المُغالطات المنطقية والحُجَج القانونية
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
يُحكى في الأساطير اليونانية القديمة أنه كان هناك قاطع طُرق إسمه "بروكرست" يُجبر المُسافرين على النوم على سرير حديدي لديه، فإذا كان المُسافر أطول من السرير، قطع أطرافه الزائدة، أما إذا كان أقصر منه، شدَّ جسمه من أطرافه حتى يصبح مثل طول السرير! ومن هنا، نشأ مصطلح "مُغالطة سرير بروكرست" التي أصبحت رمزا لتطويع واقعة ما لتكون مُطابقة لقاعدة مُسبقة. ومثالها، مُحامٍ يعرض نزاعًا جديدًا له ظروف استثنائية. لكن القاضي يُطبق قاعدة مُستقرة في جميع القضايا المُشابهة دون أن يراعي اختلاف عناصر الواقعة المنظورة عن ما سبقها من قضايا.
وفي هذا السياق، يسود الخلط بين "الحُجة القانونية" و "المُغالطة المنطقية". ويُقصد بالحُجَّة القانونية الصحيحة استخلاص نتيجة مقبولة منطقيًا من تطبيق قاعدة قانونية واجبة التطبيق على وقائع ثابتة في الأوراق، مع سلامة التكييف القانوني ووجود رابطة منطقية بين المُقدمات والنتائج. ومثالها، أن تكون القاعدة: كل موظف يتغيب عن العمل دون إذن يكون مُرتكبا لمخالفة تستوجب المُساءلة التأديبية. فإذا كانت الواقعة الماثلة أن الموظف (أ) تغيب عن العمل لمدة خمسة أيام دون إذن، يُمكن استخلاص نتيجة منطقية مؤداها أن الموظف (أ) ارتكب مخالفة تستوجب المساءلة التأديبية.
أما "المغالطة المُنطقية" فهي حُجَّة تبدو في ظاهرها صحيحة أو مُقنعة في حين أنها في الحقيقة غير صحيحة منطقياً. ويُمكن تشبيهها بعيوب خفية في الحُجة القانونية؛ فالمغالطة تبدو قوية ظاهريا، لكنها من الداخل معيبة بخلل في أحد عناصرها؛ فإما أن تكون المُقدمات خاطئة، أو الأدلة غير كافية، أو يكون الربط المنطقي بين المقدمات والنتيجة مَعيبًا، أو تكون المقدمات لا تقوى على حمل النتيجة. وقد يقع الشخص فيها عمداً أو دون قصد. ومثالها، أن يكون الموظف قد تأخر عن العمل أكثر من مرة. فيُستخلص من ذلك بشكل خاطئ أن الموظف مُهمل دائمًا. هنا، النتيجة لا تُستخلص منطقيًا من المُقدمة. ومثال ثان، أن يكون الموظف كثير الشكاوى ضد الإدارة. فتنبني عليها نتيجة مؤداها أن شكواه الحالية كيدية. هنا، لا يوجد ارتباط منطقي بين كثرة الشكاوى وكيدية الشكوى محل النزاع. ومثال ثالث، أن تقول "هذا المُنتَج مُمتاز لأن ملايين الناس يشترونه"، وهذا غير صحيح لأن كثرة المُستخدمين لا تُثبت بالضرورة جودة المنتج.
وتختلف الحُجَّة عن المُغالطة في أنه في الأولى، تؤدي الأدلة بشكل منطقي إلى النتيجة، ويوجد ربط منطقي بين المُقدمات والنتيجة، وتكون النتيجة مُقنعة ومُنسجمة مع الأدلة منطقيا، أما في الثانية، فلا تكفي المُقدمات لاستخلاص النتيجة التي تم التوصل إليها، ويكون هناك قفز في الاستنتاج، وتكون النتيجة مُبالغ فيها.
وترتبط معظم أسباب الطعن أمام المحاكم باكتشاف مُغالطات منطقية تكون مؤثرة في النتيجة التي ينتهي إليها الحُكم؛ ومنها: الفساد في الاستدلال، والقصور في التسبيب، والتعسف في الاستنتاج، ومخالفة الثابت في الأوراق، والمسخ والتحريف، والاستناد إلى وقائع غير منتجة، وغيرها. فإذا بنى القاضي النتيجة على مُقدمات لا تؤدي إليها منطقيًا، عُدَّ الحكم مشوبًا بالفساد في الاستدلال. وكثيرًا ما تقرر محكمة النقض أن الحكم مشوب بالفساد في الاستدلال إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها لا تُستخلص منطقيًا من المُقدمات التي أقام عليها قضاءه. ومن الناحية العملية، يُعد اكتشاف المغالطة في مذكرة الخصم أو في أسباب الحكم من أقوى وسائل بناء الدفع بالفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب أمام المحاكم.
ومن المُغالطات المنطقية الشائعة في مجال الحياة العامة والعمل القضائي ما يلي:
1) "الشخصنة"؛ ويُقصد بها مُهاجمة الشخص بدلا من مُناقشة الفكرة. ومثالها: "الثابت أن المتهم ارتكب الجريمة لأنه مسجل خطر." أو اعتبار الفكرة صحيحة اعتمادا على مكانة من تُنسب إليه الواقعة. ومثالها: "هذا المُنتَج ممتاز لأن الشركة المُنتجة له ذات سمعة جيدة."
2) "التعميم المُتسرع"؛ ويُقصد به إطلاق حُكم عام بناء على حالات فردية. ومثالها: "تعامَلت مع شخصين من هذه الشركة وكانا سيئين، إذن كل موظفي الشركة سيئون."
3) "الرجل المُجوَّف" وفيها يُخترع رأي ضعيف أو لم يقله المتحدث أصلًا، ثم مهاجمته والإيحاء بأنه يعني ذلك. ومثالها أن يدفع الموظف بأن "الجزاء التأديبي لا يتناسب مع المخالفة" فترد الجهة الإدارية بأن "الطاعن يريد أن تمر المخالفات بلا عقاب."
4) "الرجل الحديدي" وفيها تتم إعادة صياغة حُجة ضعيفة بحيث تبدو في أفضل صورة ممكنة، ثم الدفاع عنها وكأنها هي الحجة الأصلية. وبعبارة أخرى، يتم استبدال الحُجة الأصلية بحُجة لم يقلها صاحبها أصلًا. ومثالها، أن ينص القرار الإداري على استبعاد العطاء "لأنه غير مُناسب"، لكن أمام المحكمة تقول جهة الإدارة إن "المقصود بذلك عدم استيفائه للمتطلبات الفنية الجوهرية وأن الاستبعاد تم لتحقيق مبدأ المساواة والشفافية وحماية المنافسة." فإذا لم تكن هذه الأسباب مذكورة في القرار وقت صدوره، فإن الإدارة تكون قد بنت "رجلًا حديديًا" للقرار؛ أي أعادت صياغته في صورة قانونية أقوى من صورته الحقيقية. والأصل، في القضاء الإداري أنه لا يجوز إحلال أسباب جديدة محل الأسباب التي صدر القرار على أساسها ما لم تكن الأسباب الجديدة مجرد تفصيل أو إيضاح لأسباب قائمة بالفعل وقت صدوره. وكثيرا ما تظهر هذه المغالطة في صورة التبرير اللاحق للقرار الإداري.
5) "المُنحدَر الزلق"، ويُقصد بها الادعاء بأن خطوة بسيطة ستؤدي حتمًا إلى نتائج كارثية. ومثالها، القول بأنه "إذا سمحنا للطلاب باستخدام الهواتف داخل الفصل مرة واحدة، فسينهار النظام التعليمي كله."
6) "الاحتكام إلى العاطفة"، ويُقصد بها استخدام المشاعر بدلا من الأدلة. ومثالها، مُناشدة المحكمة العفو عن المتهم رأفة بعائلته لأنه العائل الوحيد لها.
7) "السبب الزائف"، ويُقصد بها افتراض وجود علاقة منطقية بين حدثين لمجرد أن أحدهما سبق الآخر دون وجود دليل كاف على ذلك. ومثالها، موظف تقدم بشكوى ضد رئيسه. وبعد أسبوعين وقع الرئيس عليه جزاءا تأديبيا، فيدَّعي الموظف أن الجزاء صَدَر بسبب الشكوى التي قدمها. ولا يكفي مجرد التعاقب الزمني بين الشكوى والجزاء لإثبات أنه كان انتقاما بسبب تقديم الشكوى، ما لم تُقدم أدلة أخرى تؤيد ذلك.
8) "المأزق المُفتعل": ويُقصد بها حَصر الخيارات في خيارين فقط وكأنهما البديلان الوحيدان رغم وجود بدائل أخرى، وغالبا، لا يصلح البديل الثاني، ويكون الأول هو رأي المتحدث نفسه، ومن ثم، يكون الاختيار: إما أن تكون معنا أو ضدنا. ومثالها، القول بأنه "إذا وُجد خطأ في إجراءات التحقيق، فلا بد من إلغاء القرار التأديبي بالكامل". وهذا يمثل قفزا إلى النتيجة لأنه ليس كل خطأ إجرائي يؤدي إلى البطلان، فقد يكون الخطأ غير مؤثر في النتيجة. ومثال ثان، القول بأنه "إما أن العقد صحيح بالكامل أو باطل بالكامل" لأن البطلان قد يقتصر على شرط معين دون العقد كله.
9) "الاحتكام إلى الجهل": ويُقصد بها اعتبار الشيء صحيحًا لأنه لم يُثبت خطؤه، أو العكس. ومثاله، افتراض الإدانة لأن المتهم لم يُقدم دليلا يُثبت أنه كان في مكان آخر وقت الجريمة، وهذا استنتاج خاطئ لأن الأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بأدلة إيجابية، وعبء الإثبات يقع على سلطة الاتهام. ومثال ثان، افتراض موافقة الجهة الإدارية ضمنيا على مخالفة المقاول للمواصفات لأنها لم تعترض على تنفيذه الأعمال الإضافية. والأصل، أن مجرد عدم الاعتراض لا يكفي لإثبات الموافقة إذا كان القانون أو العقد يشترط موافقة صريحة.
10) "الحلقة المُفرَغة". ويُقصد بها افتراض صحة النتيجة المطلوب إثباتها من داخل المُقدمات نفسها، بحيث تدور الحُجة في حلقة مُفرَغة دون تقديم دليل مُستقل. ومثالها، القول بأن "المتهم مُذنب لأنه ارتكب الجريمة". والسؤال، هنا: كيف عرفت أنه ارتكب الجريمة؟ الجواب: لأنه مُذنب. هنا، تدور الحُجة في دائرة مُغلقة في حين أن الحُجة القانونية الصحيحة يجب أن تستند إلى أدلة مُستقلة مثل الاعتراف أو الشهادة أو الأدلة القاطعة.
11) "الخلط بين الدليل والنتيجة". ومثالها، القول بأنه ثبت تأخر المقاول، إذن المقاول مسؤول عن حدوث الضرر. الخطأ هنا هو أن التأخر وحده لا يُثبت المسؤولية عن حدوث الضرر قبل بحث السبب المباشر، فقد يكون التأخير راجعًا إلى الإدارة نفسها.
12) "القفز إلى النتيجة". ويُقصد بها استخلاص نتيجة مُعينة دون توافر الأدلة الكافية أو قبل استكمال فحص الوقائع والاحتمالات البديلة. وتُعد هذه المغالطة من صور الفساد في الاستدلال لأنها تنطوي على استنتاج لا تدعمه المُقدمات بدرجة كافية. ومثالها، افتراض إهمال الموظف وتقاعسه لمجرد انخفاض أداءه خلال الشهر الأخير، فقد يكون انخفاض الأداء خلال تلك الفترة قد حدث بسبب ضغط العمل أو نقص الموارد أو ظروف خارجة عن إرادته. ومثال ثان، افتراض انحياز جهة الإدارة ضد الموظف لأنه لم تتم ترقيته، لأنه قد توجد أسباب موضوعية أخرى تتعلق بالكفاءة أو الأقدمية أو شروط الترقية.
13) "الخلط بين القرينة البسيطة والدليل القاطع". وتحدث عندما يتم التعامل مع القرينة كما لو كانت دليلا قاطعا، أو عندما تُستخلص النتيجة من قرينة واحدة لا تقوى على حمل النتيجة، فالقرينة لا تُثبت النتيجة بذاتها، بل تحتاج إلى قرائن أو أدلة أخرى تساندها. ومثالها، اسنتاج أن المتهم ارتكب الجريمة لمجرد ثبوت وجوده في مكان ارتكابها، لأن ذلك لا يُعد دليلا قاطعا على اأنه هو الذي ارتكبها.
14) "الانتقاء"، وفيها يتم انتقاء نموذج مُعين لا يعكس الواقع وتجاهل العناصر الأخرى التي قد تؤدي إلى نتيجة مختلفة. ومن الصور الشائعة لها في المرافعات والتقارير والتحقيقات والقرارات الإدارية، أن يكتب المحامي "من المبادئ المستقرة لمحكمة النقض، ....." في حين أنه استشهد بثلاثة أحكام فقط تؤيد تفسيره وأغفل عشرات غيرها تقرر مبدأ مُخالفا.
15) "سرير بروكرست". وتحدث عندما تُفسَّر الوقائع أو الأدلة أو النصوص وفق قالب أو نظرية مُسبقة بدلا من إبداء حُجَّة تتلاءم مع الوقائع والأدلة المنظورة. ومثالها، تكييف العقد مُسبقا بأنه عقد إداري، ثم يتم تفسير جميع البنود والوقائع بما يدعم هذا التكييف رغم أن بعض العناصر تشير إلى أنه مدني أو تجاري. وعادة، تظهر هذه المغالطة عندما يتم الدفع بأن "جميع القضايا من هذا النوع تنتهي بهذه النتيجة، إذن هذه القضية يجب أن تنتهي أيضًا بالنتيجة نفسها." دون فحص الفروق الواقعية، واختلاف الظروف والنصوص القانونية والأدلة.
وفي رأينا، أن اكتشاف المغالطات المنطقية لا يمثل مجرد تمرين فكري أو فلسفي، بل يُعد أداة عملية لفحص سلامة الأحكام والقرارات والمرافعات القانونية؛ إذ إن كثيرًا من عيوب الاستدلال القضائي والإداري ترجع في جوهرها إلى خلل منطقي في الانتقال من المقدمات إلى النتائج. وكلما زادت قدرة رجل القانون على كشف هذه المغالطات، زادت قدرته على بناء حجج قانونية سليمة ودحض الحجج المعيبة.
... تابعونا الخميس القادم عن موضوع "مُغالطة الفزَّاعة".
