الأثر القانوني المترتب على الخطأ في الترجمة أمام المحاكم!
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
تعد الترجمة القانونية جزءًا من الأدلة والإجراءات القضائية أمام المحاكم. والأصل، أن لغة المحاكم هي اللغة العربية، وعلى المحكمة أن تسمع، بواسطة مُترجم مُحلف، أقوال الخصوم أو الشهود الذين يجهلونها. ويؤدي عدم الاستعانة بمترجم، أو عدم ترجمة المستندات التي تعتمد المحكمة في حُكمها عليها، إلى إبطال الحُكم بسبب القصور في التسبيب والفساد في الإستدلال.
وفي ذلك، قضت محكمة التمييز في دبي بإلغاء حُكم لعدم الإستعانة بمترجم للمتهمين في أثناء جمع الاستدلالات رغم أنهم لا يتقنون اللغة العربية. كذلك، نقضت المحكمة الاتحادية العليا في الإمارات حُكما بالسجن المؤبد كان قد صدر بحق متهم، وذلك لاستناده إلى إعترافاته في محاضر التحقيق دون الإستعانة بمترجم، رغم عدم إتقان المتهم للغة العربية. وفي السياق نفسه، قضت محكمة التمييز البحرينية بأن "لمحكمة الموضوع الإلتفات عن مُستند مُحرّر بلغة أجنبية لعدم تقديم ترجمة عربية له" (طعن 309 لسنة 2003 ـ جلسة 26 يناير 2004).
ويترتب على هذه القاعدة أنه إذا إستندت المحكمة إلى مُستند أجنبي دون وجود ترجمة مُعتمدة له إلى اللغة العربية، أو كانت الترجمة خاطئة "خطأً جوهريًا" وأدى ذلك إلى تغيير المعنى، يكون الحُكم قد بُني على إجراء باطل لمخالفته قاعدة آمرة تتعلق بلغة التقاضي والترجمة المُعتمدة، ما يُعيبه ويوجب نقضه. وتطبيقا لذلك، نقضت محكمة النقض الإماراتية حُكما وأعادته إلى المحكمة التي أصدرته للقصور في التسبيب لأن المحكمة أخذت باعتراف المتهم بمحضر الاستدلال كدليل إدانة دون التحقق من كون المترجم الذي إستعان به وكيل النيابة مُعتمدًا ومُحلفًا، أم لا، خاصة بعد تمسك المُتهم بالدفع ببطلان هذا الإعتراف. ومع ذلك، إذا كانت الترجمة غير مُعتمدة ولم يُنازع فيها الخصوم، لا يكون الحُكم مُخالفا للقانون. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأنه "لا تُشترط الرسمية في الترجمة المُقدمة للمحكمة إلا حيث لا يُسلم الخصوم بصحة الترجمة العُرفية للمستند ويتنازعون في أمرها." (طعن رقم 19354 لسنة 85 في 2017/06/13).
ويختلف الأثر القانوني للخطأ في الترجمة على الحُكم في القضية على حسب نوع الخطأ. فإذا كان الخطأ ماديا بسيطا (كأن يكون في الكتابة أو ناتجا عن السهو أو في إسم، أو عنوان، أو في ترجمة كلمة أو عبارة أو جملة لا تؤثر في المعنى الجوهري) لا يترتب عليه بُطلان الإجراء أو الحُكم، ويجوز تصحيحه، ويُمكن للقاضي أن يقرر إعادة الترجمة واستبعاد الترجمة المُقدمة. أما إذا كان الخطأ جوهريا، يجوز إستبعاد المُستند الذي ورد فيه من الأدلة، سواء في مرحلة التحقيق أو المرافعة أو الحُكم، وقد يَبْطل الحكم إذا إستند إليه. ويكون الخطأ جوهريا، إذا مسَّ جوهر الدلالة القانونية للمُستند فحرَّف مدلوله وغَيّر معناه، ما يُخرجه عن نطاق التصحيح الكتابي ويترتب عليه بُطلان الإجراء أو الحُكم بسبب الفساد في الإستدلال. ويؤدي إستبعاد المُستنَد غير المترجم أو المُترجَم ترجمةً خاطئة إلى سقوط الأساس الذي إنبنى عليه الحكم.
وإذا حدث الخطأ في ترجمة إفادة أو شهادة مُقدمة من المتهم أو من شاهد، كأن يُنسَب إلى أي منهما كلام لم يقله أو تمت ترجمته بشكل خاطئ، يُعد ذلك إخلالا بحق الدفاع ويؤدي إلى بُطلان محضر التحقيق وجلسة المُحاكمة. وإذا كان المتهم أجنبيًا ولم تُترجم أقواله في محضر التحقيق بدقة أو تمت ترجمتها بشكل خاطئ، يَبطل المحضر وما ترتب عليه من أدلة. وبموجب مادة (331) من قانون الإجراءات الجنائية المصري لسنة 1950 "يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري." ومن المبادئ القانونية والقضائية المستقرة أن القاضي يحكم بناءً على الأدلة المُقدمة إليه. فإذا كانت الترجمة خاطئة، فإنها تُفسد الدليل وتُفقده قيمته القانونية. وفي ذلك، قضت محكمة النقض المصرية أنه "إذا إستند الحُكم إلى ترجمة خاطئة لمُستند أجنبي حَرّفت مضمونه، فإن ذلك يُعد فسادًا في الاستدلال يُعيب الحكم ويُبطله." (نقض مدني، طعن رقم 1869 لسنة 70 ق، جلسة 12/4/2005).
لكن، ما مسؤولية المُترجم عن الآثار المترتبة على الخطأ في الترجمة المُقدمة للمحكمة؟ في بعض الدول، مثل الإمارات، يُنظم قانون خاص مهنة الترجمة القانونية، ويُعاقب المترجم في حال إرتكابه أخطاء جوهرية تؤثر على حقوق الغير. وعلى عكس الإمارات، لم يضع المُشرّع المصري حتى الآن قانونًا مستقلًا يُفصّل العقوبات التأديبية والجنائية للمترجمين كما هو الحال في مهن أخرى كالمحاماة والمحاسبة. وتخضع هذه المسألة لمجموعة من القواعد القانونية التي تختلف على حسب نوع الخطأ ونتيجته.
وعندما تنتدب المحكمة مُترجمًا لترجمة وثيقة في أثناء نظر الدعوى، فإنه يخضع لأحكام قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية المصري رقم 25 لسنة 1968 واللائحة الخاصة بالخبراء. وإذا أخل بواجب الحياد أو الأمانة، يجوز للمحكمة أن "تشطب إسمه من جدول الخبراء المعتمدين، وإحالته للنيابة العامة بتهمة الإدلاء بمعلومات كاذبة في محرر رسمي أو أمام القضاء." وفي الإمارات، يُعد المترجم القانوني خبيرًا قضائيًا معتمدًا، ويُلزَم بتوثيق أعماله وإتاحتها للرقابة الحكومية. ويُمكن معاقبة المترجم المُخطئ بعقوبات تأديبية، منها منعه من مزاولة المهنة، مؤقتا أو نهائيًا. ومصادرة الترخيص. ويُعد كل إجراء قضائي بُني على الترجمة الخاطئة باطلًا. أما إذا كان الخطأ غير مُتعمد لكنه مؤثر في مضمون القضية، تُستبعد الترجمة من الأدلة ويجوز للمحكمة إعادة المرافعة أو ندب مترجم آخر.
فإذا كان المترجم المُرتكب للخطأ مُرَخصًا من وزارة العدل أو يعمل في جهة رسمية (كالشهر العقاري أو المحاكم)، فإنه يخضع لأحكام قانون رقم 15 لسنة 1995 بشأن الترجمة والمترجمين ولائحته التنفيذية، ويُمكن معاقبته بسحب الترخيص منه، مؤقتا أو نهائيا، وتُوقّع هذه العقوبات من وزير العدل أو من يفوضه، بعد التحقيق مع المترجم وسماع أقواله.
وإذا لم يكن مُرخّصا من وزارة العدل، تجوز مساءلته مدنيًا وإلزامه بالتعويض إذا تسبب خطؤه في حدوث ضرر مادي أو معنوي للغير (مادة-163 من القانون المدني المصري). وإذا كان الخطأ عَمْديا، يُعد تزويرا في مُحرر رسمي ويترتب عليه بُطلان الإجراء أو الحُكم وإحالة المُترجِم إلى النيابة العامة. وبموجب مادة (306) من المرسوم بقانون إتحادي بإصدار قانون الجرائم والعقوبات الإماراتي رقم (31) لسنة 2021 "يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على 5 سنوات .... المُترجم الذي عينته السلطة القضائية في دعوى مدنية أو جزائية أو السلطة الإدارية ويجزم بأمر مُناف للحقيقة ويُؤوله تأويلاً غير صحيح مع علمه بحقيقته. وفي حال صدرت الترجمة عن إهمال جسيم دون قصد التزوير، يُمكن للمحكمة تطبيق قواعد الخطأ غير العمدي.
وفي راينا، أن القانون المصري بحاجة لتحديث تشريعي يجمع بين تنظيم مهنة المترجم، والمسؤولية القانونية والتأديب الإداري، من جهة، والأثر الناتج عن الخطأ على الإجراء أو الحُكم الذي تم إتخاذه، من جهة أخرى، بما يُحقق حماية حقيقية للعدالة ولأطراف المعاملات القانونية.
.... إنتظرونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن موضوع "العقد الإطاري والعقد الأخضر".
