التمييز بين السُلطة والإختصاص والصلاحية في المجالين القانوني والإداري
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
أبرمت جهة عامة عقد مقاولة لإنشاء مِرفق عام خلا من أية شروط إستثنائية غير مألوفة. ونتيجة لحدوث منازعة مع المقاول، أصدرت قرارا إداريا مُنفردا بإنهاء العقد وحِرمانه من مستحقاته. فهل تملك هذه السلطة؟ وما مَصدرها إن كانت تملكها فعلا؟ وهل العقد، في هذه الحالة، إداري أم مدني عِلما بأن قضاء المحكمة الإدارية العليا في مصر إستقر على أن العِبرة في تكييف العقود هي بطبيعة النشاط لا باسم المِرفق العام؟ وما الأثر القانوني المترتب في الحالتين؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنجيب عنها في هذا المقال.
يسود الإعتقاد بأن مصطلحات السُلطة والإختصاص والصلاحية تُعبّر عن معنى واحد، بل وتُستخدم كمُترادفات، لكن ذلك غير صحيح. ويثور الخلط في منازعات العقود الإدارية بينها، وتترتب عليه آثار خطيرة تختلف في كل حالة عن الأخرى، منها: إنعدام التصرف، أو بطلان القرار أو الإجراء، أو عدم مشروعيته وإلغائه. ويُساعد التفريق بينها في فهم مشروعية القرارات التي ترتبط بها.
وتُعد "السُلطة "الإطار الأعلى الذي يُنشئ الحق في التوجيه والإلزام واتخاذ القرار، وتستمد مشروعيتها من الدستور والقانون، وتمنح القدرة على ممارسة الإختصاصات، وتُعبّر عن الولاية العامة في نطاق مجال مُعيّن. فالحكومة تملك سُلطة إدارة المرافق العامة؛ والبرلمان يملك سُلطة التشريع العادي؛ والقضاء يملك سُلطة حَسم المنازعات. ويترتب على عيب "إنعدام السُلطة" إنعدام القرار أو التصرف.
ويُقصد بعيب "إنعدام السلطة" عدم مشروعية القرار الإداري عندما يَصدر من جهة لا تملك أصلًا سُلطة إصداره، أو عندما تتجاوز الجهة حدود ولايتها تجاوزًا جسيمًا، كما في حال عيب عدم الإختصاص الجسيم. ويترتب على إنعدام السُلطة إعتبار القرار مُنعدمًا وكأن لم يكن وليس باطلا فحسب، ولا يتحصن بمرور الزمن، ولا تلحقه الإجازة، ويجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه "إذا صَدر التصرف مِمّن لا يملك سُلطة إصداره قانونًا، فإنه يكون مُنعدمًا لا تلحقه إجازة." (طعن رقم ١٦٥٦ لسنة ٤٠ ق.ع.، جلسة 27/2/1999).
ومن صور عيب إنعدام السلطة حدوث مخالفة صارخة لقواعد الاختصاص الدستورية، مثل تجاهل نص دستوري يُحدد جهة الإختصاص، أو حلول سُلطة أدنى محل سُلطة أعلى دون تفويض منها، أو جهة تنفيذية تُصدر قرارًا تشريعيًا دون سند قانوني، أو جهة محلية تُصدر قرارًا من اختصاص سُلطة مركزية، أو جهة تنفيذية تُعطل حُكمًا قضائيًا. ويُلاحَظ أن عيب "إنعدام السلطة" ينطوي على عيب "عدم الإختصاص الجسيم".
أما الإختصاص فيُقصد به الحدود المرسومة قانونًا لممارسة نشاط ما داخل حدود السُلطة؛ وبعبارة أخرى، يُحدد الإختصاص ما يجوز للجهة أن تفعله في نطاق السُلطة التي يمنحها لها القانون، ومن صُوره التفويض والحلول والإنابة والندب. وقد يكون عيب عدم الإختصاص بسيطا وقد يكون جسيما. ومن المهم التمييز بين الحالتين لأن لكلٍ منهما آثارا مختلفة على المشروعية، وحُجية القرار، وإمكانية سحبه أو الطعن عليه.
ويعني عدم الإختصاص البسيط صُدور القرار الإداري من سلطة إدارية مُختصة أصلا، لكنها تجاوزت حدود إختصاصها الشخصي أو الموضوعي أو الزماني أو المكاني في الحالة المنظورة دون أن تنعدم ولايتها كُليًا. ومن صُوره إصدار المُدير العام قرارا بتوقيع جزاء تأديبي على موظف تخرج درجته الوظيفية عن إختصاص المدير العام وتقع ضمن إختصاص وكيل الوزارة، أو صُدور القرار بعد زوال الصفة القانونية لمُصدِره كأن يَصدر بعد إنتهاء ولايته، أو من موظف موقوف أو مفصول. وفي حال عدم الإختصاص البسيط، يكون القرار باطلا بُطلانا نسبيا لعدم مشروعيته، ويجوز الطعن عليه بشرط التقيد بمواعيد الطعن، ويُعد قابلا للإلغاء لا مُنعدما، ويجوز تصحيحه أو إجازته. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "القرارات الصادرة من غير المُختص تُعد باطلة وقابلة للإلغاء، لا مُنعدمة." (طعن رقم رقم ٤٥٢٩ لسنة ٤٣ ق.ع.، جلسة 9/6/2001).
أما عدم الإختصاص الجسيم، فيُقصد به صُدور القرار الإداري من جهة أو شخص لا يملك أية ولاية قانونية أصلا في إصداره في الحالة المنظورة، ما يُعد إغتصابا للسلطة. ومن صُوره صُدور القرار من شخص عادي لا يتمتع بصفة إدارية، أو من سلطة تنفيذية في شأن تشريعي أو قضائي بحت، أو إعتداء سلطة إدارية على إختصاص سلطة أخرى مستقلة تماما. ويترتب على عدم الإختصاص الجسيم إنعدام القرار وليس مُجرد بُطلانه، ولا تلحقه الإجازة أو التصحيح، ويجوز الطعن عليه دون التقيد بميعاد دعوى الإلغاء. ويتصل عيب عدم الإختصاص الجسيم بالنظام العام، وللقاضى أن يحكم به من تلقاء نفسه حتى لو لم يُثره الخصوم.
أما الصلاحية، فيُقصد بها وسائل ممارسة الإختصاص، وهي أضيق من الإختصاص وأدنى من السُلطة. ومثالها، سُلطة الوزير في مجال تسيير الأمور في وزارته، وفي سياق سُلطته، إختصاصه التعيين في الوظائف داخل وزارته، وفي سياق ممارسته لهذا الإختصاص، يملك صلاحية تشكيل لجنة للنظر في التعيينات. ومثال ثان، تملك السلطة القضائية سُلطة حسم المنازعات. وتملك محكمة النقض إختصاص الفصل في الطعون على أحكام محاكم الإستئناف، ولها في سياق أدائها لاختصاصها صلاحية نقض الحكم أو تصحيحه أو إحالة الدعوى.
وفي حال عدم الصلاحية، يُلغى القرار لعدم مشروعيته ولعيب إساءة إستعمال الإختصاص. ويعني "عدم المشروعية" أن القرار صَدر من جهة مُختصة، لكنه خالف القانون أو إنحرف بالسلطة. ومِثاله، صدور قرار من جهة مختصة بتوقيع جزاء تأديبي دون إجراء تحقيق، أو مشوبا بعيب من العيوب التي تشوب القرار الإداري؛ وهي الإختصاص والغاية والمحل والسبب والشكل. ويُلاحَظ هنا أن الإختصاص قائم لكن الوسائل التي إتبعت في ممارسته غير مشروعة. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن "تجاوز الحدود المالية المُقررة لا يُعدِم التصرف، وإنما يجعله مشوبًا بعدم المشروعية." (طعن رقم ٦٤٨٩ لسنة ٤٩ ق.ع.، جلسة 10/2/2007).
وبينما يترتب على عيب "إنعدام السلطة" وعيب "عدم الإختصاص الجسيم" إنعدام التصرف، وعلى عيب "عدم الإختصاص البسيط" البُطلان النسبي، يترتب على عيب عدم الصلاحية عدم مشروعية القرار وإلغائه. ولنفرض أن مدير إدارة العقود في جهة عامة أبرم عقد أشغال عامة بينما المُختص قانونا بذلك هو رئيس الجهة، في هذه الحالة، يَبطل العقد بسبب عيب عدم الإختصاص البسيط، لكن يجوز تصحيحه بإجازة صريحة لاحقة من صاحب الإختصاص الأصيل. أما إذا أبرم المسئول المُختص عقدا بقيمة تتجاوز السقف المالي المُقرر له، في هذه الحالة يكون قد تجاوز صلاحياته، ويترتب على ذلك إلغاء القرار لعدم مشروعيته، لكنه يكون قابلا للإجازة اللاحقة من السلطة المختصة ماليًا، ولا يُعدَم التصرف لأن الإختصاص مُنعقد للمسئول الأصلي.
والآن، دعونا ننظر في المثال المذكور في صَدر هذا المقال؛ وهو إبرام جهة عامة عقد مقاولة لإنشاء مرفق عام خلا من أية شروط إستثنائية غير مألوفة. فمن جهة طبيعة العقد، يُعتبر عقدا مدنيا من عقود القانون الخاص لخلوه من الشروط الإستثنائية غير المألوفة اللصيقة بالعقود الإدارية. وباعتباره عقدا مدنيا، فإن إنهاءه يجب أن يتم بالتراضي بين الطرفين أو بِحُكم قضائي، ولا يتضمن العقد نصا يمنح الجهة سُلطة الإنهاء بإرادة منفردة. ومن ثم، لا توجد ولاية قانونية لإصدار قرار إداري بإنهائه.
وكَوْن أن العقد يُكيّف قانونا بأنه عقد مدني، فإن ذلك يعني أن الجهة إغتصبت إختصاص القضاء العادي عندما أصدرت قرارا إداريا بإنهائه. ويترتب على ذلك إنعدام القرار ولا تُصححه الإجازة اللاحقة أو التصحيح لأن الشركة لا تملك سُلطة توقيع العقد كَوْنها ليست لها صفة "الجهة الإدارية". وقد إستقر قضاء المحكمة الإدارية العليا في مصر على أن فِقدان الصفة الإدارية يُعدِم التصرف. وتطبيقا لذلك قضت بأنه "لا يكفي كَوْن الجهة هيئة عامة لإضفاء الصفة الإدارية على تصرفاتها، بل يَلزم أن يكون النشاط إداريًا متصلًا بتسيير مرفق عام باستخدام إمتيازات السلطة العامة." (طعن رقم ٢١٠٤ لسنة 37 ق.ع.، جلسة 15/5/1993).
ومن الأخطاء الشائعة في الدعاوى القضائية، الخلط بين إنعدام التصرف وبُطلانه في طلبات الإلغاء؛ وتجاهل أثر الإجازة اللاحقة في عيوب الصلاحيات، والطعن على العقد كله على حين أن العيب يقتصر على إجراء مُعين. ومثال ذلك، إذا أصدرت لجنة فنية أمر تغيير جوهري دون تفويض يُخولها ذلك، أن يدفع المُحامي بطريق الخطأ ببطلان العقد كله على حين أن العيب في هذه الحالة هو "عدم صلاحية" اللجنة في إصدار أمر التغيير وليس "عدم الإختصاص" لأن الإختصاص مُنعقد لها، ويترتب على ذلك بُطلان أمر الغيير وحده مع بقاء العقد صحيحا.
وفي رأينا، أنه للحُكم على ما إذا كان تصرف قانوني ما صحيحا، أم لا، ينبغي أن نسال: هل من أصدره يملك سُلطة إصداره؟ وهل من باشر الإجراء مُختصا قانونا بمباشرته؟ وهل من مارس مهامه في حدود ذلك الإختصاص إلتزم حدود صلاحياته والوسائل المشروعة لممارستها؟ وتحدد الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة ما إذا كان التصرف صحيحا ومشروعا، أم لا.
... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن "التمييز بين الجهة العامة والجهة الإدارية في مجال إبرام العقود".
