العقود الذكية .. علينا أن نتحرك فورا لتنظيمها بتشريع
قبل أن تعجز المحاكم عن حل النزاعات العقدية في ظل التشريع الحالي!
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
إذا أردت أن تُبرم عقدا لشراء سلعة أو عقار أو لأي غرض آخر، لن تحتاج إلى وسيط لإبرام العقد، أو محامي لصياغته، أو لتذهب إلى مكتب توثيق لتوثيقه، أو لدفع المبلغ المتفق عليه عن طريق أحد البنوك. والأهم، لن يكون هناك ولو إحتمال ضئيل لأن يتخلف أحد الطرفين عن تنفيذ إلتزاماته وتضطر إلى اللجوء إلى المحكمة لتأمر بتنفيذها؛ فكل ذلك سيقوم به بشكل تلقائي العقد الذكي smart contract!
وقد إرتبط ظهور العقد الذكي، في البداية، بظهور العُمْلات الرقمية المُشفّرة كنظام نقدي إلكتروني لا مركزي، خصوصا، عُملة "البتكوين" التي تُعتبر بالفعل أول تطبيق عملي ناجح له. ويتم التعامل على العملات الرقمية عبر شبكة "البلوك تشين" blockchain (أو، سلسلة الكتل)، التي تبين أنها تمتلك قدرات تقنية كبيرة وتستخدم أسلوبا آمنا وفريدا لإجراء المعاملات وحفظ البيانات وتداولها، بل وإثباتها وتوثيقها. ويُعتبر "نيك زابو"، عالم الحاسب الأمريكي، أول من طرح فكرة العقود الذكية في سنة 1994، ويُشاع أنه هو نفسه "ساتوشي ناكاموتو"، مُخترع عملة "البيتكوين" الرقمية الذي لم تُعرف هويته وجنسيته الحقيقية حتى الآن.
لكن، ما المقصود بالعقد الذكي؟ عَرّفه "زابو" بأنه "مجموعة الشروط المُتفق عليها المكتوبة على الحاسوب في شكل رقمي وتشتمل على آليات تنفيذها"، ويُشبِّهه بالتعامل مع ماكينات البيع الأوتوماتيكي؛ فبمجرد أن تُدْخِل العُملة في الماكينة، تحصل على السلعة المطلوبة. وبعبارة أخرى، بمجرد أن يتم تنفيذ إلتزام عقدي، يُنفذ تلقائيا الإلتزام المُقابل له. وقد تحولت فكرة العقود الذكية إلى واقع مع إنشاء منصة "الإيثريوم" في سنة 2015 إذ أصبح العقد يتم تنفيذه من خلالها وباستخدام عملتها الرقمية بطريقة لا مركزية ودون تدخل من أي طرف.
ولكي يكون بمقدورك أن تُبرم عقدا ذكيا، عليك أولا أن تُنشئ حسابا خاصا في محفظة عملات رقمية (عملة "الإيثريوم"، مثلا) وتُنشئ إسم مستخدم وكلمة مرور قوية للدخول على حسابك، تماما، مثلما تفعل عندما تدخل على حسابك البنكي الإلكتروني. ثم تُحول المبالغ من حسابك البنكي إلى عملة "الإيثريوم" الرقمية في محفظتك الإلكترونية. بعد ذلك، عليك أن تسجل كل أصولك وكل البيانات المتعلقة بالمعاملات التي تمت بخصوصها في سجل إلكتروني يتم تشفيره على شبكة "البلوك تشين". ويحتوي كل "بلوك" (كتلة تخزين) على كل المُعاملات التي تمت بين المستخدمين خلال فترة زمنية معينة؛ 10 دقائق، مثلا، وله رقم مشفر مُعيّن (hash) يتم عن طريقه توزيعها على كل الحواسيب التي تتعرف عليه. ويُمكن لكل المستخدمين مشاهدة تفاصيل كل سجل دون أن يستطيع أي منهم العبث في البيانات المسجلة فيه، ما يجعل من الصعب تعديل البيانات في أية كتلة.
وتُستخدم خاصية التوقيعات الرقمية الإلكترونية لتوقيع العقد عبر مفتاحين يُتاح إستخدامهما لكل مُستخدم؛ مفتاح عام ومفتاح خاص. ويُستخدم المفتاح العام، وهو مُتاح علنيا لكل المستخدمين على الشبكة، لتحويل الرسالة المكتوبة باللغة العادية إلى نص مُشفر يتم توجيهه إلى المتلقى، أما المفتاح الخاص، فهو سري يحتفظ به المتلقي وحده ويستخدمه لفك التشفير وقراءة الرسالة ولا يستطيع أي شخص غيره قراءتها.
ويتم العقد الذكي بين طرفين من مُستخدمي الشبكة لكل منهما محفظة مالية بعملة رقمية وسجل إلكتروني لمعاملاته مُوزع على كل المستخدمين. وبمجرد إتفاقهما على شروط العقد وآليات تنفيذه، يتم تخزينه عبر شبكة "البلوك تشين". وتُكتب شروط العقد في صيغة "إذا حدث (س)، يَحدث (ص)"؛ بحيث يرتبط كل التزام من أحد الطرفين بالتزام مقابل من الطرف الآخر. مثلا، في حال تسليم السلعة المُشتراة إلى المشتري، يتم دفع الثمن المتفق عليه من محفظة البائع. فإذا تم التسليم، يتم الدفع تلقائيا دون أن يكون لأي من الطرفين القدرة على تعديل شروط العقد أو وقف تنفيذه.
ومثال ذلك، إذا أراد أن يبيع شخص عقار يمتلكه، فإنه يُسجل بياناته وتسلسل انتقال ملكيته في سجل معاملاته على المنصة، ويعرض شروط البيع. وإذا صادف هذا العرض قبولا من أحد المُستخدمين، عليه أن يتحقق بنفسه من صحة البيانات ويُمكنه الإطلاع على كل التعاملات التي تمت على العقار من سجل معاملات البائع المُوزع على الشبكة. ويُمكن للمشتري أن يتفاوض مع البائع حول شروط العقد، وبعد إتفاقهما عليها وعلى آليات تنفيذها، ينقل البائع ملكية العقار إلى المشتري من خلال السجل الإلكتروني ذاته، وتظهر العملية لجميع المستخدمين، وبمجرد حدوث ذلك، تُحول المنصة الثمن تلقائيا من المحفظة الرقمية للمشتري إلى البائع دون الحاجة إلى وسيط، كالبنوك مثلا.
ولأن المعاملة مُسجلة في سجل المعاملات الإلكتروني المُوزع على الشبكة والذي يَظهر لكل المستخدمين، لا تكون هناك حاجة إلى وسيط عقاري أو الخوف من التعرض للإحتيال. وفضلا عن ذلك، يتم نقل الملكية إلكترونيا ودفع الثمن تلقائيا بسهولة وبطريقة آمنة وشفافة ولا مركزية وفي وقت متزامن. ومن ثم، لن تحتاج إلى الذهاب إلى جهة حكومية لتوثيق المعاملة، مثل السجل العقاري أو كاتب العدل، ناهيك عن تقليل التكاليف وسرعة الإنجاز.
ويُعتبر العقد الذكي من العقود المُستحدثة ولم يستقر الفقه على تحديد مفهومه وتكييفه القانوني لاحتوائه على خصائص فريدة منل طريقة تكوينه واقترانه بتكنولوجيا رقمية مُستحدثة، والتحقق الذاتي من مضمونه، وتنفيذه تلقائيا، وتوثيقه آليا، وصعوبة فهم الطريقة التي يتم بها تشفيره. ومن الفقهاء من يصفه بأنه "عقد رقمي أو مُشفر أو ذاتي التنفيذ"، ومنهم من يصفه بأنه "عقد إحتمالي" يسري من لحظة إبرامه لكن تنفيذه يظل مُعلقا على تحقق أمر مستقبلي، بل إن منهم من يُنكر عليه أصلا صفة العقد ويصفه بأنه مجرد آلية لتنفيذ شروط مُتفق عليها.
ورغم مزاياه، لا يخلو إستخدامه من مخاطر كثيرة بسبب إعتماده على بيانات لا يتم الحصول عليها من مصادر رسمية، وعدم القدرة على تعديله، وعدم إمكانية تحديد المسئولية القانونية عن الأضرار التي قد تنجم عنه، فضلا عن عدم التحقق من هوية أطرافه، وعدم وجود جهة مركزية خارجية لمراقبة تنفيذه، وعدم إمكانية ربطه بنطاق جغرافي معين، وخطر حدوث خطأ في البرمجة.
ويُثير إستخدام العقد الذكي الكثير من المشكلات والتحديات القانونية؛ وأبرزها: هل يُمكن أن تسري عليه القواعد التي تسري على العقد التقليدي؟ وهل تأخذ المحاكم بالأدلة والتوقيعات المُوثقة في شبكة "البلوك تشين"؟ وإذا فعلت، ألا يُشكل ذلك تعارضا مع قاعدة عدم جواز الإحتجاج بدليل يصطنعه المرء لنفسه؟ وبخصوص إنتقال الملكية إلكترونيا، ألا يتعارض ذلك مع قاعدة "عدم إنتقال الملكية إلا بالتسجيل لدى جهة رسمية"؟
ناهيك عن المشكلات والتحديات القضائية بل والتنظيمية؛ وأبرزها: ما دور القضاء في حل النزاعات التي تنشأ عنه؟ وما القانون واجب التطبيق عليه؟ وكيف يُمكن تحديد المحكمة المختصة بنظر النزاعات الناتجة عن إستخدامه؟ والأهم، إذا تم إعتماده من الناحية القانونية، فما الدور الذي ستقوم به أجهزة الدولة، خصوصا كاتب العدل والشهر العقاري، اللذين لن تكون هناك حاجة لوجودهما أصلا فيما يتعلق بالتصديق على العقود وتوثيقها؟
وفي رأينا، أن ظهور العقد الذكي يُعتبر نتيجة طبيعية للتطور الحاصل في مجال إستخدام الذكاء الإصطناعي في كل المجالات تقريبا، وهناك حاجة عاجلة لوضع تشريع يُنظم إستخدامه. وقد صدرت بالفعل تشريعات في عدة دول تُنظم إستخدام شبكة "البلوك تشين" و "العقد الذكي"؛ منها الولايات المتحدة والصين وبريطانيا واستراليا وبيلاروسيا. وأصدرت "لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقانون التجاري الدولي" سنة 2017 قانونا يُنظم إستخدام البيانات المُسجلة إلكترونيا والتي تخول حائزها المطالبة بأداء الإلتزام المُبين فيها. وعلينا أن نتحرك بسرعة قبل أن نُفاجأ باختفاء العقد بشكله التقليدي وحدوث العديد من النزاعات العقدية التي تعجز المحاكم عن حلها في ظل التشريع الحالي!
