تمييز الصياغة القانونية عن الكتابة القانونية والكتابة العادية

تمييز الصياغة القانونية عن الكتابة القانونية والكتابة العادية

48. تمييز الصياغة القانونية عن الكتابة القانونية والكتابة العادية
محمود محمد علي صبره
استشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي

صَدر مؤخرا لقاضي مصري مشهور كتاب بعنوان "صياغة الأحكام القضائية". ويثور التساؤل: أيهما الأدق في التعبير: "صياغة الأحكام القضائية" أم "كتابة الأحكام القضائية"؟ ولتجنب الخلط بين المصطلحين، دعونا نتعرف على خصائص كل منهما.

في اللغة العربية، تعني كلمة "صاغ" "هيأ ورتب"، فيُقال "صاغ الكلام " بمعنى "هيأه ورتبه"، ويُقال صَاغ المعدن بمعنى أذابه وصَبّه في قالب، ويُقال "كلامُ حَسِن الصياغة" بمعنى "جيد ومُحكم"، ويُقال "صِيَغ الكلام" بمعنى "بناؤه وتراكيبه".

ومن المنظور القانوني، يُقصد بالصياغة ذلك النوع من الكتابة الذي يهدف إلى تقرير أو تنظيم أوضاع معينة ويتصف بطابع الإلزام ويأخذ قالبا ثابتا؛ ومن أمثلتها، صياغة القوانين واللوائح والعقود وغيرها. أما الكتابة القانونية فيُقصد بها ذلك النوع من الكتابة الذي يعتمد على التحليل القانوني، ويهدف إلى الإقناع بوجهة نظر معينة؛ ومن أمثلتها، كتابة المشورة والفتوى القانونية والمذكرات بالرأي القانوني ومذكرات المرافعات وأحكام المحاكم.

ويصف الفقيه "ديكرسون" الصياغة القانونية "بالقانون الوقائي" preventive law؛ ويعني بذلك أن مهمة الصائغ القانوني ينبغي أن تركز على توضيح حقوق والتزامات كل طرف بحيث لا تحدث منازعة بينهما. ومثال ذلك، قانون ينظم العلاقة بين الملاك والمستأجرين، وعقد ينظم العلاقة بين مالك مُعيّن ومُستأجر مُعيّن، فكلاهما يُنظم العلاقة بين المخاطبين به للحيلولة دون حدوث نزاع بينهما. وفي ذلك، تقول الأستاذة "باربارا تشايلد" إن العقد ما هو إلا "قانون رضيع".

ويمكن تمييز مصطلح الكتابة عن مصطلح الصياغة من جهة وظيفة كل منهما وتراكيبه وأدواته وأسلوبه. فمن جهة الوظيفة، تسعى الكتابة القانونية، عموما، إلى الإقناع بوجهة نظر معينة، سواء كانت موضوعية (كالحكم القضائي) أو منحازة (كمذكرات المرافعات)، أما الصياغة القانونية فتهدف إلى تقرير أو تنظيم أوضاع معينة وتتصف بطابع الإلزام. ومن جهة الأدوات، تعتمد الكتابة على إستخدام قواعد المنطق والأدلة والحجج، أما الصياغة فتركز على وضع قواعد مُلزمة في قالب ثابت. ومن جهة التراكيب، تعتمد الكتابة على استخدام التراكيب البسيطة والجمل القصيرة وقواعد البلاغة، أما الصياغة فتعتمد على الجمل الطويلة المستقلة ذاتيا، وسد أية ثغرات في النص. ومن جهة الأسلوب، تعتمد الكتابة على التحليل القانوني والإقناع بالحجج والاستناد إلى الأدلة، أما الصياغة فتركز على وضوح المعنى والإحاطة بكل جوانبه.

وتُقسّم الكتابة القانونية إلى نوعين؛ الأول، الكتابة الموضوعية، ومثالها، الفتوى القانونية والمذكرات بالرأي القانوني والأحكام القضائية، والثاني، الكتابة المنحازة، ومثالها، صحف الدعاوى، ومذكرات المرافعات. لكن كلاهما يتفقان من جهة الوظيفة والتراكيب والأدوات والأسلوب المُستخدم.

ومن جهة أخرى، تختلف الكتابة القانونية عن الكتابة العادية في أن الأولى تعتمد على التحليل القانوني، كما سبقت الإشارة، ويُفترض فيها أن تتبع تنظيما منطقيا. وعلى عكس ذلك، تُعتبر الكتابة العادية أكثر مرونة ولا تتبع بالضرورة تنظيما واحدا. وتسمح هذه المرونة للكاتب بالتعبير الإبداعي واستخدام أساليب مختلفة في الكتابة. وبينما تستخدم الكتابة القانونية أسلوبا رسميا وينبغي على المحامي أن يختار بعناية كل كلمة يستخدمها لنقل معاني واضحة ومُحددة، لا يكون ذلك بالضرورة محل تركيز في الكتابة العادية. كذلك، تعتمد الكتابة القانونية على استخدام أدوات المنطق والأسانيد القانونية وقواعد الاستدلال والتفسير، على حين لا تتطلب الكتابة العادية بالضرورة ذلك.

ومن أوجه الاختلاف بين الكتابة القانونية والكتابة العادية، أيضا، أن المحامين يعملون، غالبا ، أو ينبغي عليهم أن يعملوا، طبقا لتكليفات من مُوكليهم. ومثلما يتعين علي الطبيب، بعد تشخيص المرض، أن يشرح للمريض الخيارات المتاحة أمامه للعلاج، يتعين علي المحامي أن يشرح لمُوكله الوضع بوضوح حتى يستطيع المُوكل أن يتخذ القرارات اللازمة ويُكلف المحامي بما ينبغي عمله. ولا يختلف المحامي في ذلك عن الطبيب الذي يُعالج المريض وفقا لأسلوب العلاج الذي إختاره المريض بنفسه، رغم أن هذا الاختيار هو، في الواقع ، الحل الذي أوصي به الطبيب. ويُعتبر القانون من المِهَن القليلة التي تعتمد ممارستها علي ما يُقال أكثر من الاعتماد علي ما يتم عمله. وفي الواقع، فإن ما يُقال في مهنة القانون هو جوهر ما يتم عمله. ويُعتبر المحامي هو الوحيد الذي يُمكن مقاضاته علي ما يقوله مثلما يُمكن مقاضاته علي ما يفعله.