الشروط غير النزيهة في العقود!
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لنفرض أن سيدة أرسلت فستانا إلى مغسلة لغسله وتسلمت منها إيصالا مكتوبا على ظهره بخط صغير جدا أنها "غير مسئولة عن أي تلف يحدث في الفستان نتيجة لغسله"، ثم حدث تلف كبير فيه، هل يجوز لها أن تقاضي المغسلة؟ وهل يجوز للمغسلة أن تدفع بأن الإيصال تضمن شروطا عقدية مفادها عدم مسئوليتها عن أي تلف يحدث نتيجة للغسيل؟
من المبادئ القضائية والقانونية المستقرة أنه لا يمكن السماح بإنفاذ الشروط العقدية "غير النزيهة"؛ ويُقصد بها الشروط غير المتوقعة التي تخل بالتوازن بين حقوق الأطراف والتزاماتهم بالمخالفة لمبدأ المعقولية وقواعد العدالة والقانون، أو تعفي أحد الطرفين من مسئوليته عن إهماله، أو تستغل ضعف الطرف الآخر وحاجته لتحقيق ميزة مفرطة، أو تحد من حقوقه الأساسية بصورة تعسفية. ويشيع ظهورها في مختلف أنواع العقود.
وبموجب مادة (2-20) من مبادئ اليونيدروا "لا يُنتج أي شرط من الشروط النموذجية أثرا إذا كان من المعقول أن تحول طبيعته دون أن يتوقعه الطرف الآخر، إلا إذا قبله الطرف الآخر صراحة ... وفي تقرير ما إذا كان للشرط هذه الطبيعة يُراعى مضمون الشرط ولغته وصياغته." مؤدى هذه المادة أنه يبنغي عدم السماح للطرف الذي يُدرج في العقد بنودا ذات طابع إستثنائي لمصلحة طرف على حساب الطرف الآخرأن يستفيد بغير حق من إنفراده بوضع هذه الشروط بأن يغافل الطرف الآخر ويعرض عليه شروطا ما كان ليقبلها لو تم لفت إنتباهه إليها.
وبموجب مادة (129) من القانون المدني المصري "إذا كانت التزامات احد المتعاقدين لا تتعادل ألبته مع ما حصل عليه هذا المتعاقد من فائدة بموجب العقد أو مع التزامات المتعاقد الأخر، وتبين ان المتعاقد المغبون لم يُبرم العقد إلا لأن المتعاقد ألأخر قد استغل فيه طيشا بينا أو هوى جامحا، جاز للقاضى بناء على طلب المتعاقد المغبون أن يبطل العقد أو ان ينقص التزامات هذا المتعاقد."
ومن الشروط غير النزيهة، الشروط التي تستبعد المسئولية الناتجة عن الخطأ أو الإهمال دون مبرر؛ ومثالها، إعفاء الشركة من مسؤوليتها عن تلف المنتجات رغم علمها بعيوبها. والشروط التي تمنح حقا مُطلقا لأحد الطرفين؛ ومثالها، إعطاء أحد الطرفين الحق في فسخ العقد بإرادة منفردة دون سبب أو إشعار، وحق تعديل الأسعار وبنود العقد دون موافقة الطرف الآخر. والشروط المُقيدة للحق في اللجوء إلى التقاضي؛ ومثالها، تحديد مدة قصيرة جداً للمطالبة بالحق. والشروط المتعلقة بالجزاءات المالية، ومثالها، فرض غرامات مبالغ فيها لا تتناسب مع الضرر، ومصادرة المبالغ المدفوعة دون مبرر. وشرط التنازل الكامل عن حقوق الملكية الفكرية دون مقابل.
ومن أمثلتها في عقد العمل، شرط يمنع العامل من الإستقالة مُطلقاً أو يفرض جزاء كبيرا عليه عند إستقالته، أو يفرض مهلة إخطار غير معقولة؛ ومنع العامل من العمل لدى أية جهة في كل الإقليم لمدة مُبالغ فيها، وتكليفه بالقيام بأعمال إضافية دون مقابل، ونقله إلى وظيفة أخرى لا تتفق مع طبيعة عمله.
ومنها في عقود مقاولات الإنشاءات، الشرط الذي يسمح للمالك بتغيير نطاق الأعمال أو المواصفات دون تعويض مالي للمقاول أو تمديد مدة العقد دون تمديدد مدة العقد. وتحميل المقاول مسؤولية إصدار التصاريح الحكومية التي تقع بطبيعتها على جهة الإدارة. وتطبيق غرامة التأخير حتى إذا كان التأخير لا يرجع لخطأ من المقاول. وربط الدفع بإصدار شهادة إستشاري متعسف دون معايير واضحة. وتأخير الدفع لمدة مُبالغ فيها دون إلتزام بالفوائد التعويضية. وعدم دفع المستحقات في حال تجاوز الإعتمادات المالية المُقررة للمشروع.
ومنها في عقود التوريد، إشتراط أن يدفع المورّد جميع الرسوم الإضافية مثل "رسوم المناولة غير المحددة"؛ ومنح العميل حق رفض البضاعة دون أي مبرر فني أو بيان الأسباب؛ واشتراط عدم قبول العميل للبضاعة إلا "عند توفر الميزانية". وإعفاء العميل من المسؤولية عن التأخر في الإستلام. وتحميل المورّد المسؤولية عن تلف البضاعة بعد التسليم بوقت طويل. ومطالبة المورد بتقديم ضمان لبضاعة إستهلاكية يمتد إلى فترة أطول من عمرها الافتراضي. وفرض غرامات تعسفية عند وجود إختلاف بسيط غير جوهري في المواصفات.
لكن، كيف نحدد ما إذا كان الشرط غير نزيه؟ تستخدم المحاكم معايير عدة تركز على توجيه أسئلة معينة يتحدد بناء على الإجابة عنها ما إذا كان الشرط غير نزيه، أم لا؛ من أهمها: معيار إختلال التوازن بين الإلتزامات، ومؤداه: هل يفرض الشرط إلتزامات ثقيلة على طرف دون مقابل عادل؟ ومعيار إستغلال المركز الإقتصادي أو التفاوضي، ومؤداه: هل إستغل الطرف الأقوى ضعف الطرف الآخر أو حاجته؟ ومعيار مخالفة النظام العام وقواعد العدالة الطبيعية ومبدأ حسن النية، ومؤداه: هل يخالف الشرط الإلتزامات المُفترضة في التعامل بنزاهة؟ ومعيار الغموض أو التضليل المُتعمد، ومؤداه: هل صِيغ الشرط بطريقة غامضة؟ ومعيار التعسف وعدم المعقولية، ومؤداه: هل يؤدي تنفيذ الشرط إلى نتائج غير معقولة أو مُجحفة؟
ومن المبادئ القانونية المُستقرة التي لا تُجيز إدراج هذه الشروط في العقود، مبدأ حسن النية وأمانة التعامل. ويُعطي القانون للقاضي سلطة تعديل العقد إذا وقعت حوادث إستثنائية عامة وأصبح تنفيذ الإلتزام العقدي مُرهقا، وإن لم يصبح مستحيلا بحيث يهدده بخسارة فادحة (م. 148 من القانون المدني المصري). وإذا تضمن العقد شروطا تعسفية، في عقود الإذعان، جاز للقاضي أن يُعدل هذه الشروط أو ان يعفى الطرف المُذعن منها وذلك وفقا لما تقضى به العدالة. ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك (م. 149).
ويستخدم القضاء الإداري ومحكمة النقض معياري "الرجل المعتاد" و "مبدأ المعقولية" ومبدأ "تفسير النص الغامض ضد مصلحة من كتبه" لإبطال الشروط غير النزيهة. ومن تطبيقات ذلك، إعتبرت محكمة النقض المصرية شرط الغرامة المُبالغ فيها غير نزيه إذا لم تتناسب مع الضرر. ورفضت شروط الإعفاء من المسؤولية عن الخطأ الجسيم. وألغى القضاء الإداري شرطاً يجيز للجهة الحكومية زيادة الأعمال تلقائياً دون مقابل. وأبطلت محكمة التمييز في دبي شرطاً يمنح البنك حق تعديل سعر الفائدة دون موافقة العميل. ويعتمد القضاء السعودي على مبدأ منع "الغبن الفاحش" و "الغش" و "التدليس". وتنص مادة (60) من القانون المدني الكويتي على أنه "إذا كان الشرط مُجحفا أو تعسفيا، فللقاضي إبطاله."
وتمنع بعض القوانين إدراج شروط غير نزيهة في العقود عن طريق إدراج شروط ضمنية لا يجوز إستبعادها كما في حالة إلتزام البائع بضمان العيوب الخفية. وفي بريطانيا، يُنظم قانون بيع البضائع لسنة 1979 إلتزامات البائع والمشتري وينص على شروط ضمنية؛ منها، شرط أن تكون البضاعة مُطابقة للمواصفات، وأن تكون ذات جودة مقبولة، وملائمة للغرض منها، ومُطابقة للعينات. كذلك، يُقيد قانون الشروط غير النزيهة لسنة 1977 الشروط التعسفية في العلاقات التجارية والإستهلاكية. كما ينظم قانون حقوق المستهلك لسنة 2015 هذه الشروط.
ومن الدفوع التي يمكن الدفع بها في مواجهة الشروط غير النزيهة ما يلي: 1) الدفع بعدم التوازن العقدي، وإثبات إختلال المركز التفاوضي. 2) الدفع باعتبار الشرط من الشروط التعسفية في عقود الإذعان. 3) الدفع بالجهالة أو الغموض إذا كان الشرط غير واضح أو تمت صياغته بخط صغير جدا أو في مكان غير مُعتاد كأن يُدرج ضمن شروط عامة خلف العقد. 4) الدفع بعدم معقولية الشرط، في حال الشروط الفنية أو المالية غير المعقولة، وطلب إنتداب خبير.
ولإبطال الأثر المترتب على أي شرط غير نزيه في العقد، يُمكن إدراج بند فيه ينص على أنه "لا يجوز تفسير أي حُكم من أحكام هذا العقد بما يؤدي إلى فرض إلتزامات تعسفية أو غير نزيهة على أي من الطرفين. وتُعد باطلة وغير نافذة أية شروط تؤدي إلى حدوث إختلال جوهري في التوازن بين حقوق الطرفين والتزاماتهما، أو تمنح أحدهما سلطة منفردة غير مُبررة، أو تخالف مبدأ المعقولية وحُسن النية. وفي حال ثبوت ذلك يقتصر البطلان على الشرط وحده دون أن يشمل باقي بنود العقد."
