حدود سلطة مجلس النواب في مراقبة اللوائح!
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
هل يجوز للبرلمان مراقبة اللوائح التنفيذية والتنظيمية التي تُصدرها السلطة التنفيذية؟ وإذا كان من حقه ذلك، فما حدود سُلطته؟ وما معيار التفرقة بين اللوائح التنفيذية واللوائح التنظيمية؟ وما مصدر مشروعية كل منهما؟ وهل تعتبر نصوص اللوائح، تشريعا أم عملا إداريا بحكم أنها تصدر من السلطة التنفيذية؟ وهل اللوائح التنظيمية مستقلة تماما عن القوانين؟ ومن أين يستمد الوزير المختص مشروعية اللوائح المصلحية الداخلية الخاصة بتنظيم سير العمل في وزارته؟ وهل يجوز للبرلمان مراقبة لائحة أصدرها الوزير لتنظيم سير العمل داخل وزارته؟ وما معيار التفرقة بين الرقابة البرلمانية ورقابة القضاء الإداري والرقابة الدستورية؟ سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها في هذا المقال.
الأصل، أن اللوائح عموما- التي توصف بأنها نوع من التشريع الفرعي- تُعتبر أدنى مرتبة من القانون، وتصدر غالبا من رئيس الوزاء أو الوزير المختص أو من في حكمه. ولأغراض هذا المقال، سنركز فقط على الأنواع الثلاثة الرئيسة للوائح؛ وهي: اللائحة التنفيذية، واللوائح الخاصة بتنظيم المرافق العامة، واللوائح المصلحية الداخلية اللازمة لتسيير العمل داخل المرفق العام.
وفيما يتعلق باللائحة التنفيذية، فإنها ترتبط بالقانون إرتباطا كليا وتستمد مصدر مشروعيتها منه وتهدف إلى تسهيل تنفيذه وتحديد الإجراءات التفصيلية لأحكامه، وليس لها أن تخرج عنه أو تعدل فيه أو تعطل تنفيذه. وغالبا، تصدر اللائحة التنفيذية بتفويض تشريعي، ويجوز أن تُصدرها السلطة التنفيذية من تلقاء نفسها حتى لو لم يفوضها القانون في ذلك. فإذا صدرت بتفويض، تعتبر نصوصها، نصوصا تشريعية بصرف النظر عن مضمونها والجهة التي أصدرتها، ويجوز للبرلمان أن يراقبها وأن يعترض عليها سواء قبل أو بعد صدورها. وإذا كان القانون المُفوّض يفوض اللائحة في وضع قواعد عامة، يجب أن تلتزم اللائحة حدود التفويض.
أما إذا صدرت بدون تفويض فيتوقف الأمر على حسب مضمونها؛ فإذا كانت تتضمن قواعد عامة مُجردة أو تُنشئ مراكز قانونية جديدة تعتبر تشريعا وتخضع لرقابة المحكمة الدستورية العليا في مصر من جهة مدى مطابقتها لأحكام الدستور، تماما، كما تخضع القوانين لهذه الرقابة. وقد إستقر قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر على هذا المبدأ. وبموجب مادة (192) من دستور مصر لسنة 2014 المعدل "تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح ..." وتعني عبارة "دون غيرها" أنها الجهة الوحيدة المختصة برقابة دستورية التشريعات في مصر، ولا تجوز لأية جهة أخرى ممارسة هذه الرقابة. ويمتد نطاقها ليشمل ليس فقط القوانين بل أيضا اللوائح إذا كانت تتجاوز حدود التنظيم الإداري والتنفيذي إلى إنشاء قواعد عامة مجردة تمس الحقوق أو الواجبات.
وإذا قضت المحكمة بعدم دستورية نص قانوني أو لائحي، يُعتبر منعدما من اليوم التالي لنشر الحكم في الجريدة الرسمية وتلتزم جميع السلطات بتنفيذه. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة بعدم دستورية بعض نصوص "اللائحة التنفيذية لقانون التأمين الإجتماعي" لأن الوزير المُختص تجاوز حدود التفويض التشرعي فأضاف فيها أحكاما لم يرد لها أصل في القانون نفسه، وفرض إلتزامات جديدة على أصحاب الأعمال والعاملين (جلسة 4 مايو 1964).
أما إذا صدرت اللائحة التنفيذية بدون تفويض تشريعي وكانت تقتصر فقط على مسائل تفصيلية تتعلق بتنفيذ القانون، تُعتبر عملا إداريا من جهة الشكل والمضمون، وفي هذه الحالة، تخضع لرقابة القضاء الإداري. وللفصل فيما إذا كانت اللائحة تُعتبر لائحة تنفيذية أم تنظيمية، لا يركز القضاء الإداري على إسمها فحسب، بل يُحلل مصدرها، ومضمونها، وعلاقتها بالقانون، وآثارها القانونية. وإذا ثبت له أنها تخالف القانون أو تتجاوز السلطة التشريعية، يقضي بإلغائها أو وقف تنفيذها. وفي حُكم لمحكمة القضاء الإداري، فرّقت المحكمة بين "اللائحة التنفيذية" لقانون التأمينات الإجتماعية، التي تعد تفصيلا لنصوص القانون، واللائحة التنظيمية لهيئة التأمينات" التي تنظم الهيكل الإداري للهيئة دون أن تتضمن تفصيلا للقانون نفسه.
وفي جميع الأحوال، تطل رقابة مجلس النواب على اللائحة التنفيذية قائمة متى صدرت اللائحة اذا مان بها مخالفات لمواد القانون ويخضع مصدرها للمساءلة البرلمانية. وإذا لم يُصحح الوزير العوار في النص، يُمكن إستخدام الإستجواب لمساءلته، فإن أصر على عدم التصحيح، يُقدم طلب سحب الثقة منه.
وفيما يتعلق باللوائح الخاصة بتنظيم المرافق العامة، فتستمد مشروعيتها من الدستور مباشرة. وبموجب مادة (171) من الدستور المصري، يختص رئيس مجلس الوزراء بإصدار "القرارات اللازمة لإنشاء المرافق والمصالح العامة وتنظيمها، بعد موافقة مجلس الوزراء." ويُلاحَظ أن المادة قد خلت من النص على سلطته في تفويض غيره، ولذلك، ليس له أن يفوض غيره في إصدارها. وتوصف هذه اللوائح بأنها مستقلة عن القانون، ومثالها، لائحة تنظيم تراخيص المحال العامة. ومن جهة مضمونها، تعتبر نصوص هذه اللوائح نصوصا تشريعية لأنها تتضمن قواعد عامة مجردة ومستقلة عن القوانين. ورغم ذلك، لا تخضع للرقابة البرلمانية لأنها تعد من أعمال السيادة وينعقد فيها الإختصاص للسلطة التنفيذية.
أما اللوائح المصلحية الداخلية فيُقصد بها القواعد والتعليمات التي تُصدرها السلطة المختصة لتنظيم سلوك الأفراد والجهات الإدارية في مجالات معينة في المرافق العامة. وتستمد هذه اللوائح مشروعيتها مباشرة من الدستور ومن منصب الوزير المُصدر لها، ومن تكليف مجلس الوزراء له بتنفيذ سياسات الحكومة، ما يخول له إصدار التعليمات ومراقبة سير العمل داخل وزارته والجهات التي تتبعها وتسيير شؤونها. وبموجب مادة (168) من الدستور المصري المُعدل لسنة 2019 "يتولى الوزير وضع سياسة وزارته بالتنسيق مع الجهات المعنية، ومتابعة تنفيذها، والتوجيه والرقابة، وذلك في إطار السياسة العامة للدولة."
ومثال لهذا النوع من اللوائح أن يُصدر وزير الصحة قرارا يُنظم عمل المستشفيات العامة أو يُنشئ إدارات جديدة داخل الوزارة، وفي هذه الحالة، يُمكن أن تستند مشروعية هذا القرار إلى ما يلي: 1) مادة (168) من الدستور المصري، 2) قانون تنظيم وزارة الصحة، 3) سلطة الوزير الإدارية العامة في تسيير العمل في وزارته. وفي جميع الأحوال، يجب أن تصدر اللائحة في حدود إختصاص الوزير، وألا تخالف الدستور أو القوانين أو اللوائح الأعلى؛ مثل، قرارات رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء.
وعلى عكس اللوائح الخاصة بتنظيم المرافق العامة، تعتبر اللوائح المصلحية الداخلية، من جهة الشكل والمضمون، عملا إداريا لأنها تصدر من جهة إدارية وتركز على تنفيذ سياسة الوزارة المعنية ولا تتضمن قواعد عامة مجردة، ومن ثم، لا تخضع للرقابة البرلمانية وينعقد الإختصاص فيها للقضاء الإداري.
وتختلف الرقابة البرلمانية عن رقابة القضاء الإداري في أن الرقابة البرلمانية يُمكن أن تكون سياسية أو تشريعية وتهدف إلى التأكد من أن السلطة التنفيذية لا تتجاوز حدود التفويض الممنوح لها، وأن اللوائح لا تنحرف عن أهداف القانون. أما رقابة القضاء الإداري فهدفها حماية مبدأ المشروعية وإلغاء أية لائحة مخالفة للدستور أو القانون. وعالبا، تكون الرقابة البرلمانية سابقة أو موازية للقانون، ويجوز للبرلمان أن يشترط أن تُعرض عليه اللائحة التنفيذية قبل أن تصدرها السلطة التنفيذية، ويُمكنه مساءلة الوزير المختص بمجرد صدورها. أما رقابة القضاء الإداري، فهي رقابة لاحقة لا تتم إلا إذا رُفعت دعوى من متضرر يطعن في مشروعية اللائحة. كذلك تختلف الرقابة في الحالتين من جهة الأثر المترتب عليها؛ فبينما يُمكن للبرلمان توجيه إستجواب للوزير المختص أو سحب الثقة منه أو إصدار قانون جديد يلغي أو يعدل مضمون اللائحة، يجوز للقضاء الإداري، إذا قضى بعدم مشروعية اللائحة، أن يقضي بإلعائها أو وقف تنفيذها كليا أو جزئيا، ويُصبح الحكم مُلزما لجميع السلطات.
ومن صور الرقابة البرلمانية على التشريع، سواء الرئيس أو الفرعي (اللوائح)، الرقابة السياسية وبموجبها يجوز للبرلمان مناقشة الوزير المختص أو مساءلته عن مضمون اللائحة. كذلك، يملك البرلمان الحق في إصدار توصيات أو حتى سحب الثقة في حال إصرار الحكومة على لائحة مخالفة للقانون. ومن صُورها أيضا إدراج نص في القانون نفسه يُلزم الحكومة بعرض اللائحة التنفيذية أو التنظيمية على البرلمان قبل إصدارها، أو يشترط عرضها على البرلمان بعد إصدارها وله أن يعتمدها أو يرفضها.
