالة الأولى، إقتراح لتنظيم "شروط تعاقد الهيئة العامة للنقل مع الشركات الخاصة لتشغيل سيارات نقل الركاب"؛ وهو من صميم إختصاص السلطة التشريعية مادام لم يتدخل في تفاصيل تنفيذية دقيقة، بل وضع إطارا عاما تنظيميا فقط. ومثال ثان، بينما يجوز للعضو أن يقترح قانونا "لتحسين جودة الخدمات الصحية في المستشفيات الحكومية"، لا يجوز له أن يقترح قانونا لإلزام وزارة الصحة باتباع إجراءات معينة في تسيير أعمالها.
ومن تطبيقات ذلك في مصر، قدّم بعض النواب في دور الانعقاد الثاني (2016/2017)، "إقتراحًا بقانون لتجريم ظاهرة الدروس الخصوصية" الهدف منه إنشاء مراكز تعليمية مُرخّصة، وفرض عقوبات على المراكز غير المُرخّصة. وهذا الأمر يدخل في إختصاص السلطة التشريعية لكنه يقع، أيضا، ضمن إختصاص وزارة التربية والتعليم. لكن الإقتراح لم يُناقش إلا بعد عرضه على اللجان المختصة للتأكد من عدم تعارضه مع الدستور، ومن أنه لا يُرتب أعباء مالية كبيرة. ومثال ثان، في سنة 2018، إقترح عدد من النواب "مشروع قانون لحماية البيانات الشخصية" قبل أن تتقدم الحكومة بمشروعها. وتم دمج مقترحات النواب مع مشروع الحكومة ليخرج القانون بصيغته النهائية في سنة 2020.
ويثور الجدل كثيرا حول الخطوط الدستورية الفاصلة بين إختصاصات السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. ومثال ذلك، ما حدث في لبنان عندما تقدم أعضاء في مجلس النواب اللبناني في سنة 2015 إلى المجلس مباشرة باقتراح قانون لإقرار "الإتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب". وقد أثار هذا الإقتراح جدلا دستوريا لأن إبرام المعاهدات يتعلق بعلاقات الدولة الخارجية وهو إختصاص أصيل لرئيس الدولة، ولا يملك البرلمان سلطة إقتراحها أو إبرامها، ويقتصر دوره على الموافقة عليها أو رفضها دون أن يكون له الحق في تعديلها. وفي النهاية، أقر البرلمان الإتفاقية.
وفي رأينا، أن إعطاء عضو البرلمان حق إقتراح القوانين لا يعني في حد ذاته تمكينه أداء دوره التشريعي، ومالم يتم تعزيز قدراته على ممارسة دوره، لن تكون لإعطائه ذلك الحق أية قيمة.
