"الالتزامات الضمنية في العقود وأثرها في كسب الدعوى"
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
من الحقائق الصادمة أنه لا يوجد عقد كامل يحتوي على كل ما يلزم لتنفيذه! ومهما بلغت براعة من يصوغ العقد، قلما تُعبّر النصوص الصريحة الواردة فيه عن كل مستلزماته. فماذا يفعل القاضي إذا لم يكن هناك نص صريح في العقد يتعلق بالتزام محل منازعة ينظرها؟ هل يقضي ببطلان العقد بسبب نقص الالتزامات التعاقدية ويرفض السير في نظر الدعوى؟ وما المصادر التي يُمكنه أن يستخلص منها الحُكم؟ وما الحُكم لو أن العقد تضمن شرط "شمول العقد لكل الإتفاق"؛ ما يعني أن الطرفين المُتعاقدين اتفقا على استبعاد أية إلتزامات أخرى لم ينص عليها العقد؟ فهل تكون لإرادة المتعاقدين الأولوية على أية التزامات أخرى لم ينص عليها العقد؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.
الأصل، أن الالتزامات الناشئة عن العقد واجبة التنفيذ طبقًا لما اشتمل عليه. (طعن رقم 1846 لسنة 52 ق.، جلسة 27/3/1986). ولا يجوز للقاضي تعديل العقد أو إعفاء المدين من التزامه إلا في الحالات التي يُقررها القانون. (طعن رقم 2476 لسنة 54 ق.، جلسة 19/1/1989). بل إنه حتى في العقود الإدارية، لا يجوز للإدارة التحلل من التزاماتها التعاقدية وتمتنع عن تنفيذ التزام صريح في العقد إلا في الحالات التي يُقررها القانون.
لكن، ماذا يحدث لو أن العقد خلا من التزام يُعد من مُستلزماته؟ تنص مادة (148) من القانون المدني المصري على ما يلي: 1) يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يُوجبه حُسن النيه. 2) ولا يقتصر العقد على إلزام العاقد بما ورد فيه، ولكن يتناول أيضا ما هو من مُستلزماته وفقا للقانون والعُرف والعدالة بحسب طبيعة الألتزام." مُؤدى ذلك أنه إذا خلا العقد من نص صريح حول الحالة المعروضة، يجوز للقاضي أن يلجأ لاستخلاص الأحكام اللازمة لتنفيذه من القانون، أو المبادئ القضائية المُستقرة، أو طبيعة العقد، أو العُرف والعادات التجارية، أو مبدأ حسن النية وأمانة التعامل. ومن ثم، فإن عدم النص صراحة في العقد على التزام مُعيّن لا يترتب عليه عدم وجوده، متى كان من مستلزمات العقد.
ومثال ذلك، تعاقدت جهة حكومية مع شركة لتوريد أجهزة خلال 60 يومًا من اليوم التالي لصدور أمر التوريد، لكن الجهة تأخرت في إصداره وفي اعتماد الفحص الفني، ثم فرضت غرامة تأخير على المورد لتأخره في التوريد. فهل يجوز لها ذلك؟ قضت محكمة النقض المصرية بأن "الثابت أن الجهة الإدارية قد أخلّت بالتزاماتها الضمنية اللازمة لتنفيذ العقد، إذْ امتنعت عن إصدار أمر التوريد في المواعيد المناسبة وتأخرت في إجراءات الفحص، ما أدى إلى تعطيل التنفيذ، وهو ما يُسقط مسؤولية المُورد عن التأخير." (طعن رقم 253 لسنة 50 ق.). مؤدى ذلك أن إخلال الجهة الإدارية بالتزامات لازمة لتنفيذ العقد رغم أنه لم ينص عليها يجعلها مسؤولة عن إخلال المُتعاقد معها بالتزاماته المُقابلة.
ومثال ثان، تعاقدت جهة عامة مع شركة مقاولات لتنفيذ مشروع إنشاءات وفق المواصفات المُعلنة، لكنها أجرت بعد ذلك تعديلات في التصميم ترتب عليها زيادة في الكميات والتأخر في صرف المُستخلصات وتعطل تنفيذ المشروع. وطلب المقاول تعويضه لكنها رفضت وفرضت عليه جزاءات. قضت المحكمة الإدارية العليا بأن هناك التزامات ضمنية على الجهة بالحفاظ على التوازن المالي للعقد وسُرعة صرف المستحقات، ومن ثم، يستحق المقاول تعويضا ماليا عن زيادة التكلفة وتمديد مدة التنفيذ، وقضت بإلغاء الجزاءات المُوقعة عليه (طعن رقم 1583 لسنة 44 ق.). مؤدى ذلك أن الحفاظ على التوازن المالي يُعد إلتزاما ضمنيا على جهة الإدارة.
وفي كثير من الحالات، يتدخل القانون ليضع التزامات ضمنية على الأطراف المُتعاقدة حتى لو لم ينص عليها العقد صراحة. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "العقد لا يقتصر على ما ورد فيه، بل يتناول أيضًا ما هو من مُستلزماته وفقًا للقانون والعُرف والعدالة." (طعن رقم ١٠٦ لسنة ٤٩ ق.، جلسة 15/1/1983).
ومن أمثلة الالتزامات الضمنية المُستمدة من القانون المدني المصري في عقد البيع، إلتزام البائع بأن "يقوم بما هو ضرورى لنقل الحق المبيع الى المشترى وأن يكف عن أى عمل من شأنه أن يجعل نقل الحق مُستحيلا أو عسيرا" (مادة-428). ومثلها في عقد الإيجار، التزام المُؤجر أن يُسلم المستأجر العين المُؤجرة وملحقاتها فى حالة تصلح معها لأن تفى بما أعدت له من المنفعة، وفقا لما تم عليه الاتفاق أو لطبيعة العين (مادة-564). ومثلها في عقد العمل، التزام العامل بأن يؤدى العمل بنفسه وأن يبذل فى تأديته من العناية ما يبذله الشخص المُعتاد، وبأن يحتفظ بأسرار العمل الصناعية والتجارية حتى بعد انقضاء العقد (مادة-685). وفي عقود المقاولات، "لا يقتصر الإلتزام على النصوص الواردة في العقد بل يمتد إلى تحقيق الغرض الفني." (طعن رقم 168 لسنة 37 ق.). وبموجب قواعد الفيديك، يلتزم المقاول بواجب التعاون والإخطار المُبكر بالمخاطر والتخفيف عن الضرر حتى لو لم ينص العقد على ذلك.
وفي العقود الإدارية، يخضع العقد لالتزامات ضمنية ترتبط بحُسن سير المرفق العام. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "العقد الإداري تحكمه إعتبارات المرفق العام بما يفرض التزامات غير منصوص عليها." (طعن رقم 2191 لسنة 35 ق.ع.، جلسة 18/3/1995). وبأن "التزامات المُتعاقد مع الإدارة لا تقتصر على نصوص العقد، بل تمتد إلى ما تفرضه طبيعة المرفق العام وأصول العمل الفني." (طعن رقم ٣٢٧٩ لسنة ٣٦، ق.ع.، جلسة ٢٣/٣/١٩٩١). وبأنه " لا يجوز تفسير العقد الإداري بما يُعطل سير المرفق العام أو ينتقص من التزامات المُتعاقد الجوهرية." (طعن رقم ٢١٥٦ لسنة ٤٠ ق.ع.، جلسة ٧/٦/١٩٩٧). مُؤدى ذلك، أن الالتزامات الضمنية مُلزمة أيضا في العقود الإدارية وترتبط بحُسن سير المرفق العام.
كذلك، يُمكن أن تكون المبادئ القضائية المُستقرة مصدرا لاستخلاص الالتزامات الضمنية من مسائل الواقع. وقد إعتمدت المحاكم الانجليزية ثلاثة معايير لاستخلاص ما إذا كان هناك إلتزام ضمني مُعين في العقد، أم لا؛ الأول، معيار "المُتفرج الفضولي" officious bystander، ويعني أن يكون الالتزام الضمني واضحا جدا لأي مُراقب خارجي لدرجة أنه يستطيع أن يستنتج بسهولة أنه مُتفق عليه بين الطرفين. والثاني، معيار المعقولية reasonableness test، ويعني أن الالتزام الضمني معقول ومُنصف. والثالث، معيار الضرورة necessity test. ويعني أن الإلتزام الضمني ضروري لتكون المعاملة فعالة من الناحية التجارية وفق ما انعقدت عليه إرادة الطرفين. ويقول اللورد "بريدج" "يجوز للقاضي أن يستخلص من نوايا الطرفين أية التزامات ضمنية لسد النقص في العقد لجعله "فعالا" من الناحية التجارية. وعندما يفعل ذلك، فإنه يفعل ما كان الطرفان المُتعاقدان سيفعلانه لو أنهما لاحظا ذلك السهو.
ويُعتبر العُرف جزءا من العقد إذا تبين أنه من المُمارسات المُتعارف عليها في مجال التجارة نفسها في ذات المكان وأن أي شخص من خارج المهنة يستطيع أن يتبين ذلك بسهولة. ومثال للالتزامات الضمنية المُستمدة من العُرف، الالتزام بالنقل والتسليم وفق العادات التجارية. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "العُرف يُكمل ما سكت عنه العقد." (طعن رقم 1312 لسنة 56 ق.، جلسة 14/2/1990).
كذلك، يجوز للقاضي أن يستخلص الالتزامات الضمنية من مبدأ حُسن النية وأمانة التعامل. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "المُتعاقد يلتزم بما لم يُنَص عليه صراحة في العقد إذا كان من مُستلزمات تنفيذه." (طعن رقم 168 لسنة 37 ق.، جلسة 28/3/1972). وبأن ""حسن النية يفرض التزامات ضمنية تكمّل ما اتفق عليه المُتعاقدان."( طعن رقم ٢٥٣ لسنة ٥٠ ق.، جلسة 26/2/1985).
لكن، هل يجوز للطرفين المُتعاقدين استبعاد الالتزامات الضمنية؟ الأصل، أنها تُعد جزءًا من العقد، حتى لو لم ترد صراحة فيه، متى كانت لازمة بطبيعتها لتنفيذ الالتزام، أو إذا كان الالتزام مرتبطا بحُسن النية، أو يمس النظام العام. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض بأن "المقاول مُلزم بتنفيذ الأعمال وفق الأصول الفنية حتى لو لم ينص العقد صراحة على ذلك." (طعن رقم ١١١٣ لسنة ٤٤ ق.ع.، جلسة ٢٧/٥/٢٠٠٠). وبأن "كل شرط يقضي بالإعفاء من المسؤولية عن الغش أو الخطأ الجسيم يقع باطلا." (طعن رقم ١٧٦٦ لسنة ٥٢ ق.، جلسة ١٢/١/١٩٨٦). ومع ذلك، يجوز استبعاد الالتزامات الضمنية إذا كانت لا تتعلق بالنظام العام، وليست من مُستلزمات العقد الجوهرية، ولا تؤدي إلى تفريغ العقد من مضمونه.
لكن، ما الحُكم إذا تضمن العقد شرط "شموله لكل الإتفاق"؛ ما يعني أن الطرفين المُتعاقدين اتفقا على استبعاد أية التزامات أخرى لم ينص عليها؟ الإجابة: وجود هذا الشرط لا يستبعد الالتزامات الضمنية الجوهرية، وأي شرط يخالف ذلك يُفسَّر تفسيرا ضيقا أو يُقضى ببطلانه. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض بأنه "لا يجوز أن يتضمن الإتفاق ما يؤدي إلى تفريغ العقد من جوهره أو إسقاط الالتزامات الأساسية فيه." (طعن رقم ١٤٨٧ لسنة ٤٩ق.، جلسة ٢٥/١/١٩٨٣). كذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "شرط شمول العقد لكل الاتفاق لا يمنع من الرجوع إلى القواعد العامة ومُستلزمات التنفيذ." (طعن رقم ٦٤٥٢ لسنة ٥٢ ق.ع.، جلسة ١٥/٤/٢٠٠٦).
وفي واقعة تتعلق بعقد توريد أجهزة طبية لجهة حكومية، تضمن العقد شرطا ينص على أن "العقد يشمل كل الإتفاق بين الطرفين، ولا يلتزم المُورد بأية التزامات لم ينص عليها صراحة." لكن الأجهزة التي تم توريدها كانت غير متوافقة مع المعايير الفنية اللازمة للتشغيل. وقضت محكمة النقض بأن "استبعاد الإلتزام بالجودة الفنية يُفرغ عقد التوريد من جوهره، ويُصبح الشرط باطلا جُزئيا." (طعن 1487 لسنة 49 ق.، جلسة 25/1/1983).
والخلاصة، أن التزامات الطرفين المُتعاقدين لا تقتصر فحسب على تلك التي ينص عليها العقد صراحة بل تمتد لتشمل الالتزامات الضمنية التي تقتضيها طبيعته، أو العُرف والعادات التجارية، أو الأصول المهنية، أو مبدأ حُسن النية، أو اعتبارات حُسن أداء المرفق العام في العقود الإدارية. ولا يجوز الاتفاق على استبعاد الالتزامات الضمنية الجوهرية، كما لا يخل شرط "شمول العقد لكل الإتفاق" بأية التزامات ضمنية جوهرية لازمة لتنفيذه.
.... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن موضوع "نظرية العدالة العقدية"
