الإتجاهات الدولية الحديثة في تعزيز القدرات التشريعية للمجالس النيابية
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
يقول "جيمس ماديسون"، رابع رئيس حَكم أمريكا، "لو كان الناس مَلائكة، لما إحتجنا إلى حكومة، ولو كان الحُكام مَلائكة، لما إحتجنا إلى رقابة على الحكومة." وخلال العقدين الأخيرين، شهدت الرقابة البرلمانية على الحكومة، وخصوصا الرقابة التشريعية، تطورات سريعة مُتلاحقة وأصبحت وفق الإتجاهات الدولية الحديثة تقوم على الأدلة والبيانات وتتكامل فيها أدوات التحليل الرقمي مع منهج تقييم الأثر التشريعي والتحقق من التنفيذ والإمتثال، وتوسعت لتشمل دورة التشريع بأكملها بدءا بمرحلة تشخيص المشكلة وتحديد مضمون التشريع، وتحليل الأثر المترتب على تنفيذه، مرورا بصياغته ومناقشته في البرلمان وإدخال التعديلات عليه، وانتهاء بإقراره وصدوره ومتابعة الآثار المترتبة على تنفيذه لاحقا وتقييمها. وسنحاول في هذا المقال رصد أبرز الإتجاهات الدولية في هذا المجال.
أولا- إنشاء وحدة لتحليل البيانات التشريعية. يُعتبر إنشاء وحدة مُستقلة تُسمى "وحدة تحليل البيانات التشريعية" من أبرز الإتجاهات العالمية في هذا المجال. وتتولى هذه الوحدة إعداد ملف تحضيري لكل مشروع قانون يُحدد المشكلة بوضوح والبدائل المُتاحة لحلها وتكلفة كل منها ومزاياه، ومدى إنسجامه مع الدستور والقوانين ذات الصلة داخليا، ومقارنة القانون المُقترح بالتشريعات الدولية المُماثلة، وبيان مخاطر التطبيق، ولا يُقبل مُقترح القانون للعرض على اللجنة المُختصة إلا إذا كان مصحوبا بذلك الملف.
ورغم أن البرلمان المصري يضم فعلا "قطاع البحوث البرلمانية" الذي يتولى إعداد مختلف البحوث والدراسات التي تتطلبها إحتياجات العمل البرلماني، ينبغي تعزيز دوره عن طريق تحويل البحث البرلماني إلى "خدمة تشريعية" مُلازمة لكل مشروع قانون. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن تتضمن اللائحة الداخلية للبرلمان نصا يُلزم اللجان النوعية بأن تُدرج ضمن تقاريرها بيانات تُوضح الأثر المالي والتوافق الدستوري وبدائل التشريع ومدى قابلية التدابير المنصوص عليها فيه للتنفيذ.
ثانيا- رقمنة العملية التشريعية. يُقصد بذلك بناء منظومة إلكترونية مُتكاملة لإدارة جميع مراحل إعداد التشريع وصياغته ومناقشته ومراجعته وإقراره ونشره وتعديله لاحقا باستخدام أدوات رقمية وقواعد بيانات وتحليلات ذكية، وإعادة هندسة دورة التشريع بالكامل عبر إنشاء منصات تشريعية إلكترونية، واستخدام قوالب ذكية للصياغة التشريعية، واستطلاع الرأي إلكترونيا، وربط النصوص بقواعد بيانات الأحكام القضائية، والتنبيه تلقائيا إلى التعارض التشريعي، وتتبع التعديلات مادة بمادة، وعمل أرشيف إلكتروني ذكي للمناقشات في اللجان والتصويت، والنشر الذكي الذي يسمح بنشر القوانين بطريقة رقمية تُتيح البحث الذكي وتتبع تاريخ التعديلات وعرض نسخة مُدمجة حديثة.
ويُمكن بناء نموذج رقمي في البرلمان المصري تدريجيا من أربع (4) مراحل: الأولى، عمل أرشفة رقمية كاملة للتشريعات وإنشاء قاعدة بيانات مُوحدة. الثانية، إنشاء منصة صياغة ذكية وتصميم برنامج لتتبع المسار التشريعي. الثالثة، إدخال نظام إلكتروني إلزامي لتقييم الأثر التشريعي وادوات كشف التعارض التشريعي. الرابعة، تحليل النصوص آليا باستخدام أدوات الذكاء الإصطناعي، ونماذج محاكاة الأثر، وربط المشروع بالنظام القضائي.
ولتنفيذ ذلك، يجب البدء بتضمين اللائحة الداخلية للبرلمان المواد الثلاثة الآتية: مادة (1): الإيداع الإلكتروني الإلزامي. "لا يُقبل مشروع قانون إلا إذا أُودع في صيغة إلكترونية عبر المنصة التشريعية الرقمية ما يلي: 1) النص الكامل للمشروع. 2) المذكرة الإيضاحية. 3) تقرير الأثر التشريعي. 4) بيان الأعباء المالية. 5) مقارنة تشريعية. مادة (2): تَتَبُع التعديلات. "تلتزم اللجان النوعية باستخدام نظام تتبع التعديلات مادةً بمادة، ويُحفظ سجل إلكتروني يُعد مرجعًا رسميًا لأعمال المجلس." مادة (3): الأرشفة الإلكترونية. تُحفظ جميع أعمال اللجان والجلسات في أرشيف رقمي، ويُعد السجل الإلكتروني حُجة في إثبات سلامة الإجراءات.
ثالثا- إدخال نظام "تقييم الأثر التشريعي (RIA)". لم يعد تقييم الأثر التشريعي مُجرد وظيفة تخص السلطة التنفيذية وحدها التي تتولى إعداد أغلب مشروعات القوانين بل تتجه البرلمانات إلى تعزيز قدرة أعضاء البرلمان على إقتراح مشروعات القوانين ومراجعة جودة الأثر التشريعي. وتُشدد منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD في توصياتها على إدماج منهج تقييم الأثر التشريع مُبكرًا في عملية إعداد المقترحات التشريعية. ويمكن إنشاء "وحدة لتقييم الأثر التشريعي" ضمن قطاع البحوث بحيث تُقدم هذه الخدمة لكل لجنة نوعية، مع إلزام السلطة التنفيذية بتقديم تقرير تقييم الأثر التشريعي مع كل مشروع. وفي البرلمان البريطاني، تُلزَم الجهة مُقدِّمة مشروع القانون بإعداد تقرير عن تقييم الأثر التشريعي قبل عَرضه على البرلمان، وتُنشر الدراسات المُصاحبة له للنقاش، مع وجود وحدات بحثية مستقلة في البرلمان تدعم اللجان. وفي الجمعية الوطنية الفرنسية Assemblée Nationale تُلزَم الجهة مُقدِّمة مشروع القانون بتقديم تقرير تقييم الأثر وهناك رقابة دستورية صارمة في حال عدم تقديمه.
رابعا- تعزيز القدرات التشريعية لأمناء اللجان. بالإضافة إلى التدريب التقليدي على قواعد الصياغة التشريعية، ينبغي تدريب أمناء اللجان على إستخدام الأدوات الرقمية الحديثة، ومثالها، كيفية التعامل مع الذاكرة التشريعية الرقمية، والمسار الإلكتروني لدورة التشريع، ونظام تتبع تعديلات المواد، ومكتبة السوابق التشريعية، والنماذج الإلكترونية للصياغة، وغيرها.
خامسا- البرلمان المفتوح. توسيع التشاور العام والمشاركة العامة في صناعة القوانين عن طريق إتاحة الإطلاع على مشروعات القوانين المَعروضة على البرلمان، وإشراك أصحاب المصلحة لإبداء ملاحظاتهم عليها، ليس فقط من باب الحِرص على المُشاركة الديمقراطية بل أيضا لتحسين جودة التشريع وتمكين النواب من فهم الأثر الواقعي لمشروعات القوانين المعروضة عليهم. ويتم ذلك عن طريق إنشاء منصات تشاور عامة رقمية، وإجراء إستطلاعات تفاعلية، وتحليل آراء المواطنين باستخدام الذكاء الإصطناعي، وإنشاء نظام إلكتروني لتقديم الشكاوى.
ومثال ذلك، الموقع الإلكتروني لمجلس العموم البريطاني https://www.parliament.uk الذي ينشر النصوص الكاملة لكل مشروعات القوانين المَعروضة أمامه خلال كل المراحل التي يمر بها بالإضافة إلى نصوص التعديلات المُقترحة، فضلا عن نشر كل اللوائح ذات الصلة. وبعد صُدور القانون، تُنشر نصوصه على موقع legislation.gov.uk، وهو الموقع الرسمي لجمع ونشر النصوص القانونية السارية في المملكة المتحدة. وكلا الموقعين يُتاح الدخول إليهما دون دفع أية رسوم إشتراك أو قصر الدخول على المُشاركين المُسجلين فقط!
لكن، كيف تتم المشاركة العامة في صنع القانون إذا كانت نصوصه محبوسة في قلعتين مُحصّنتين من النصوص الرقمية؛ الأولى، بوابة التشريعات المصرية التابعة لمركز المعلومات بمجلس الوزراء elpai.idsc.gov.eg التي لا يُسمح بدخولها إلا بعد دفع تكلفة الإشتراك، والثانية، الموسوعة القانونية لوزارة العدلhttps://emj-eg.com التي لا يُسمح بدخولها إلا لأعضاء الهيئات القضائية. أما مجلس النواب المصري فموقعه الإلكتروني يخلو تماما من نشر أية مشروعات قوانين معروضة عليه أو حتى القوانين التي تم إقرارها وإصدارها. ويُمكن، أيضا، إنشاء منصة على موقع البرلمان تُتيح للجمهور إبداء أية ملاحظات على مشروعات القوانين المعروضة على البرلمان لمدة محددة مع تكليف قطاع البحوث بعمل تلخيص رسمي لها وعرضه على اللجنة النوعية المختصة.
سادسا- التشريع القائم على الأدلة والبيانات. يربط هذا المنهج كل تدبير تشريعي ببيانات قابلة للقياس، ويرتبط هذا المنهج بمبادئ دستورية مثل التناسب، والمساواة، ومنع الإنحراف التشريعي، وحماية الحقوق والحريات. ومثال للتشريع المبني على هذا المنهج، مقارنة بالمدرسة التقليدية، عند سن نص يفرض غرامة مالية، بدلا من تحديد مبلغ إفتراضي أو في نطاق حد أدنى وحد أقصى، أو نسبة ثابتة، يتم تحليل متوسط المخالفة، ومقارنة نسب الغرامات دوليًا، وربط المبلغ بمؤشر إقتصادي، واختبار أثره على المشروعات الصغيرة، ومُحاكاة أثره بعد خمس سنوات مع التضخم.
سابعا- إستخدام الذكاء الإصطناعي لتحسين جودة التشريع. من أبرز الإتجاهات الدولية الحديثة في هذا المجال إستخدام برامج كمبيوتر على شبكة الإنترنت تُقدم حلولا تكنولوجية مبتكرة في مختلف عمليات الصياغة التشريعية من خلال إتاحة إستخدام تصميم آلي لإعداد التشريع وتعديله. ويمكن إستخدام تقنيات الذكاء الإصطناعي في تحسين جودة التشريع عن طريق إستخدام تقنية "مُعالجة اللغة الطبيعية" NLP لتحليل النصوص التشريعية لاكتشاف الغموض التشريعي، ونماذج المقارنة التشريعية الدولية، وتحليل إتجاهات الطعن الدستوري، وكشف العبارات الإنشائية غير القابلة للتنفيذ. وفي ألمانيا، تُستخدم، في الوقت الحالي، برمجيات آلية وتطبيقات مُختلفة في كل مراحل العملية التشريعية بدءا من تقديم الاقتراح الأول للتشريع وانتهاءا بإقراره. وفي بريطانيا، ظهر برنامج كمبيوتر يُحلل ويُفسر البيانات يُسمّى Lex مُصَمّم لتسهيل عمل الصائغين التشريعيين. ومن خصائصه البارزة القدرة على البحث بسرعة وتحديد أماكن المواد التشريعية ذات الصلة بالتشريع محل الدراسة بطريقة لا تستطيع الطرق التقليدية للبحث أن تفعلها.
ثامنا- الرقابة اللاحقة على التشريع. أصبح فحص البرلمان للتشريع بعد صُدوره جزءا أساسيا من عمل البرلمان. ويُمكن إسناد هذه المُهمة إلى اللجان النوعية بحيث تتولى كل لجنة القيام بها، بعد صدوره، خصوصا التشريعات المُهمة، من خلال لوحات متابعة تنفيذ القوانين implementation dashboards، ومؤشرات الأداء الرئيسة المرتبطة بكل مادة، ونظام الإنذار المبكر عند إنخفاض مُستوى الإمتثال، والربط المباشر ببيانات الجهات التنفيذية. ولا شك في ان هذه المتابعة ستؤدي إلى كشف التدابير التشريعية غير الفعالة ورصد التطبيق غير الفعال.
ومن الإتجاهات البارزة في هذا المجال إلزام الجهة المُنفذة بأن تعرض على البرلمان تقريرا عن الآثار المترتبة على التشريع خلال مدة مُعينة بعد سريانه، وعقد جلسات إستماع مع أصحاب المصلحة. ويُمكن إدراج مادة في التشريع نفسه تُلزم الجهة المُختصة بتقديم ذلك التقرير بناء على مؤشرات رقمية مُعتمدة مُسبقا لتقييم الأداء. وفي البرلمان الهولندي، يُجري البرلمان تقييما دوريا لاحقا للقوانين يتضمن تحليل الأعباء الإدارية على الشركات، ومؤشرات قياس أثر التشريع.
وفي رأينا، أن التشريع لم يعد مجرد أداة لتنظيم العلاقات فحسب، بل أصبح أداة لتحقيق التنمية والتقدم، وما لم يلحق البرلمان بركب التطور الدولي في مجال تعزيز الرقابة التشريعية، لن يحدث التقدم ولن تحدث التنمية إلا إذا كانت لدينا حكومة من الملائكة!
.... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن موضوع "شرط شمول العقد لكل الإتفاق"
