ألعاب الصياغة (4) … الرقم السحري 7 زائد/ناقص 2

ألعاب الصياغة (4) … الرقم السحري 7 زائد/ناقص 2

48. ألعاب الصياغة (4) ... الرقم السحري 7 زائد/ناقص 2
محمود محمد علي صبره
استشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي

إسأل أي شخص عن رقم تليفونه الجَوّال المُكوّن من 11 رقم، ستجده ينطقه مُقسّما إلى مقاطع، مثلا، من اليسار إلى اليمين: 0100-172-64-52. هل سألت نفسك: لماذا يُقسّمه؟ ستجد الإجابة عند أستاذ علم النفس الأمريكي "جورج ميلر" بجامعة "هارفارد" في بحثه المُعنوَن "الرقم السحري (7±2): حدود لقدرتنا على التعامل مع المعلومات". في هذا البحث، يرى "ميلر" أن عدد الأشياء التي يستطيع الإنسان العادي أن يحتفظ بها في ذاكرته القصيرة هو (7) أشياء. وقد يزيد هذا الرقم عند الشخص الذي لديه قدرة أكبر على التذكر إلى (9) أو يقل عند الشخص الذي لديه قدرة أقل إلى (5).

ويُمكن الاستفادة من "نظرية ميلر" في جَعْل النصوص التشريعية والعقدية أكثر وضوحا عن طريق تقسيم الفصول والفقرات والمواد والجمل إلى عدد معقول من المقاطع المتجانسة. ولا يهم التطبيق الحَرْفي للنظرية، من جهة الالتزام بالرقم (7±2)، بل المُهم هو تقسيم النص إلى مقاطع منسجمة في موضوعها، كل منها يحتوي على فكرة واحدة مُعبّرا عنها في عدد معقول من الكلمات. وكلما قل عدد الكلمات في كل مقطع، كان النص أكثر وضوحا، ومن ثم، يسهل فهمه.

إنظر، مثلا، إلى النص الآتي من قانون العقوبات المصري "مادة (139): كل من كان مُكلفا بحراسة مقبوض عليه أو بمرافقته أو بنقله وهَرب إهمالا منه، يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه مصري إذا كان المقبوض عليه الذي هرب محكوما عليه بعقوبة جنائية أو متهما بجناية، وأما في الأحوال الأخرى، فتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو غرامة لا تجاوز مائتي جنيه مصري."

يُمكن إعادة صياغتها، مع الإبقاء على النص الأصلي، كما يلي:
"مادة (139): كل من كان مكلفا بحراسةِ مقبوضِ عليه أو بمرافقته أو بنقله وهَرب إهمالا منه يُعاقب بإحدي أو كلتي العقوبتين الآتيتين:
1. إذا كان المقبوض عليه الذي هَرب محكوما عليه بعقوبة جنائية أو متهما بجناية، الحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه مصري.
2. في الأحوال الأخرى، الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو غرامة لا تجاوز مائتي جنيه مصري."

ومثال ثان من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي لسنة 1440 هجرية "مادة (22): يجب أن تكون الشروط والمواصفات الفنية للأعمال والمشتريات المطروحة تفصيلية ودقيقة وواضحة، وأن تراعي المواصفات القياسية المعتمدة أو المواصفات العالمية فيما ليس له مواصفات وطنية معتمدة، وألا تتضمن الإشارة إلى نوع أو صنف معين، أو تحديد علامة تجارية أو إسم تجاري بعينه، أو وضع مواصفات لا تنطبق إلا على مقاولين أو منتجين أو موردين بعينهم."

يُمكن ببساطة إعادة صياغتها، مع الحفاظ على وحدة الموضوع في كل مقطع، كما يلي:
" مادة (22): يجب أن تتوافر في الشروط والمواصفات الفنية للأعمال والمشتريات المطروحة ما يلي:
1. أن تكون مُفصّلة ودقيقة وواضحة،
2. أن تراعي المواصفات القياسية المعتمدة أو المواصفات العالمية فيما ليس له مواصفات وطنية معتمدة،
3. ألا تتضمن الإشارة إلى نوع أو صنف معين، أو تحديد علامة تجارية أو إسم تجاري بعينه، أو وضع مواصفات لا تنطبق إلا على مقاولين أو منتجين أو موردين بعينهم."

ومثال ثالث من عقد إيجار وحدة إدارية "مادة (5): يُقر المستأجر بأنه قد عاين موقع الوحدة المؤجرة له وحدوده وتجهيزاته وما يتصل به من مرافق أو منافع مشتركة المعاينة التامة النافية لكل جهالة، كما عاين ما يجاورها من وحدات أخرى والأقسام والخدمات والأجزاء المشتركة وغير ذلك من العناصر الضرورية لاستعمال الوحدة في الغرض المُشار إليه أعلاه ووجدها كاملة وملائمة لتحقيق الغرض المذكور وقد تسلم نسخة من المواصفات الموحدة للمبني والرسم الهندسي للوحدة."

يُمكن إعادة صياغتها كما يلي:
"مادة (5): يقر المستأجر بأنه:
1- عاين المعاينة التامة النافية لكل جهالة:
‌أ- موقع الوحدة المؤجرة وحدوده وتجهيزاته وما يتصل به من مرافق أو منافع مشتركة،
‌ب- ما يجاورها من وحدات أخرى،
‌ج- الأقسام والخدمات والأجزاء المشتركة،
‌د- العناصر الأخرى الضرورية لاستعمالها في الغرض المشار إليه أعلاه
2- وجد الأجزاء المشار إليها في الفقرة (1) أعلاه كاملة وملائمة لتحقيق الغرض المذكور.
3- تسلم نسخة من المواصفات الموحدة للمبني والرسم الهندسي للوحدة."

ولا شك في أن تقسيم النصوص الطويلة والمعقدة إلى مقاطع؛ كل منها يتناول موضوعا واحدا ويتكون من عدد معقول من الكلمات، يُبرز موضوعها بشكل أفضل، ناهيك عن أنه يجعل المعنى المقصود أكثر وضوحا وسهل الفهم.