التمييز بين البلاغ والشكوى والتظلم في مجالي الإجراءات الجنائية والإدارية
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
تُثار تساؤلات عدة حول الإستخدام الصحيح لمصطلحات البلاغ والشكوى والتظلم؛ منها: ما الفرق بين مصطلحي البلاغ والشكوى؟ وبين الشكوى والدعوى القضائية؟ وبين الشكوى في مجال الإجراءات الجنائية والشكوى في مجال الإجراءات الإدارية؟ وهل يُلزم الشخص الذي يعلم بوقوع جريمة أو بالتخطيط لوقوعها بالإبلاغ عنها؟ وإذا لم يفعل، هل يتعرّض للعقاب؟ وما الحُكم إذا كان الدافع للتبليغ هو الإنتقام؟ هل يصلح هذا الدافع ليكون سببا لعدم مشروعية البلاغ؟ وهل المُتضرر من القرار الإداري مُلزم بالتظلم منه أمام جهة الإدارة قبل رفع الدعوى أمام المحكمة، أم أنه يجوز له رفع الدعوى مباشرة أمام المحكمة؟ أسئلة كثيرة سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.
وبصفة عامة، يُمكن التمييز بين البلاغ والشكوى والتظلم في مجالي الإجراءات الجنائية والإدارية من جهة مجال إستخدام كل منها، والجهة المختصة بتلقيه، والإجراءات واجبة الإتباع بشأنه.
ومن جهة مجال إستخدام كل منها، يُمكن تعريف "البلاغ" بأنه الإخبار عن جريمة إلى النيابة العامة أو مأموري الضبط القضائي. ولا يُشترط أن يكون المُبلّغ قد أصابه ضرر من الفعل المُبلغ عنه. ويجوز أن يُبلغ الشخص بنفسه أو بواسطة شخص آخر يُنيبه عنه. ويجوز أن يكون البلاغ من شخص معلوم أو شخص مجهول. وعادة، يُقدّم البلاغ من شخص طبيعى لكن يجوز تقديمه من شخص معنوي عن طريق ممثله القانونى. ولا يُشترط أن يكون البلاغ في شكل معين فيجوزأن يكون شفاهة أو كتابيا، كذلك لا يُشترط أن تكون الجريمة قد ارتكبت بالفعل، بل يجوز الإبلاغ عن جريمة يجري إرتكابها أو يتم الترتيب لارتكابها.
ويُشترط في الإبلاغ الذي يحميه القانون أن يكون المُبلغ قد تصرف بحسن نية في الإبلاغ عن جريمة يعلم بوقوعها أو يَشتبه في وقوعها أو في التخطيط لارتكابها بناء على شكوك جادة. ومن ثم، لا يُعاقب الشخص الذي يُفصح عن شكوك حقيقية طالما أنه كان يعتقد في صحتها. ويُثار التساؤل: ما الحُكم إذا كان المُبلغ عن الجريمة قد تصرف بدافع الإنتقام من الجاني والإضرار به، هل يصلح هذا الدافع ليكون سببا لعدم مشروعية البلاغ، أو لادعاء الجاني بأن البلاغ كُيْدي يستوجب عقاب مُقدّمه؟ الأصل أن "التبليغ عن الجرائم يُعتبر من الحقوق المُباحة للأفراد واستعماله لا يدعو إلى مساءلة طالما صَدر مُطابقاً للحقيقة حتى ولو كان الباعث عليه الإنتقام والكَيْد، لأن صِدق المُبلغ كفيل بأن يرفع عنه تبعة الباعث السيئ، ولا يُسأل المُبلغ مدنياً عن التعويض إلا إذا خالف التبليغ الحقيقة أو كان نتيجة عدم ترو ورعونة." (طعن رقم 4 لسنة 45 قضائية)
ويُثار تساؤل آخر: هل الإبلاغ عن الجريمة وجوبي أم جوازي؟ تنص مادة (25) من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أن "لكل من علم بوقوع جريمة .... أن يُبلغ النيابة العامة أو أحد مأمورى الضبط القضائي عنها." وتنص مادة (26) من القانون نفسه على أنه "يجب على كل من علم من الموظفين العموميين أو المكلفين بخدمة عامة، أثناء عمله أو بسبب تأديته، بوقوع جريمة.... أن يُبلغ عنها فورا النيابة العامة أو أقرب مأمور من مأموري الضبط القضائي." ويُلاحظ من صياغة المادتين المذكورتين أنه في حال التبليغ عن الجرائم التي تقع في أثناء عمل الموظفين العموميين ...، يكون الإبلاغ وجوبيا، أما في حالة الإبلاغ من غيرهم فلا يكون الشخص مُلزما بالإبلاغ، ومن ثم، لا يُعاقب إن هو لم يُبلغ. واستثناء من ذلك، توجب مادة (84) من قانون العقوبات المصري على "كل شخص، في حال علمه بوقوع جريمة من الجرائم المُضرّة بأمن الحكومة من جهة الخارج، أن يُسارع إلى إبلاغ السلطات المختصة وإلا تعرض للمساءلة الجنائية."
أما الشكوى، في مجال الإجراءات الجنائية، فتُعتبر بمثابة طلب رسمي من المجني عليه للتحقيق في جريمة أو مخالفة بهدف تمكينه من الحصول على حقه القانوني ومُعاقبة الجاني على الفعل الذي ارتكبه. وقد تُقدّم إلى مأموري الضبط القضائي (الشرطة، مثلا) في حال ارتكاب جريمة أو مخالفة تمهيدا لرفع الدعوى القضائية، أو إلى النيابة العامة لتحريك الدعوى الجنائية في جرائم مُعينة تتعلق بحق شخصي لا تستطيع النيابة العامة تحريك الدعوى فيها من تلقاء نفسها؛ ومثالها، جريمة زنا الزوجة (مادة-272 عقوبات). وتشمل الشكوي أيضا الطلب الذى يتقدم به المضرور من الجريمة مُدعيا بالحق المدنى إذا قُدمت من المجنى عليه فى حالات معينة. ولا تُقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من تاريخ عِلم المجني عليه بالجريمة ومُرتكبها، مالم ينص القانون على غير ذلك. وتنص مادة (28) من قانون الإجراءات الجنائية المصري على أن "الشكوى غير المصحوبة بالإدعاء المدني تُعد من قبيل التبليغات."
وتختلف الدعوى القضائية عن الشكوى في أن الأولى تتعلق بالمطالبة بحق أمام القضاء على حين أن الثانية تُقدّم إلى الشرطة؛ ومثالها، إذا تعرض شخص للضرب، يُمكنه تقديم شكوى إلى الشرطة، ثم رفع دعوى قضائية للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه، أو إلى النيابة العامة في حالات مُعينة تتعلق بحق شخصي، وفيها يكون للمجني عليه وحده الحق في تقديم الشكوى، ولذلك، ينقضي الحق في الشكوى بوفاة المجني عليه. وإذا إشترط القانون صفة معينة في المجني عليه وجب توافرها فيه وقت تقديم الشكوى. وتطبيقا لذلك نصت المادتان ۲۷۳ و۲۷۷ من قانون العقوبات المصري على عدم قبول الشكوى عن جريمة الزنا إلا من الزوج المجني عليه، وبناء عليه، لو تم الطلاق فبـل تقـديم الشكوى انتفت صفة المجني عليه وسقط حقه فيها.
وفي مجال الإجراءات الإدارية، تُعتبر الشكوي بمثابة طلب من شخص صاحب صفة ومصلحة إلى السلطة العامة يتعلق بحق من حقوقه وبضرر لحق به. وقد تُقدم الشكوى من موظف إلى جهة عمله، وقد تُقدم من أي شخص آخر إلى الجهات الرقابية؛ ومثالها في مصر، هيئة الرقابة الإدارية وهيئة النيابة الإدارية. وإذا لم تكن الشكوى تتعلق بحق من حقوق من قدمها، تُعتبر بلاغا وليس شكوى. وعلى عكس البلاغ الذي يجوز تقديمه من شخص مجهول، يجب أن تقدم الشكوى من شخص معلوم. ولا يُشترط فيها أن تكون في شكل معين؛ فيجوزأن تكون شفاهة أو كتابيا، وإن كان العُرف يقضي بتقديمها كتابيا.
وتصلح الشكوى والبلاغات والتحريات سنداً لتوجيه الإتهام إلى المتهم لكنها لا تصلح سنداً لتوقيع الجزاء ما لم تُجر جهة الإدارة تحقيقاً تواجه فيه المتهم بما هو منسوب إليه وتسمع أقواله وأوجه دفاعه لمعرفة الحقيقة وتستخلص قرارها استخلاصاً سائغاً من الأوراق. (طعن رقم 2355 لسنة 29ق "إدارية عليا" جلسة 27/2/1988).
أما التظلم الإداري، فيُعرّف بأنه "إعتراض خطي من موظف أو شخص آخر على قرار إداري صدر بحقه يطلب فيه المُتظلم رفع الظلم الذي يدَّعي أنه وقع عليه." ومثاله، تظلم موظف من قرار إداري صدر بحقه سواء كان يتعلق بإنشاء مركز قانوني (ومثاله، قرار تعيين) أو تعديله (ترقية) أو إنهائه (إنهاء خدمة). ومثال ثان، تظلم مُقدم عطاء في مناقصة حكومية من إستبعاده أو عدم ترسية المشروع عليه.
ومثل الشكوى، يجب أن تتوافر عناصر الصفة والمصلحة والضرر في مُقدّم التظلم. ومثل البلاغ والشكوى، لا يُشترط أن يكون التظلم في شكل معين، فقد يكون كتابيًا أو شفهيًا، مالم ينص القانون على شكل مُحدد له. ويُثار التساؤل: هل المتضرر من القرار الإداري مُلزم بالتظلم منه أمام جهة الإدارة أو الجهة المختصة قبل رفع الدعوى أمام المحكمة، أم أنه يجوز له رفع الدعوى مباشرة؟ والأصل، أن المُتضرر من القرار غير مُلزم بتقديم تظلمه إلى جهة الإدارة قبل رفع الدعوى أمام المحكمة، لكن إستثناء من ذلك إذا أوجب القانون على المُتضرر التظلم منه قبل رفع الدعوى أمام جهة الإدارة التي أصدرته، أو الجهة المختصة، أصبح مُلزَما بذلك.
ويجوز تقديم التظلم إلى الجهة الإدارية التي أصدرت القرار أو جهة إدارية أعلى. ويُشترط تقديمه في ميعاد معين من تاريخ صدوره، وإلا إعتبر القرار نافذا. وإذا لم يتم الرد على التظلم خلال المدة القانونية المُحددة، يُعتبر ذلك رفضًا ضمنيًا. وفي حالة رفض التظلم أو عدم الرد عليه، يحق للمتضرر الطعن عليه أمام المحكمة الإدارية المختصة.
ويجب أن يُحدد الشخص المُتظلم في طلبه إسمه وصفته، ورقم القرار المُتظلم منه وتاريخه والضرر الذي وقع عليه والأسانيد القانونية التي يَستند إليها، والغرض من التظلم؛ وهو إما سحب القرار أو تعديله أو تصحيحه أو إلغائه. ويُفضل أن تُرفق بالطلب صورة من القرار المُتظلم منه.
وفي رأينا، أن الإستخدام الصحيح لكل من البلاغ والشكوى والتظلم، سواء في مجال الإجراءات الجنائية أو الإدارية، يَسمح بمراقبة مشروعية أعمال جهة الإدارة واكتشاف أوجه الخلل فيها وتصحيحها، من جهة، ويَحسم المنازعة الإدارية في مهدها، ومن ثم، يُخفف العبء عن كاهل القضاء، من جهة أخرى.
