العقد الإطاري والعقد الأخضر وأمر الشراء
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
تخيل أن وزارة الصحة ترغب في بناء مستشفى، أو توريد أدوية ومعدات طبية، أو إبرام عقد لتغذية المرضى، وفي كل مرة تُعد كراسة الشروط والمواصفات وملاحق توضح الشروط العامة والخاصة، والمواصفات، وجدول الأسعار، وتعليمات لمقدمي العطاءات، ونماذج للعطاء وخطابات الضمان وغيرها، ثم تقوم بفحص العطاءات وترسية المشروع على صاحب أفضل عطاء. تخيل مدى الوقت الذي تستغرقه كل هذه الإجراءات والعبء الإداري الذي يقع على كاهل الجهة المتعاقدة. لكل هذه الأسباب، ظهرت أساليب جديدة للتعاقد تتصف بالمرونة والسرعة في إجراءات التعاقد وتقليل التكاليف المادية والأعباء الإدارية؛ منها، العقد الإطاري، وأوامر الشراء، والعقد الأخضر.
ويُقصد بالعقد الإطاري framework agreement العقد الذي يُحدد الإطار العام للتعامل خلال فترة معينة بين طرفين (غالبا، بين جهة حكومية، من جهة، ومقاول أو مورد أو متعهد خدمات، من جهة أخرى). ورغم أنه يوصف بأنه "عقد"، لا يُنشئ إلتزامات تنفيذية مُحددة بشكل مباشر، بل يُحدد فقط الشروط والقواعد العامة التي سيتم تطبيقها لاحقا، خصوصا فيما يتعلق بالسعر والكميات. وعند الحاجة إلى التعاقد، يتم إصدار طلبات/أوامر شراء بناء عليها. وحاليا، تُجيز قوانين التعاقدات الحكومية في معظم الدول العربية الدخول في هذا النوع من العقود.
وتنص مادة (65) من القانون المصري رقم (182) لسنة 2018 على أنه "يجوز للجهة الإدارية طرح إحتياجاتها ... باتباع طريق المناقصة أو الممارسة بنوعيهما أو طريق الاتفاق المباشر وبما يتفق وطبيعة العملية محل الطرح وإبرام إتفاق إطاري مع من يقع عليه الاختيار يتضمن القواعد والشروط التى سيجرى من خلالها إصدار أوامر التوريد أو الإسناد في حالة ظهور الحاجة حاليا، أو توقع ظهورها مستقبلا، للتعاقد المتكرر على الأصناف أو لتنفيذ الأعمال أو الخدمات أو تقديم الدراسات الاستشارية، والتى تتسم أى منها بالعمومية أو شيوع الاستخدام ..أو غيرها من الحالات المماثلة..."
وتنص مادة (15) من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي لسنة 1440 هجرية على أنه "لا يجوز للجهة الحكومية تأمين المشتريات أو تنفيذ الأعمال الواردة في القوائم التي تُعدها الجهة المختصة بالشراء الموحد إلا من خلال الإتفاقيات الإطارية التي أبرمتها الجهة المختصة بالشراء الموحد." وتنص مادة (33) على أنه يجوز للجهة الحكومية إبرام اتفاقية إطارية مع من رست عليه المنافسة تتضمن الأحكام التي سيجري في إطارها تنفيذ العقد، وذلك في الحالات التي يتعذر فيها تحديد كميات الأصناف أو حجم الأعمال أو الخدمات المتعاقد عليها أو موعد تنفيذها."
ومن خصائصه أنه لا يُنشئ التزامات بالشراء إلا عند إصدار أوامر شراء purchase orders أو طلبات شراء call-off orders لاحقا؛ وأنه يُحدد الأسعار، والمواصفات، وشروط الدفع، والمدة (عادة، 3 سنوات) دون أن يتم تجديده تلقائيا. وقد يكون، في حد ذاته، عقدا مثل أي عقد آخر إذا كان يضع إلتزاما كتابيا بالحصول على السلع أو الأعمال أو الخدمات في مقابل عَوَض مادي؛ ومثاله، إبرام وزارة الصحة عقدًا إطاريًا مع شركة أدوية لتوريد أصناف معينة بأسعار مُتفق عليها خلال سنة، وتصدر بعد ذلك أوامر شراء حسب الحاجة الفعلية من المستشفيات.
ومن مزاياه: 1) تسهيل التعاقدات المتكررة دون الحاجة إلى إعادة الطرح في كل مرة. 2) توفير الوقت والجهد الإداري، فعند الحاجة إلى توريدات أو خدمات متكررة، لا يتطلب إعداد عقد جديد في كل مرة، بل يُكتفى بالرجوع إلى الإطار العام القائم. 3) توفير المرونة في تنفيذ العقود، فهو يسمح بإصدار أوامر شراء أو عقود فرعية لاحقة وفق الإحتياج الفعلي دون الدخول في مفاوضات جديدة. 4) تقليل مخاطر حدوث نزاعات عقدية عند تنفيذ الطلبات اللاحقة عن طريق تحديد الشروط العامة من البداية. 5) تخصيص الميزانية بناء على الأسعار والشروط المُحددة مسبقا.
ومن عيوبه: 1) الحد من المنافسة لأنه بمجرد توقيع العقد الإطاري مع مُورد أو مجموعة من الموردين، قد يُستبعد الآخرون لفترة طويلة، ما يقلل من فرص المنافسة السعرية. 2) تجميد الأسعار والشروط. وفي حال تغيّر الأسعار أو ظروف السوق، قد يظل المتعاقد مُلزمًا بشروط لم تعد مناسبة من الناحية الإقتصادية. 3) يتطلب متابعة دقيقة ونظاما فعالا لمراقبة طلبات الشراء وضمان عدم تجاوز حدود العقد الإطاري أو الموازنة المُخصصة. 4) إحتمال تجاوز الصلاحيات في إصدار الطلبيات إذا تجاوزت الطلبيات الميزانية المُعتمدة. 5) عدم المرونة عند الحاجة لتغيير المورد أو تعديل الشروط قبل إنتهاء المدة إذا لم ينص العقد على آلية للخروج أو التعديل.
ومن جهة الأثر القانوني المترتب على العقد الإطاري، أنه لا يُنفذ بذاته، ولا يُعدّ مُلزما بمشتريات مستقبلية، إلا إذا نص على ذلك صراحة. ولأن الطرفان يلتزمان بإبرام عقود فرعية لاحقا، تُقيد حرية جهة الإدارة في إختيار المتعاقد معها. ويُوجب العقد الإلتزام بحسن النية والتعاون في التنفيذ؛ وإذا أخل المتعاقد بالتزاماته الخاصة بالأسعار أو المواصفات أو المدد الزمنية، تجوز مطالبته بالتعويض؛ ويجوز تعديله أو إنهائه، إذا نص على ذلك، أو عند تغير الظروف الإقتصادية الجوهرية. ولا ينشأ عنه أي إلتزام مالي أو إداري إلا بعد صدور أوامر/طلبات الشراء، ومن ثم، لا يجوز صرف مبالغ مالية أو الإلتزام بالشراء بناء عليه وحده.
ويُقصد بأمر الشراء الأمر الذي يصدر بناء على العقد الإطاري أو بصورة مستقلة عنه لشراء كمية مُعينة من سلعة أو خدمة بسعر وتاريخ تسليم مُحددين. وهو الأداة التنفيذية التي تُنشئ الإلتزام الفعلي؛ ومثاله، بناءً على العقد الإطاري مع شركة أدوية، تُصدر وزارة الصحة أمر شراء لتوريد 1000 عبوة من دواء مُعيّن إلى مستشفى مُعيّن خلال أسبوعين. ومثال ثان، تُصدر وزارة البيئة أمر شراء إلى شركة لتوريد 100 طابعة بسعر مُحدد، دون وجود عقد إطاري مُسبق.
ويُعد أمر الشراء قبولًا لعرض قدمه المورد ضمن الإطار المحدد، فينشأ به إلتزام قانوني كامل بتوريد السلعة أو الخدمة. ومن خصائصه، أنه: 1) يُمكن أن يَصدر في إطار عقد إطاري أو طلب مستقل إذا لم يوجد عقد مُسبق. 2) يُعتبر بمثابة عقد مُلزم للطرفين لتنفيذ إلتزامات معينة سواء بناء على العقد الإطاري أو بشكل مستقل عنه؛ 3) يُنشئ التزامًا قانونيًا على المتعاقد بتنفيذ إلتزاماته التعاقدية وفق الشروط المُحددة. 4) يُحدد الكمية والمواصفات والموقع وتاريخ التسليم بدقة. وإذا كانت الجهة قد أبرمت عقدًا إطاريًا، فإن أمر الشراء، يُعد تنفيذًا جزئيًا لذلك العقد، ويجب أن يتقيد بالشروط والأسعار المُحددة فيه، ولا يجوز تجاوزه أو تعديل شروطه إلا بموافقة الجهة المختصة؛ 5) في حال حدوث نزاع، تَعتبر المحاكم أمر الشراء محل الإلتزام القانوني، بينما يُنظر إلى العقد الإطاري باعتباره وثيقة تفسر العلاقة بين الطرفين.
ويختلف طلب الشراء call-off عن أمر الشراء purchase order في أن الأول يرتبط بالعقد الإطاري ويَصدر في ظله، أما الثاني فيَصدر مع وجود عقد إطاري أو بشكل مستقل عنه. وبينما يُعتبر أمر الشراء عقدا منفصلا في حد ذاته، يُعتبر طلب الشراء تنفيذا جزئيا لعقد إطاري موجود مُسبقا وليس عقدا جديدا. وبينما يُمكن تعديل شروط أمر الشراء، في حال صدوره بشكل مستقل عن العقد الإطاري، يظل طلب الشراء مقيدا بالشروط المنصوص عليها في العقد الإطاري، ومن المُعتاد إستخدام أمر الشراء في الطلبيات المنفردة أو الدورية، على حين يُستخدم طلب الشراء في العقود طويلة الأجل أو الإطارية متعددة الطلبات.
أما العقد الأخضر المتجدد تلقائيا evergreen agreement فهو عقد يُحدد إلتزامات الطرفين بشكل مباشر، ويُجدّد تلقائيًا عند إنتهاء مدته، ما لم يُخطر أحد الطرفين الطرف الآخر برغبته في الإنهاء خلال فترة مُعيّنة. ومن خصائصه أنه: 1) يهدف إلى إستمرار العلاقة بين الطرفين. 2) يُنشئ التزامات تنفيذية مباشرة. 3) يُجدّد تلقائيًا دون الحاجة إلى عقد جديد. ومن مزاياه، إستقرار العلاقة التعاقدية على المدى الطويل، وتقليل الإجراءات الإدارية للتعاقد. ومن عيوبه أنه 1) قد يؤدي إلى تجديد غير مرغوب فيه إذا لم يُلاحَظ الموعد النهائي للإشعار. 2) يحتاج إلى متابعة دقيقة لمواعيد التجديد وتقييم الأداء.
ويختلف الأثر القانوني المترتب على العقد الإطاري عن الأثر القانوني المترتب على العقد الأخضر من جهة طبيعة الإلتزام، والغرض الأساس، وآلية التجديد، والمرونة، والمخاطر. فمن جهة طبيعة الإلتزام يُوفر العقد الإطاري إطارا عاما دون أن يترتب عليه إلتزام فوري بالتنفيذ على حين يترتب على العقد الأخضر إلتزام مباشر قابل للتجديد. وبينما لا يُجدّد العقد الإطاري أو طلبيات الشراء تلقائيا، يترتب على العقد الأخضر إستمرار العلاقة القائمة. وبينما يتسم العقد الإطاري بالمرونة في تحديد الإلتزامات لاحقا، يستمر تنفيذ العقد الأخضر تلقائيا وبشكل مباشر بمجرد توقيعه. ومن جهة المخاطر، قد يترتب على العقد الإطاري تجميد الأسعار والشروط لفترة طويلة على حين قد يترتب على العقد الأخضر خطر إستمرار العقد دون رغبة أحد الطرفين.
وفي رأينا، أنه رغم المزايا العديدة المُشار إليها التي تتيحها هذه الأشكال الحديثة للتعاقد، فإن أخطر عيب يترتب على إستخدامها هو أنها تخنق المُنافسة الحُرة إذا تم إبرامها لفترة طويلة، ولذلك، نرى ضرورة تقيدد إستخدامها بقيد تشريعي بحيث لا تتجاوز مدى زمني مُعيّن حتى لا يتحول الأمر إلى ما يُشبه الإحتكار.
