الأخطاء الشائعة في كتابة أسباب الطعن على الأحكام
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لكي تكون محاميا عظيما، يجب أن تكون كاتبا عظيما! ومن الأعمال الأساسية التي يمارسها المحامي، كتابة أسباب الطعن على الأحكام، سواء أمام محاكم الإستئناف أو محاكم النقض. ويُلاحَظ أن كثيرا من المحامين يرتكبون أخطاء متكررة في كتابة صحف الطعن؛ منها الخلط بين أسباب الطعن، والجمع بين أكثر من سبب دون تفريق بين كل منها، وعدم التمييز بين مسائل الواقع ومسائل القانون، وعدم التمييز بين أسباب الدفع بالبطلان والدفوع الموضوعية، وغيرها. والنتيجة الحتمية: فشل الطعن!
وفيما يتعلق بأسباب الطعن بالإستئناف، لم يُحدد القانون على وجه الحصر أسبابا معينة لها، على عكس الطعن بالنقض الذي حدد له القانون أسبابا على وجه الحصر. ومن ثم، يُمكن أن يستند الطعن بالإستئناف إلى أسباب إجرائية أو واقعية أو قانونية، على حين أن الطعن بالنقض يجب أن يركز على أسباب قانونية.
ومن الأسباب الإجرائية للبطلان حدوث خطأ في الإجراءات أثر في النتيجة التي توصل إليها الحُكم؛ ومثاله، أن يشترك في المداولة قضاة غير أولئك الذين سمعوا المرافعة.
ومن الأسباب الواقعية القصور في التسبيب، والفساد في الإستدلال، وغيرهما. ويحدث القصور في التسبيب عندما لا يُبين القاضي في حُكمه عناصر مُهمة في وقائع الدعوى والظروف المحيطة بها والأدلة التي يستند إليها بيانا كافيا بما يشكل نقصا في الأساس القانوني للحُكم يتعذر معه على محكمة النقض أن تراقب صحته ويترتب عليه بُطلانه. وعلى عكس القصور في التسبيب، لا يتعلق الفساد في الإستدلال بنقص في عرض الوقائع والظروف المحيطة بها، بل يحدث لأن الأسباب الواقعية المذكورة، رغم كونها كاملة، لا تؤدي منطقيا إلى النتيجة التي خلصت إليها المحكمة في قضائها.
ومن أبرز الأخطاء في مجال كتابة الأسباب الواقعية للطعن على الأحكام الجمع بين القصور في التسبيب والفساد في الإستدلال دون تفريق بينهما. وكثيرا ما يخلط المحامي بينهما، أو يجمع بينهما دون أن يبين الأسباب الواقعية والأسانيد القانونية لكل منهما. ومن المهم التمييز بينهما لأن كل منهما يُمثل نوعا مختلفا من العيوب التي قد يترتب عليها بُطلان الحُكم.
وصحيح أنه قد يحدث تداخل بين أكثر من عيب للسبب نفسه؛ ومثاله، أن يكون هناك دليلان على الواقعة؛ أحدهما تقرير من الخبير المنتدب، والثاني من خبيرين إستشاريين. لكن المحكمة أقامت حُكمها على تقريري الخبيرين دون أن تتعرض لتقرير الخبير المنتدب. وفي هذه الحالة، يُمكن الدفع ببطلان الحُكم لمخالفة الثابت في الأوراق، والقصور في التسبيب، والفساد في الإستدلال، والإخلال بالحق في الدفاع للسبب نفسه؛ وهو إغفال ذكر دليل جوهري في الدعوى وعدم الرد عليه لو صح لتغير به وجه الحُكم فيها.
ومن أبرز الأخطاء في مجال كتابة الأسباب القانونية لبُطلان الأحكام، مخالفة القانون، والخطأ في تطبيقه وتأويله، والإخلال بحق الدفاع، ومخالفة الثابت في الأوراق. ويُقصد بمخالفة القانون عدم تطبيق قاعدة قانونية واجبة التطبيق على الواقعة المنظورة أو تطبيق قاعدة لا وجود لها عليها. أما الخطأ في تطبيق القانون فيقع عندما يُطبق القاضي قاعدة قانونية ليست واجبة التطبيق على موضوع النزاع أو يترك تطبيق قاعدة واجبة التطبيق. وأما الخطأ في تأويل القانون فيعني إعطاء النص معنى غير معناه الذي قصده المُشرّع. ويُقصد بالإخلال بحق الدفاع تجاهل المحكمة للدفاعات والدفوع الجوهرية التي أُبديت أمامها، إيرادا وردا. وأما مخالفة الثابت في الأوراق، فتحدث عندما تُصدر المحكمة الحُكم بناءً على فهم مُخالف لما هو ثابت في أوراق الدعوى.
ويتعلق الخطأ في تطبيق القانون، غالبا، بتكييف المحكمة للوقائع. ومثاله، عندما يُصدر القاضي حُكمه بمسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه دون أن يبحث ما إذا كان التابع يُباشر عمله لحظة حدوث الواقعة، أم لا. ومثال ثان، أن يستخلص الحُكم أن عقد العمل مُحدد المدة ويقضي بتعويض العامل عن فصله، على حين أن العقد غير محدد المدة. ومثال ثالث، تكييف العلاقة بين الطرفين على أنها علاقة عقد عمل على حين أنها عقد مقاولة. وفي ذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأنه "إذ كان طرفا عقدي المقاولة، مثار النزاع، من غير الأشخاص العامة الخاضعة لأحكام قانون المناقصات، فإنه لا يصح إخضاع المطعون ضده لغرامة التأخير المنصوص عليها فيه...." (الطعنان رقما 4487، 4545 لسنة 70 القضائية). ومن المهم التفريق بين حالتي مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه بسبب إختلاف الأثر المترتب على كل منهما.
وقد يحدث الخطأ بسبب التأويل الخاطئ للنص القانوني. ومثاله، ما تنص عليه مادة (562) من القانون المدني المصري من أنه "إذا لم يتفق المتعاقدان على مقدار الأجرة أو على كيفية تقديرها، أو إذا تعدز إثبات مقدارها، وجب إعتبار أجرة المثل." ويدل هذا النص عن طريق الإشارة على أن عقد الإيجار الذي لم يُتفق فيه على مقدار الأجرة لا يكون باطلا، بدليل إعتماد القاضي في تقديرها على أجرة المثل.
كذلك من الأخطاء التي تستوجب بُطلان الحُكم، إغفاله إيراد الدفوع والدفاعات الجوهرية والرد عليها. ومثاله، ما قضت به محكمة تمييز رأس الخيمة بأن "إغفال الحُكم إيراد دفاع الطاعن بجلب المؤثرات العقلية بقصد التعاطى والإستعمال الشخصى دفاع جوهرى، وعدم الرد عليه يعيبه ... وأن إدانة الطاعن بحسبان فعل الجلب بمجرده دون الإعتداد بقصد الطاعن خطأ في تطبيق القانون وتأويله." (الطعن رقم-19 لسنة-7 ق جلسة1/7/2012).
وقد يحدث الخطأ الذي يستوجب بُطلان الحُكم نتيجة لمخالفة الثابت في الأوراق. ومثاله، ما قضت به محكمة النقض المصرية من أن خلو أوراق الدعوى من أي دليل يفيد تخلي المستأجر عن المحل التجاري المؤجر له واستناد الحُكم المطعون فيه إلى ما يخالف ذلك "يُعيبه بمخالفة الثابت بالأوراق مما جره إلى الخطأ في تطبيق القانون، بما يوجب نقضه."
وكثيرا ما يحدث الخطأ في كتابة أسباب الطعن في الأحكام أمام محكمة النقض في مجال التمييز بين مسائل الواقع ومسائل القانون. وصحيح أن الدعوى تعد خليطا من الواقع والقانون ويصعب وضع حدود فاصلة بينهما في كثير من الحالات، إلا أن عدم التمييز بينهما يؤدي إلى حدوث أخطاء كثيرة في كتابة أسباب الطعن، خصوصا، أمام محكمة النقض. ومن المبادئ المستقرة أن محكمة الموضوع ، ويُقصد بها محاكم الدرجة الأولى والثانية، تختص بالنظر في موضوع النزاع، أما محكمة النقض فينحصر إختصاصها في النظر في مدى إلتزام محكمة الموضوع القانون في الحُكم الذي أصدرته. لكن بعض المحامين يُثير أمام محكمة النقض دفوعا تتعلق بمسائل الواقع وليس مسائل القانون، الأمر الذي يؤدي إلى عدم قبول الطعن. وكذلك، يخلط البعض بين الأسباب الواقعية والأسباب القانونية؛ ومثاله، الخلط بين القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع؛ إذ أن القصور في التسبيب يتعلق بأسباب الحكم الواقعية على حين يتعلق الإخلال بحق الدفاع بالأسباب القانونية.
وصحيح أن السبب في الدفع ببطلان الحُكم قد يتعلق بمسألة واقع لكنها تؤدي إلى الخطأ في مسألة قانون. ومثال ذلك، أن يؤدي فهم القاضى الخاطئ لواقعات الدعوى وسببها إلى تطبيق نص قانونى لا ينطبق على النزاع. لكن فيما عدا ذلك، ينبغي التفريق بين السببين.
ومن الأخطاء الشائعة، أيضا، ذِكر الأسباب الواقعية دون ربطها بالأسانيد القانونية. ومثال ذلك، أن يقول المحامي أن المقاول تأخر في تسليم الأعمال ومن ثم يحق لصاحب العمل توقيع غرامة تأخير عليه دون أن يُبين النص الذي يتناول هذه المسألة في العقد.
ومنها، الدفع بسبب "غير مُنتج" لن يتغير به وجه الرأي في الدعوى. ومن صُوَره، السبب الذي يستند في الدفع بالبطلان إلى دليل واحد فقط من دليلين إستند عليهما الحكم، على حين أن الدليل الآخر يكفي وحده للحُكم بالبطلان. ومثاله، أن تقضي المحكمة بإلغاء قرار إداري لعدم الاختصاص ولعدم تسبيب القرار، فتنعى جهة الإدارة على الحكم في شأن عدم الإختصاص فقط.
ومنها، الدفع بسبب لا علاقة له بالأسباب التي أقامت عليها المحكمة حُكمها. ومثاله، أن تقضي المحكمة بانتهاء عقد الإيجار لعدم تجديده، فيستند الطاعن إلى عدم توافر شروط الفسخ، على حين أن المحكمة لم تفسخ العقد بل قضت بانتهائه. ومنها "التجهيل والتعميم"؛ ومثاله، أن ينعى الطاعن على الحُكم بمخالفة الثابت بالأوراق دون أن يبين المستندات التي خالفها الحكم. ومنها، تكرار العيب الذي يشوب الحُكم مصحوبا في كل مرة بسبب مختلف؛ ومثاله، تكرار عيب "القصور في التسبيب" مرة بسبب تعارض الأدلة، وأخرى بسبب التجهيل، وثالثة، بسبب إغفال الرد على دفع جوهري.
وكثيرا ما يتم الخلط بين أسباب الطعن بالبطلان، وأوجه الدفاع في موضوع الدعوى بأن يكتب المحامي أسباب الطعن في شكل أوجه دفاع؛ ومثاله، أن يكتب المحامي "بطلان الحكم لتعارض الأدلة." والأدق في التعبير، أن يكتب "الفساد في الإستدلال بسبب تعارض الأدلة".
وفي رأينا، أنه مهما كانت مهارة المحامي في المرافعة، فإنه مالم تتوافر لديه مهارة الكتابة القانونية الجيدة لن يكون محاميا عظيما إلا بمحض الصدفة!
