الأخطاء الشائعة في كتابة القرار الإداري والطعن عليه
محمود محمد علي صبره
استشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لا يكاد يمر يوم دون أن تصدر عشرات القرارات الإدارية من مختلف الوزارات والأجهزة الحكومية مَعيبة من جهة مخالفتها للشروط القانونية الواجب توافرها فيها أو لأخطاء في طريقة كتابتها الأمر الذي يؤدي إلى الإعتراض عليها أمام المحاكم وربما الحُكم بإلغائها! والمفارقة، أن الأمر لا يقتصر على الأخطاء التي تعيب كتابة القرار الإداري بل تمتد لتشمل حتى أسباب الطعن عليه!
ويُعرَّف القرار الإداري بأنه إفصاح الإدارة عن إرادتها المُلزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح، وذلك بقصد إحداث مركز قانوني معين، متى كان ممكناً وجائزاً قانوناً، وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة. ومن المبادئ المُستقرة قانونا وقضاء وفقها أن القرار الإداري يجب أن يكون نهائياً؛ بمعنى أن يكون قد استنفد جميع مراحل إصداره القانونية وأصبح مُلزماً ونافذاً ولا يحتاج إلى تصديق من سُلطة إدارية أعلى. لكن كثيرا ما يتم الطعن على قرارات تُصدرها الجهة الإدارية لا تتصف بالطابع النهائي، ومنها الأعمال التحضيرية والقرارات التمهيدية، ومثالها، التوصية بترسية العقد على المقاول الفائز، فهى لا تعتبر قرارا إدارياً لأنها مُعلقة على تصديق صاحب الصلاحية. ويحدث الخطأ هنا عندما يتم الطعن على التوصية باعتبارها قرارا نهائيا على حين أنها لا تعدو أن تكون سوى إجراء مصلحيا داخليا وعملا تمهيديا.
وتُقسّم القرارات الإدارية إلى قرارات فردية تُخاطب أشخاصا بصفتهم الفردية وقرارات تنظيمية (أو لائحية) تُخاطب فئة من الناس. ومثال للقرار الفردي، قرار التعيين فى إحدى الوظائف. أما القرار اللائحى فيُعتبر، من الناحية الشكلية، قرارا إداريا كوْنه صادرا من جهة إدارية، لكنه، من الناحية الموضوعية، إذا تضمن قواعد عامة، يُعتبر تشريعا. وبينما تملك المحاكم حق تفسير اللوائح وعدم تطبيقها إذا كانت غير مشروعة، لا تملك سلطة تفسير القرارات الفردية أو وقف تنفيذها. وقد يتمثل الخطأ في إعتبار القرار قرارا إداريا على حين أنه يُعتبر تشريعا، أو العكس.
ويُشترط لصحة القرار الإداري توافر خمسة أركان أساسية؛ هي: الاختصاص، والشكل، والسبب، والمحل، والغاية. وقد يكون عدم الاختصاص بسيطاً، مثل إعتداء جهة إدارية على إختصاص جهة إدارية أخرى، وهنا يكون القرار غير مشروع ويجوز الطعن عليه بشرط التقيد بميعاد دعوى الإلغاء. وقد يكون عدم الاختصاص جسيما، مثل إعتداء جهة إدارية على إختصاص المُشرّع أو القضاء، وهنا يُعتبر القرار مُنعدما، ويجوز الطعن عليه دون التقيد بميعاد دعوى الإلغاء. وقد يحدث الخطأ في الطعن على القرار بعيب عدم الإختصاص البسيط دون التقيد بميعاد دعوى الإلغاء، على حين أن عدم التقيد بميعاد الدعوى لا ينطبق إلا في حالة عدم الإختصاص الجسيم.
وعند ممارسة الإختصاص، تنبغي مراعاة القواعد القانونية الخاصة بالتفويض، والحلول، والإنابة، والندب. ويُعتبر ذِكر إسم ولقب السلطة المُصدرة للقرار الإداري عُنصرا مُهما لإثبات صحته. والهدف من ذلك هو طمأنة المخاطبين به إلى أنه صدر ممن يختص قانونا بإصداره. وينبغي التحقق من صحة إختصاص الشخص المُصدر للقرار، ومن أن موضوعه من الموضوعات التي يجوز للإدارة أن تتخذ في شأنها إجراء معينا، ومن توافر الشروط المكانية والزمانية لممارسته. ومثال للقرارات المشوبة بعيب عدم الإختصاص، صدور قرار بإنهاء خدمة موظف من مسئول غير مختص بإصداره، أو في موضوع لا يقع ضمن إختصاصه، أو صدوره بعد إنتهاء مدة ولايته.
والأصل، أنه لا يُشترط أن يصدر القرار الإداري في شكل مُعيّن، لكن إذا إشترط القانون شكلاً مُعيناً فيه فيجب على الإدارة مراعاته. ويُعتبر الشكل عنصرا جوهرياً لصحته إذا كان يترتب على إغفاله المساس بالضمانات التي تحمي حقوق الأفراد. ومثال للشروط الشكلية الجوهرية، شرط أن يسبق توقيع العقوبة التحقيق مع الموظف. ومثال ثان، إذا إستلزم القانون إستشارة جهة ما قبل إصدار القرار فيجب على جهة الإدارة أن تقوم بهذا الإجراء، وإلا كان القرار باطلاً. لكن، تصدر العديد من القرارات الإدارية دون مراعاة لهذه الشروط.
ويُعتبر السبب عُنصرا موضوعيا خارجيا يُعطي لجهة الإدارة الحق في إصدار القرار الإداري. وتُعرّفه المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه "حال واقعية أو قانونية تحمل الإدارة على التدخل بقصد إحداث أثر قانوني". ومثال للواقعة المادية، وجود منزل آيل للسقوط فتؤدي هذه الحال إلى تدخل الإدارة باتخاذ قرار بهدم المنزل. ومثال للواقعة القانونية، وجود وظيفة شاغرة ترغب الإدارة في شغلها فتُصدر قرارا بتعيين موظف لشغلها. ويقوم السبب في القرار الإداري على ثلاثة عناصر: الأول، الوجود المادي للواقعة التي تُبرر إصداره، والثاني، التكييف القانوني للواقعة، والثالث، التناسب بين سبب القرار وموضوعه.
وقد يحدث الخطأ في شكل عدم مراعاة أحد العناصر الثلاثة المُشار إليها عند إصدار القرار الإداري. ومثاله، صدور قرار غير متناسب بتوقيع عقوبة إدارية جسيمة على مخالفة بسيطة. كذلك، قد يحدث الخلط بين السبب في إصدار القرار وتسبيبه؛ أي تضمينه الأسباب التي دعت إلى إصداره. والأصل، أن الإدارة لا تُلزم بتسبيب قراراتها على أساس أنها تصدر بناءً على سبب صحيح، وعلى من يدعي العكس أن يُثبت ذلك. واستثناء من ذلك، هناك حالات يُلزم القانون فيها الإدارة بأن تذكر سبب إصدار القرار، ومثالها، عدم جواز توقيع الجزاء على الموظف إلا بعد إجراء تحقيق معه كتابيا وسماع أقواله وتحقيق دفاعه. ويتمثل الخطأ في هذه الحالة في عدم تسبيب القرار على حين أنه كان ينبغي تسبيبه.
ويُقصد بمحل القرار موضوعه، أو الأثر القانوني المباشر المُترتب عليه. ويتمثل العيب في ركن المحل في خروج الإدارة في تصرفاتها عن حدود القانون والقواعد واجبة التطبيق التي يتعين عليها أن تتقيد بها. والمقصود بالقانون هنا كل قاعدة عامة مجردة أياً كان مصدرها. ويُعتبر عيب المحل من أكثر أسباب دعاوى الإلغاء حدوثا. وقد يحدث الخطأ في شكل مخالفة القاعدة القانونية مباشرة من جهة موضوعها، أو الخطأ في تفسيرها أو تأويلها أو تطبيقها. ومثاله، أن يتم إنهاء خدمة موظف لسبب غير الأسباب الواردة حصرا في قانون الخدمة المدنية.
ولكي يُعتبر القرار الإداري مشروعاً، ينبغي أن تكون الغاية منه تحقيق المصلحة العامة. ويختلف ركن الغاية عن ركن السبب؛ فالسبب واقعة توجد قبل أو عند إصدار القرار فتدفع الإدارة إلى إصداره، أما الغاية فهي ما تسعى الإدارة إلى تحقيقه من إصداره. ويُعد القرار الإداري غير مشروع إذا قصد هدفاً يخرج عن المصلحة العامة أو الغاية منه. لكن، كثيرا ما يتم الخلط في الطعن على القرار بين رُكني السبب والغاية.
وسواء كان القرار الإداري فرديا أو جماعيا، يجب أن يشتمل على العناصر الآتية: عنوان القرار، ومقدمته، ومنطوقه، وتوجيه الأمر إلى الجهات المختصة لتنفيذه، وتوقيع السلطة المختصة عليه. ويجب أن يشتمل عنوان القرار على رقمه وتاريخ إصداره، وأن يُفصح عن مضمونه بشكل موجز. ومن العيوب الشائعة في هذا السياق تجهيل العنوان، ومثاله، "قرار إداري رقم ×× لسنة ×× " بدلا، مثلا، من "قرار رقم ×× لسنة ×× بإنهاء خدمة موظف".
وينبغي التفريق بين حالتين؛ الأولى، صدور القرار باسم جهة ما بصفتها الجماعية (مثلا، مجلس الإدارة، مجلس الوزراء، إلخ.) بعد عرض القرار عليها وموافقتها عليه، والثانية، صدوره باسم "رئيس الجهة"، إستنادا إلى سلطاته بدون عرضه على الجهة وموافقتها عليه. وفي الحالة الأولى، يُصاغ العنوان كالتالي "قرار مجلس الإدارة"، وفي الحالة الثانية، يُصاغ كالتالي "قرار رئيس مجلس الإدارة". ويُلاحظ، في هذا السياق، ان اللائحة التنفيذية للقانون تصدر في مصر باسم "قرار رئيس مجلس الوزراء" على حين أنها تصدر في كل من السعودية والإمارات وغيرهما باسم "قرار مجلس الوزراء". وفي رأينا، أن الصيغة الأولى هي الأدق حتى وإن كان الدستور ينص حرفيا على أن "مجلس الوزراء يُصدر اللوائح ..." لأن القرار يَصدر ويُوقع من رئيس المجلس بصفته ممثلا له إستنادا إلى سلطاته التي منحها له الدستور أو النظام الأساسي للحكم، ولأن مسالة موافقة المجلس على اللائحة يُفترض أنها يُشار إليها في مقدمة (ديباجة) القرار.
ويأتي في صدر القرار، بعد عنوانه، إسم وصفة السلطة المُصدرة له. ومثال ذلك، "نحن ×××××، وكيل الوزارة لشؤون ×××". ومن الأخطاء الشائعة في هذا الخصوص، عدم الإشارة إلى السلطة المُصدرة للقرار في صدره نهائيا، ويُعتبر ذلك عيبا جوهريا من شأنه أن يؤثر في صحته.
وتتكون مقدمة القرار من العناصر الآتية: فقرة الإستناد؛ وفقرة الإطلاع، وفقرة العرض، وفقرة القرار. وتوضح فقرة الإستناد المَصدر الذي إستمد منه مُصدر القرار سُلطته؛ ويُفترض أن هذه السلطة قد مُنِحت له بقانون. ومن الأخطاء الشائعة في هذا الخصوص، صياغة فقرة الإستناد مسبوقة بعبارة "بعد الإطلاع على"، على حين كان ينبغي إستخدام صيغة "إستنادا إلى ....". وفي السياق نفسه، تنبغي الإشارة إلى المادة التي تنص على منحه هذه السلطة في القانون، لكن، يتم كثيرا إستخدام الصيغة العامة "بعد الإطلاع على الدستور" أو "بعد الإطلاع على قانون ×××" دون تحديد رقم المادة المُشار إليها.
وقد يُمنح الإختصاص بتفويض من صاحب السلطة الأصيل، وفي هذه الحالة، ينبغي التأكد من أن التفويض قد مُنح بموجب نص في القانون يُجيز له تفويض غيره، وأن تتضمن الفقرة الإشارة إلى النص الذي يُخوله ذلك الإختصاص، ورقم قرار التفويض.
وبعد فقرة الإستناد، تُدرج فقرة الإطلاع، ويُشار فيها إلى الوثائق القانونية ذات الصلة بموضوع القرار. ثم، تلي ذلك فقرة العَرْض، ويُشار فيها إلى المراحل والإجراءات التي سبقت عرض القرار على السلطة المختصة وموافقتها عليه. وبعد فقرة العَرْض، تأتي فقرة القرار لتمهد لمنطوقه، ويُفضل أن تأخذ صيغة "قررنا ما يلي" لأن صياغة الفعل بصيغة الجمع، بدلا من صيغة المُفرد، يُضفي عليه طابعا رسميا. ومن الصيغ الرديئة المُستخدمة في هذا السياق، صيغة "يقرر" أو "قرر"، لأن فعل "قرر" من الأفعال الساكنة التي لا تصلح معها صياغته في زمن المضارع.
وفي حال القرارات الفردية، يُصاغ الفعل المُعبّر عن مضمون القرار بصيغة الأمر التشريعي على وزن "يُفعَل"؛ ومثاله "يُعيّن، يُمنح، يُرقّى ×××××.". وفيما عدا ذلك، تُستخدم صيغة المضارع البسيط. وفي نهاية منطوق القرار، يُوجّه الأمر إلى الجهات المختصة لتنفيذه. ويأخذ هذا الأمر الصيغة الآتية "على جهات الإختصاص تنفيذ هذا القرار كل فيما يخصه." وفي حال القرارات اللائحية، تُراعى في صياغة عنوانها ومقدمتها الإعتبارات المذكورة أعلاه. وتُراعى في صياغة مضمونها، الإعتبارات الواجب مراعاتها في صياغة مشروعات القوانين.
وفي رأينا، أن كثيرا من الدعاوى التي تعترض على القرارات الإدارية يُمكن تجنبها لو روعيت الإعتبارات المُشار إليها أعلاه عند إصدارها وكتابتها.
