العوار التشريعي وحدود سلطة القاضي في مواجهته
محمود محمد علي صبره
الخبير الدولي في الصياغة التشريعية والكتابة القانونية
قد يكون النص التشريعي المعيب أكثر خطرًا من عدم وجوده أصلا لأن القاضي يظن أنه أمام قاعدة، وهو في الحقيقة أمام مشكلة لأن النص لا يمثل حلا تشريعيا لكنه هو نفسه سبب المشكلة. ويطرح هذا الموضوع سؤالا شائكا؛ وهو: إلى أي مدى يجوز للقاضي أن يتدخل عند مواجهة نص يشوبه "عوار تشريعي" دون أن يغتصب سلطة المشرع؟ ويمكن تعريف "العوار التشريعي" بأنه كل خلل يصيب القاعدة القانونية من جهة تنظيمها أو صياغتها أو مضمونها أو انسجامها مع غيرها من القواعد القانونية أو يثير صعوبة في تفسيرها أو تطبيقها. وتتعدد صوره؛ فقد يحدث في شكل "قصور تشريعي"، أو "فراغ تشريعي"، أو "إغفال تشريعي"، أو "تعارض النصوص"، أو "غموض تشريعي"، أو "صياغة غير منضبطة". ويُعد مصطلح "العوار التشريعي" أشمل من كل هذه المصطلحات في حين تُعد هذه المصطلحات صورا له.
ومثال "للقصور التشريعي"، النص الذي يقرر جزاءً عند ارتكاب "مخالفة جسيمة" دون تعريف المقصود بكلمة "جسيمة". ويحدث "الفراغ التشريعي" عندما لا يجد القاضي قاعدة قانونية تحكم الواقعة المنظورة، فلا يوجد تنظيم أصلا. ومثاله، ظهور تقنية الذكاء الاصطناعي في بداياته دون أن يكون هناك أي تشريع ينظم مسئولية استخدامها. ويعني "الإغفال التشريعي" أن يغفل المشرع عن تنظيم حالة معينة كان ينبغي تنظيمها، ومثاله تنظيم حقوق العاملين الدائمين مع إغفال تنظيم حقوق العمال المؤقتين.
ومثال "لتعارض النصوص" أن يوجد تعارض بين نصين يستحيل الجمع بينهما. ومثال "للغموض التشريعي"، استخدام مصطلح "التجمعات السكنية المتكاملة" في مادة (78) من قانون البناء الموحد المصري رقم 119/2008 دون وضع تعريف دقيق له يميزه عن مصطلح "التجمع السكني" المنصوص عليه في المادة نفسها.
وقد يحدث العوار التشريعي نتيجة "للصياغة غير المنضبطة" كأن تكون هناك أخطاء في صياغة النص أو الإحالات أو الترقيم أو قواعد اللغة. ومثاله، ما نصت عليه مادة (78) من قانون البناء المشار إليه من أن "تتولى الجمعية العمومية تشكيل مجلس إدارة الاتحاد من رئيس الاتحاد وأمين للصندوق وعضو، وفي حالة زيادة عدد الوحدات على سبع ينتخب نائب للرئيس (ويصبح عدد الأعضاء 4 أعضاء)....". ويثير هذا النص إشكالية في التطبيق العملي عند اتخاذ القرارات بالأغلبية بسبب تعادل الأصوات. ولتفادي هذه المشكلة، كان يمكن النص على أنه "في هذه الحالة، يكون للرئيس صوت مرجح"، لكن هذا النص غير موجود.
وثمة مشكلة أخرى تتعلق بصياغة هذه المادة أيضا وهي أن مجلس إدارة مشكل من 4 أعضاء قد يصلح لإدارة عقار أو تجمع سكني من عدد من العقارات، لكنه لا يتناسب مع إدارة تجمع سكني متكامل ضخم يضم ما لا يقل عن 500 وحدة سكنية. وفي حال تطبيق مادة (78) المشار إليها، يثور التساؤل: هل يجوز للقاضي، عند مواجهة هذا القصور التشريعي، زيادة عدد أعضاء المجلس من 4 إلى 5 أعضاء على أساس أن الأصل أن تشكل المجالس من عدد فردي وليس زوجي، وأن العدد 4 يصلح للعقارات الفردية والتجمعات الصغيرة لكنه لا يصلح "للتجمعات السكنية المتكاملة"؟ وبعبارة أخرى: هل يجوز للقاضي أن يستكمل ما أغفل المشرع تنظيمه؟
وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي التمييز بين وظيفتين دستوريتين مختلفتين: وظيفة التشريع، وهي إنشاء القواعد القانونية العامة المجردة. ووظيفة القضاء، وهي تطبيق هذه القواعد على المنازعات المعروضة عليه. ويُمثل هذا التمييز أحد أهم تطبيقات مبدأ الفصل بين السلطات، الذي يعد من الركائز الأساسية للدولة القانونية. فإذا كان المطلوب تعديل عدد أعضاء مجلس إدارة الاتحاد بحيث يكون فرديا لا زوجيا أو، في حال التجمعات السكنية المتكاملة، زيادة عدد الأعضاء بما يتناسب مع عدد الوحدات، فإن ذلك يمثل إنشاء قاعدة تنظيمية جديدة، ومن ثم، يدخل في نطاق السلطة التشريعية وليس سلطة القاضي.
وهناك إشكالية دستورية أخرى فيما نصت عليه مادة (72) في القانون نفسه من أنه "في حالة التجمعات السكنية المتكاملة يلتزم الشاغلون وملاك هذا التجمع بإنشاء شركة أو أكثر للإدارة والصيانة لها الاختصاصات المقررة لاتحاد الشاغلين ...." دون تنظيم العلاقة بين التجمع والاتحاد، أو بيان ما إذا كان مجلس إدارة الاتحاد يظل قائمًا، أم ستحل الشركة محل الاتحاد؟ وعند التطبيق العملي، يثير هذا النص إشكاليات كبيرة؛ منها: هل يجوز للقاضي إلغاء انتخابات اتحاد الشاغلين القائم في ذلك التجمع ويتركه بلا إدارة حتى يتم إنشاء الشركة؟ أم يستكمل تنظيم إدارته؟ ويمكن أن يؤدي هذا القصور التشريعي إلى توقف عمل التجمع تماما إذا قرر القاضي، مثلا، إلغاء انتخابات الاتحاد وإلزام الشاغلين بإنشاء شركة الإدارة والصيانة بدلا منه.
وهذا ما حدث فعلا عند نظر قضية في هذا الخصوص أمام محكمة القضاء الإداري إذْ قضت بإلغاء وإبطال انتخابات اتحاد شاغلين منتخب لكمبوند وإلزام الشاغلين بإنشاء شركة منهم لإدارته بدلا من الاتحاد تكون مهمتها الإدارة والصيانة والتشغيل والحفاظ على وديعة الصيانة (دعوى رقم 58770 لسنة 73 ق.، جلسة 23 نوفمبر 2022). هنا، يثور السؤال: كيف سيُدار التجمع في الفترة من تاريخ سريان إلغاء الاتحاد حتى تاريخ إنشاء شركة الإدارة والصيانة وممارسة أعمالها؟ وعلى فرض بقاء المجلس الحالي أو إنشاء مجلس إدارة جديد، لم ينظم النص العلاقة بين شركة الإدارة ومجلس إدارة الاتحاد، ولم يحدد آليات إدارة الاتحاد في هذه التجمعات.
وإذا كان التشريع من اختصاص السلطة التشريعية، فمن أين يستمد القاضي سلطته في مواجهة العوار التشريعي؟ الإجابة: يستمد القاضي سلطته من أربعة مبادئ دستورية أساسية؛ هي: مبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ استقلال القضاء، ومبدأ سيادة القانون، ومبدأ الحق في التقاضي.
وبموجب مبدأ "الفصل بين السلطات"، تختص السلطة التشريعية وحدها بالتشريع، ولا يملك القاضي معالجة العوار التشريعي من خلال إنشاء قواعد قانونية جديدة، أو وضع تنظيم قانوني جديد. وبموجب مبدأ "استقلال القضاء"، يتحرر القاضي من تأثير السلطات الأخرى، ويملك سلطة تفسير النصوص التشريعية. وبموجب مبدأ "سيادة القانون"، تخضع جميع سلطات الدولة للقانون. ومن ثم، فإن القاضي ملزم بتطبيق القانون بناء على إرادة المشرع، ولا يجوز له استبداله أو إنشاء قواعد قانونية جديدة. وبموجب مبدأ "الحق في التقاضي"، يضمن الدستور حق كل شخص في اللجوء إلى القضاء. ومن ثم، لا يجوز للقاضي الامتناع عن الفصل في الدعوى بحجة نقص التشريع. فلو جاز له ذلك كلما وجد نقصًا تشريعيًا لتعطل الحق في التقاضي..
ومن المبادئ الدستورية أنه يجوز للقاضي أن يستكمل الوسائل اللازمة لتنفيذ القاعدة القانونية، لكن لا يجوز له استكمال عناصرها الجوهرية التي تمثل اختيارًا تشريعيًا. ومع ذلك، لا يتمتع القاضي بسلطة مطلقة في ممارسة هذه السلطات ويخضع لقيود عدة منها: أنه لا يجوز له إنشاء التزام جديد لم يقرره القانون، أو فرض جزاء جديد، أو تعديل شروط اكتساب الحقوق، أو إنشاء مراكز قانونية لم يقررها المشرع، أو إلغاء نص تشريعي لمجرد عدم ملاءمته، فهذه جميعًا أعمال تشريعية بطبيعتها. ولا يُعد كل سكوت تشريعي فراغًا تشريعيًا يجيز للقاضي استكماله. فمُهمة القاضي تفسير النص لكن لا يجوز له أن ينشئ قواعد عامة مجردة. ومن المبادئ الدستورية المستقرة أنه لا يجوز للقاضي أن يحل محل المشرع في اختيار السياسة التشريعية، ومن ثم، فإن علاج العوار التشريعي يظل، في الأصل، من اختصاص السلطة التشريعية.
وفي حال التجمعات السكنية المتكاملة، تثار الأسئلة الآتية: هل يجوز للقاضي السماح باستمرار اتحاد الشاغلين في ممارسة عمله رغم إلزام التجمع، بموجب مادة (78) المشار إليها أعلاه، بإنشاء شركة لها اختصاصات ومهام الاتحاد؟ أم يقضي بحل الاتحاد وإلغاء الانتخابات التي أدت إلى تشكيله؟ وهل يجوز إنشاء شركة للإدارة والصيانة دون وجود مجلس إدارة للاتحاد؟ وكيف تنتقل الإدارة من الاتحاد إلى الشركة؟ ومن يدير التجمع حتى تأسيسها؟ وما مصير الاتحاد القائم والجهة التي تمثل الملاك في أثناء فترة التأسيس؟ وكيف سيتم تسليم الوديعة؟ وكل ذلك يخلق فراغًا تنظيميًا قد يؤدي إلى توقف عمل الإدارة تمامًا. وهنا يثور سؤال: هل يترك القاضي الكمبوند بلا إدارة؟
الإجابة: بموجب السلطات المخولة له المشار إليها أعلاه، إذا وجد القاضي أن القانون لم ينظم بعض التفاصيل المتعلقة بالإدارة، يستطيع تفسير النصوص القائمة والتوفيق بينها بما يزيل التعارض القائم، وتطبيق المبادئ العامة القانونية في إدارة الأشخاص الاعتبارية، وقواعد العدالة، والعُرف والقياس حيث يسمح النظام القانوني بذلك. أما إذا كان المطلوب تحديد عدد أعضاء مجلس الإدارة أو إنشاء نظام انتخابي جديد أو تقرير اختصاصات لم يرد بها نص، فإن ذلك يدخل في نطاق السلطة التشريعية ولا يجوز له أن يُنشئه من تلقاء نفسه.
والأصل، أنه لا يجوز للقاضي السماح باستمرار اتحاد الشاغلين باعتباره بديلا دائما عن الشركة، رغم إلزام الشاغلين، بموجب مادة (78) المشار إليها أعلاه، بإنشاء شركة للإدارة والصيانة لها اختصاصات ومهام الاتحاد للأسباب الآتية: 1) أن النص جاء بصيغة "يلتزم" ومن ثم، جعل الشركة الأداة القانونية المختصة بالإدارة والصيانة. 2) لم يكتف المشرع باستبدال الاسم، بل نقل كل الاختصاصات والمهام إلى شخص اعتباري جديد يختلف تنظيمه القانوني عن تنظيم الاتحاد. 3) لا يملك القاضي تعطيل النص التشريعي بل تقتصر مهمته على تفسيره. واستثناء من ذلك، يجوز للقاضي بصفة مؤقتة تقرير استمرار الاتحاد لتسيير المنافع العامة بالتجمع لحين إنشاء الشركة.
ويمكن حل هذه المعضلة عن طريق تطبيق "نظرية الضرورة" بأن يقضي القاضي بأن يستمر الاتحاد بصفة مؤقتة في مباشرة أعمال الإدارة لحين إنشاء شركة الإدارة، وذلك منعًا لتعطيل مصالح الشاغلين. وهذا لا يعد إلغاءً للنص، وإنما تنفيذًا له تدريجيًا، وسدًا لفراغ تشريعي، وتحقيقًا للغاية التي قصدها المشرع. وهذا الحل قريب من فكرة الموظف الفعلي، واستمرار عمل المرافق العامة والهيئات القائمة لحين تشكيل الهيئات الجديدة، ومبدأ "الضرورات تبيح الإجراءات المؤقتة".
وفي رأينا، أن التشريع المعيب لا يظلم الناس فقط، بل يربك القاضي ويُنهك الإدارة ويُفقد القانون هيبته. ولا يكمن خطر العوار التشريعي في مجرد وجود نص معيب، وإنما في اضطرار القاضي إلى أن يختار بين بديلين كلاهما مر؛ إما تعطيل النص، أو تجاوزه. ولا يبرر العوار التشريعي أن تحل إرادة القاضي محل إرادة المشرع بل تفرض عليه أن يبذل أقصى ما في وسعه لاستنباط الحل من داخل المنظومة القانونية، فإن تعذر ذلك، يظل واجب استكمال النقص معقودا للمشرع وحده.
.... تابعون في مقالنا الخميس القادم عن "السلطة التقديرية للمشرع وسلطة القاضي في ممارسة الرقابة عليها"
