التعريفات الاصطلاحية التشريعية والآثار المترتبة على الخطأ في صياغتها
الاستشاري/ محمود صبره
الخبير الدولي في الصياغة التشريعية والكتابة القانونية
لماذا من المهم وضع مادة للتعريفات في صدر القانون؟ وما المقصود بالتعريف الاصطلاحي التشريعي؟ وما القواعد التي تنبغي مراعاتها في صياغته؟ وما المخاطر التي يمكن أن تنجم عن عدم مراعاتها؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.
يُقصد بالتعريف الاصطلاحي التشريعي النص الذي يحدد به المُشرّع مدلول لفظ معين لأغراض تطبيق التشريع، وإزالة الغموض، وتجنب اختلاف التفسير. ومثاله، تعريف "الوسائل الالكترونية" بأنها "كل وسيلة تتيح إنشاء البيانات أو إرسالها أو حفظها أو معالجتها بوسائل رقمية." والأصل، أن التعريف التشريعي الواضح يُقدم في نطاق تطبيقه على المعنى اللغوي أو الفني المتعارف عليه. ومع ذلك، يمكن اللجوء إلى المعنى اللغوى العادي للتفسير لاستجلاء مدلول التعريف في سياقه.
ومن القواعد الذهبية لصياغة التعريف الاصطلاحي ما يلي: 1) يجب ألا يُعرّف ما كان واضحا بذاته ولا يحتاج لتعريف. 2) يجب ألا يتضمن التعريف ألفاظا غامضة تحتاج إلى تعريف، ومثاله، تعريف "المستند الالكتروني" بأنه "كل محرر رقمي مناسب". لاحظ أن كلمة "مناسب" أكثر غموضا من المصطلح نفسه. والأدق في التعبير، تعريفه بأنه "كل بيانات أو معلومات تنشأ أو تحفظ أو ترسل بوسيلة إلكترونية ويمكن الرجوع إليها". 3) تجنب التعريف "الدوار"؛ ويُقصد به استخدام المصطلح نفسه أو مشتقاته في تعريفه على نحو لا يضيف إلى معناه. ومثاله: تعريف "الضرر الجسيم" بأنه " كل ضرر تراه الجهة المختصة جسيمًا".
4) يجب ألا يتضمن التعريف أحكاما موضوعية منشئة لحقوق أو التزامات. ومثاله، تعريف "المستثمر" بأنه "كل شخص يزاول نشاطًا استثماريًا ويتمتع بالإعفاءات الضريبية" لأنه يخلط بين صفة المستثمر والآثار القانونية المترتبة عليها. والأدق في التعبير، تعريفه بأنه "كل شخص طبيعي أو اعتباري يباشر مشروعًا استثماريًا".
5) يجب ألا يتضمن التعريف أحكاما تحدد السلوك المكون لجريمة. والسبب أن التجريم ينبغي أن يَعرف المخاطب بالقانون به وبعقوبته من النص ذاته. ومن ثم، يُفضل تعريف المصطلح بشكل عام كمفهوم فني في مادة التعريفات، ثم تخصص له مادة مستقلة ضمن مواد القانون تتضمن عناصر التجريم. ومثال ذلك، تعريف مصطلح "غسل الأموال" في مادة التعريفات بأنه يُقصد به "تحويل الأموال أو نقلها أو إخفاء حقيقتها أو مصدرها بأي شكل من الأشكال مع العلم بمصدرها غير المشروع، وفق ما تنص عليه مادة (××)." ثم تُخصص مادة موضوعية مستقلة من فقرتين؛ الأولى، تنص على ما يلي: "يُعد مرتكبًا لجريمة غسل الأموال كل من ارتكب عمدًا أي من الأفعال الآتية متى كان عالمًا بأن الأموال متحصلة من مصدر غير مشروع...". والثانية، تنص على العقوبة.
6) تجنب، بقدر الإمكان، وضع استثناءات أو أمثلة في داخل التعريف لأن وجودها قد يحول التعريف إلى حكم موضوعي. 7) يجب أن يكون التعريف منسجما مع سائر مواد القانون والتشريعات ذات الصلة. 8) يجب أن يكون التعريف منضبطا وقابلا للتطبيق، وأن يعتمد، بقدر الإمكان، على معايير موضوعية قابلة للتحقق . ومثال للتعريف غير المنضبط، تعريف المنشأة الكبيرة" بأنها "التي يعمل بها عدد كبير من العاملين". 9) تجنب تعريف الشيء بما ليس منه؛ ومثاله، استخدام مصطلح "الأعمال والمهن غير المالية المحددة"، في نظام مكافحة غسل الأموال السعودي لسنة 1439 هـ.، لأن عبارة "غير المالية" تتسع لتشمل أعمالا ربما لم يقصدها المُشرّع.
10) يجب أن يكون التعريف "جامعًا مانعًا" بالقدر الذي يقتضيه التشريع. ويعني "جامع" أن يتضمن كل الأوضاع التي أراد المُشرّع إخضاعها للحُكم، أما "مانع" فيعني عدم دخول أوضاع في المصطلح لم يقصدها المُشرّع. ومن ثم، فإن عيب عدم "الجمع" يؤدي إلى القصور في الإدخال، في حين يؤدي عيب عدم "المنع" إلى الإفراط في الإدخال. والخطأ في أي منهما قد يؤدي إلى قصور التعريف أو اتساعه المفرط، وما يترتب عليهما من مشكلات في التفسير والتطبيق.
ومثال للتعريف "غير الجامع"، تعريف "المركبة" بأنها "كل سيارة أو شاحنة أو سيارة أجرة تسير على الطريق العام". وهذا التعريف "غير جامع" لأن لفظ "السيارة" قد يستبعد صورًا أخرى أراد المشرع تنظيمها؛ ومنها، الدراجات النارية، والتوك توك، وغيرهما. قارن هذا التعريف بتعريف "المركبة" في مادة (3) من قانون المرور المصري رقم 66/1973 بأنها "كل ما أعد للسير على الطرق العامة من آلات ومن أدوات النقل والجر." وهو تعريف "جامع"، لكنه قد يكون "غير مانع" إذا كان المُشرّع يقصد، تحديدا، "المركبات الآلية". ومثال للتعريف "غير المانع"، تعريف "الموظف العام" بأنه "كل شخص يؤدي عملاً لمصلحة الدولة"؛ إذْ قد يدخل فيه العامل المؤقت، والمقاول، ومورد السلع، وغيرهم.
ويُعد الخطأ في التعريف أخطر من الخطأ في صياغة حُكم تشريعي منفرد؛ لأن الحكم التشريعي قد ينحصر أثره في المادة التي ورد فيها، في حين يمتد أثر التعريف ليشمل كل نص يستخدم المصطلح المُعرّف. ويحدث الخطأ في التعريف الاصطلاحي عندما يحدث انحراف في صياغته يؤدي إلى عدم التعبير الصحيح عن قصد المُشرّع، أو يخلق غموضاً أو تناقضاً أو اتساعاً أو تضييقاً غير مقصود في نطاق تطبيق القانون. ولا يقتصر الأثر المترتب على الخطأ في صياغة التعريف على الجانب اللغوي فقط، بل يمتد إلى تفسير النصوص، وتحديد نطاق الحقوق والالتزامات، وإمكان مساءلة الأشخاص، بل وربما يؤدي إلى الحكم بعدم دستورية النص أو تعطيل تطبيقه.
وقد يترتب على الخطأ في صياغة التعريف الاصطلاحي التشريعي ما يلي:
1) عدم تحقق الغرض من التشريع. فقد يؤدي عدم شمول التعريف لكل الفئات التي يستهدف القانون حمايتها إلى تعطيل السياسة التشريعية نفسها. فإذا كان الغرض من قانون حماية المستهلك هو حماية المستهلك الضعيف، لكن تعريف "المستهلك" استبعد فئات كان المشرع يريد حمايتها، فإن التعريف يقوض الغرض الذي صدر القانون لتحقيقه.
2) الخطأ في تحديد النطاق الشخصي أو الموضوعي أو الزمني للتشريع. فإذا جاء التعريف أوسع أو أضيق من المقصود، فإن ذلك يؤدي إلى تطبيق القانون على أشخاص أو وقائع لم يقصدها المشرع، أو استبعاد حالات كان يجب أن يشملها. ومثال ذلك، إذا تم تعريف "المنشأة الكبيرة" بأنها "المنشأة ذات النشاط الكبير". فكيف يُقاس النشاط الكبير؟ هل على أساس الإيرادات؟ أم عدد العمال؟ أم حجم رأس المال؟ إلخ.
3) اختلاف التفسير القضائي، ومن ثم، تضارب الأحكام القضائية. فكلما كان التعريف غير دقيق، اتسعت سلطة القاضي في تفسيره.، فتصدر أحكام متضاربة. ومثال ذلك، إذا استندت المحكمة إلى تفسير خاطئ للتعريف فإن ذلك قد يؤدي إلى البراءة، أو الإدانة، بغير سند.
4) اتساع السلطة التقديرية للإدارة. فكلما كان التعريف غامضا، اتسعت سلطة الإدارة في تفسيره وتصرفت كما لو كانت هي المُشرّع. ويترتب على ذلك عدم المساواة، والتعسف، وإساءة استعمال السلطة. ولنفرض أن القانون يُعرّف «المخالفة الجسيمة» بأنها "كل مخالفة تؤثر بشكل جوهري على المصلحة العامة". فما معنى "بشكل جوهري؟" هنا، قد يؤدي غموض التعريف إلى اتساع السلطة التقديرية وزيادة احتمالات التعسف في التطبيق، ومن ثم، احتمال بطلان القرار الإداري.
5) المساس بمبدأ المشروعية، خاصة، في الجرائم والعقوبات. إذ قد يؤدي التعريف غير المانع إلى توسيع نطاق الحظر والجزاءات، ومن ثم، مخالفة مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص واضح". فكلما ارتبط بالتعريف حظر أو عقوبة أو جزاء، زادت ضرورة ضبط حدوده. فمثلًا، إذا كان القانون يعاقب «مقدم الخدمة الطبية» على فعل معين، وكان تعريف مقدم الخدمة بالغ الاتساع، فقد يؤدي ذلك نظريًا إلى إدخال أشخاص لم يقصد المشرع تجريم سلوكهم.
وهنا يصطدم الخطأ في الصياغة بمبدأ مشروعية الجرائم والعقوبات. وفي ذلك، قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بأن "الأصل في النصوص العقابية أن تصاغ في حدود ضيقة واضحة محددة، حتى يعلم المخاطبون بها حقيقة الأفعال المؤثمة، فلا يكون التجريم قائماً على الغموض أو الإبهام أو الاحتمال." (دعوى رقم 105 لسنة 12 قضائية دستورية.، جلسة 15 مايو 1993). كذلك، قضت بأن "الغموض التشريعي إذا بلغ حد استحالة تحديد نطاق الالتزام أو التجريم، فإنه يهدر مبدأ الشرعية ويجوز القضاء بعدم دستورية النص." (دعوى رقم 70 لسنة 18 قضائية دستورية، جلسة 2 يناير 1998).).
6) الإخلال بالأمن القانوني. فالأمن القانوني يقتضي أن يعرف المخاطب بالنص القانوني بوضوح حقوقه والتزاماته ومركزه القانوني. فإذا كان التعريف ناقصًا أو واسعًا، وحدوده غير واضحة بحيث تختلف الجهات في تحديد من يدخل فيه ومن يخرج منه، أدى ذلك إلى تعدد التفسيرات واختلاف التطبيق، ومن ثم، عدم القدرة على توقع الحكم القانوني.
7) الحكم بعدم دستورية النص إذا كان التعريف غامضا، أو متناقضا، أو مخالفا لمبدأ المساواة. ومثال ذلك، إذا استبعد التعريف فئة من الأشخاص رغم تماثل مركزهم القانوني مع الفئة المشمولة، فقد يؤدي ذلك إلى معاملة قانونية مختلفة لأشخاص متماثلين دون مبرر موضوعي، فتخرج المشكلة من عيب في الصياغة التشريعية إلى شبهة عدم الدستورية. ولا يؤدي الغموض في ذاته تلقائيا إلى عدم الدستورية؛ وإنما عندما يبلغ من الجسامة حدًا يمس ضمانة دستورية، كشرعية الجرائم والعقوبات، أو المساواة، أو القدرة على تحديد نطاق الحق أو الالتزام على نحو معقول.
8) الحاجة لإجراء تدخل تشريعي لاحق. تؤدي التعريفات المعيبة، غالباً، إلى تعديل القانون، أو إصدار تفسير تشريعي، أو لوائح مطولة، أو كتب تفسيرية. ومثال ذلك، أن ينص القانون على الآثار التي تترتب في حالة "الخطأ الطبي الجسيم" دون تعريفه. هنا، قد تختلف لجان الخبرة والمحاكم في تكييف الواقعة، ما يؤدي إلى تفاوت المسؤولية المدنية أو التأديبية أو الجنائية.
وفي رأينا، أن جودة التعريف التشريعي لا تقاس ببلاغة عباراته أو اختصارها، بل بمدى التطابق بين نطاقه اللفظي ونطاقه القانوني المقصود بحيث لا يقع فيه قصور بالإخراج ولا إفراط بالإدخال. وكما قد ينشأ الفراغ التشريعي نتيجة لعدم تنظيم المُشرّع النطاق القانوني لمسألة ما، يمكن أن يحدث بسبب خطأ الصائغ في صياغة التعريف وتقصيره في استيعاب كل الحالات التي يستهدفها المُشرّع.
.. تابعونا في مقالنا الخميس القادم عن "مفهوم الأمن القانوني ودور الصياغة التشريعية في تعزيزه"
