صياغة اللائحة الداخلية لاتحاد الشاغلين
وشروط صحة قرارات مجلس الإدارة والجمعية العمومية
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لماذا من المُهم وضع لائحة داخلية لاتحاد الشاغلين؟ وما الفرق بين "اللائحة الداخلية" و "النظام الأساس"؟ وما الشروط الواجب توافرها في تشكيل مجلس إدارة الإتحاد وانعقاد الجمعية العمومية، وفي صحة القرارات التي تصدر عنهما؟ وما العناصر الجوهرية التي يُمكن أن يترتب على إغفالها بُطلان قرارات المجلس والجمعية؟ وهل يجوز للمجلس تشكيل لجان فرعية لمعاونته دون تفويض من الجمعية؟ وهل يجوز لأعضاء الهيئات القضائية شغل عضوية مجلس الإدارة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنجيب عنها في هذا المقال.
يُشير مصطلح "اللائحة الداخلية" إلى وثيقة واحدة تجمع بين ما كان في وقت من الأوقات وثيقتين؛ النظام الأساس واللائحة الداخلية، وربما يُفسر ذلك إستخدام المصطلحين الآن بشكل تبادلي. وتتضمن اللائحة الداخلية القواعد التي وافق أعضاء الإتحاد بموجبها على الخضوع لأحكامها، وتتصف نصوصها بطابع تشريعي إذا صدرت بتفويض من الجمعية العمومية. ولا يُمكن إلغاء اللائحة الداخلية ولو حتى بالتصويت بإجماع الآراء، وكل ما يُمكن عمله هو تعديلها وفق قواعد وإجراءات مُعينة تنص عليها اللائحة نفسها.
ويُعَد مجلس الإدارة الجهاز التنفيذي الذي يُدير شؤون الإتحاد، ويتكون من الرئيس، ونائبه، وأمين الصندوق، وعدد من الأعضاء يتناسب مع عدد الشاغلين. وتنص مادة (75) من اللائحة التنفيذية لقانون البناء الموحد المصري رقم 119/2008، صراحة، على أن "يُشكّل المجلس من عدد فردي من الأعضاء لا يقل عن خمسة (5) ولا يزيد على أحد عشر (11) عضوًا، تنتخبهم الجمعية العمومية للإتحاد من بين أعضائها..."
ويُعتبر الإلتزام بالحد الأدنى (5) والحد الأقصى (11) لعدد الأعضاء شرطا جوهريا لصحة الإنعقاد، ويترتب على مخالفته بُطلان تشكيل المجلس بُطلانًا مُطلقًا لكونه مُشكلًا بالمخالفة لما يُوجِبه القانون، وتكون جميع القرارات الصادرة عنه قابلة للإلغاء، ولا يُعتد بها قانونًا؛ ومن أمثلتها، فرض أو تعديل إشتراكات الصيانة، التعاقد مع شركات صيانة أو حراسة، تعيين موظفين، تحصيل مبالغ من الشاغلين، وخلافه. ويجوز الدفع بالبُطلان في أي وقت، ويجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها لتعلقه بالنظام العام. ولا تُصَحّح المخالفة بالإجازة اللاحقة أو التصحيح من الجمعية، وإنما بدعوتها للانعقاد وانتخاب مجلس جديد واستكمال العدد القانوني (5–11) واعتماد التشكيل وفق الأوضاع القانونية. ولا يجوز قانونًا لمجلس باطل التشكيل إلزام الشاغلين بقرارات مالية، أو تحميلهم أعباء مالية. وفي بعض الحالات، قد يُسأل الأعضاء شخصيًا إذا إستمروا في الإدارة رغم عِلمهم بالبُطلان، أو إذا تسببوا في حدوث ضرر مالي جسيم للشاغلين.
ولا يجوز لمن ينتسب إلى هيئة قضائية أن يُشارك في عضوية المجلس أو يُمارس مهاما تتعلق بأعماله، مالم يحصل على إذن كتابي مُسبق من جهة عمله خصوصا إذا كانت له أو لأقربائه حتى الدرجة الثالثة مصالح مالية في المُجَمّع السكني باعتبار أن ذلك يُخالف مقتضيات العمل القضائي.
وتُجْمِع التعليمات الإدارية المُلزمة لأعضاء الهيئات القضائية والعُرف الإداري المعمول به (سواء في القضاء العادي، أو هيئة قضايا الدولة، أو النيابة العامة، أو مجلس الدولة) على حظر شغل العضو عضوية مجلس إدارة الإتحادات الأهلية أو ممارسته أي نشاط يتعلق بإدارة مال مُشترك من شأنه أن يَجره إلى الدخول في منازعات، أو يُعرّضه لشبهة تعارض المصالح. ويُعتبر عدم التقيد بهذه التعليمات مُخالفة وظيفية تستوجب المساءلة التأديبية، وربما فقدان الصلاحية. لكن، هل يترتب على المخالفة بُطلان العضوية وقرارات المجلس؟ الإجابة: لا، لأن الجزاء شخصي ويقع على عضو الهيئة وحده.
وتُحدد اللائحة شروط الترشح لعضوية المجلس ومدة العضوية وحالات إستبعاد العضو، واختصاصات المجلس، والنصاب القانوني لصحة إجتماعاته. ويجب أن تنص، صراحة، على آلية تحصيل الإشتراكات، واعتماد الميزانية، والرقابة على الإنفاق، وآلية الدعوة لعقد الإجتماعات، وقواعد إستعمال المرافق العامة في التجمع السكني، وإجراءات الأمن والدخول والخروج، والإشتراكات الخاصة بالصيانة والنظافة والري والإنارة، وإدارة النزاعات، وقواعد الإنضباط، وقواعد التفويض والتوقيع والتمثيل، وفق ما ينص عليه القانون واللائحة التنفيذية واللائحة الداخلية.
ومن العناصر الجوهرية التي يجب أن تنص عليها اللائحة صلاحيات المجلس في فرض رسوم مالية على الشاغلين، وآلية تحصيلها، وإجراءات إعتماد الميزانية والصرف منها. ويؤدي عدم نص اللائحة على هذه العناصر إلى بُطلان قرارات التحصيل أو الإنفاق. ولا يجوز للمجلس إتخاذ إجراءات مُعينة؛ منها، فرض الغرامات في حالة التأخير في السداد أو تعليق الخدمات غير الجوهرية، إلا بنص صريح يُجيز له ذلك في اللائحة الداخلية. كذلك، لا يجوز له المساس بالمرافق الحيوية للشاغلين كالمياه والكهرباء وخلافه. وأي تجاوز لاختصاصات المجلس أو إنفراده بقرارات من اختصاص الجمعية العمومية يُعد سببًا للطعن والبُطلان.
وبالإضافة إلى العناصر المُشار إليها أعلاه، يجب أن تنص اللائحة على الهدف منها، ونطاق سريانها والخاضعين لأحكامها، والواجبات والمحظورات التي يجب على الشاغلين الإلتزام بها. كذلك، يجب أن تنص على حقوق الأعضاء والضمانات ذات الصلة؛ ومنها حق الإطلاع على مُستندات المجلس، والإجراءات التي تضمن مُساءلته. وفي حال عدم النص على ذلك، تُعد اللائحة مُخالفة لمبادئ الشفافية وحُسن الإدارة، وقد تُلغى القرارات الصادرة عن المجلس قضائيا بسبب عيب إساءة إستعمال السلطة.
ويثور التساؤل: هل يجوز للمجلس تشكيل لجان فرعية لمساعدته دون تفويض صريح من الجمعية أو دون وجود نص صريح في اللائحة يُجيز له ذلك؟ الأصل، أن الإختصاص بتشكيل هذه اللجان ينعقد للجمعية باعتبارها السلطة العليا في الإتحاد وصاحبة الولاية العامة في تنظيم شؤونه. ولا يجوز لمجلس الإدارة تشكيلها إلا في حالتين؛ الأولى، بتفويض صريح من الجمعية لمدة مُحددة ونطاق إختصاص مُحدد، والثانية، بنص صريح في اللائحة. ولا يملك مجلس الإدارة تشكيل هذه اللجان منفردا لأن إختصاصه تنفيذي وليس تشريعي، ويترتب على تشكيلها بقرار منه منفردا عدم حُجية قراراتها، وإمكانية الطعن على أعمالها، ومساءلة مجلس الإدارة عن تجاوز إختصاصاته.
ولتمكين المجلس من تشكيل اللجان الفرعية لمعاونته، يُمكن إدراج نص في اللائحة الداخلية ينص على أنه "يجوز لمجلس إدارة الاتحاد تشكيل لجان فرعية لمساعدته، وتحديد مهامها، على أن ترفع تقاريرها إلى المجلس دون أن تكون لها سلطة إتخاذ القرار."
وتُعَد الجمعية العمومية السلطة العُليا في الإتحاد، وتختص بتشكيل مجلس الإدارة، وإقرار ميزانية التشغيل والصيانة، واعتماد اللائحة الداخلية، وتحديد الإشتراكات والإلتزامات المالية للشاغلين. وتتكون الجمعية من جميع الشاغلين سواء كانوا مُلاكًا أو مُستأجرين أو مُنتفعين. ويعني ذلك أن حق التصويت في إجتماعات الجمعية لا يقتصر فحسب على المُلاك بل يمتد ليشمل المستأجرين والمنتفعين. وأي مساس بصحة انعقادها، سواء من جهة الإخطار بالدعوة، أو النصاب القانوني لصحة إنعقادها، أو التصويت على قراراتها، يترتب عليه البُطلان وما يلحقه من آثار. وفي حالة كثرة عدد الوحدات، يجوز عقد إجتماعاتها حضوريا، أو إلكترونيا، أو بنظام مُختلط بشرط أن تنص اللائحة على ذلك صراحة، ويُعتبر هذا النص مُهما جدا لتفادي بُطلان الإجتماع.
ولضمان صحة القرارات التي تتخذها الجمعية ينبغي التحقق من عدم حدوث أي عيب يترتب عليه بُطلانها، بُطلانا مُطلقا أو نسبيا، أو عدم نفاذها. ومن العيوب التي يترتب عليها البُطلان المُطلق: عدم توجيه الدعوة للإجتماع أو توجيهها من غير ذي صفة، أو عدم إكتمال النصاب القانوني، أو مشاركة غير الأعضاء في التصويت. ومن العيوب التي يترتب عليها بُطلان القرار وحده نِسبيا دون أن يمتد البُطلان إلى صحة إنعقاد الإجتماع: عدم الإلتزام بمدة الإخطار وطريقته، وعدم إدراج موضوع القرار في جدول الأعمال، وصدور قرارات تتجاوز إختصاصات الجمعية العمومية. ومن العيوب التي يترتب عليها عدم نفاذ القرار، لا بُطلانه، عدم إعتماد القرارات من الجهة الإدارية المختصة. وفي التجمعات السكنية الكبيرة، يُفضّل إدراج نصوص تفصيلية في اللائحة الداخلية تُبيّن آلية الدعوة، والنصاب، والتوكيلات، والتوثيق، وإدارة الجلسة، وغيرها.
ويُفترض أيضا أن تتضمن اللائحة أحكاما عن الشئون المالية للإتحاد؛ ومنها تحديد السنة المالية، وتعيين مراقب الحسابات وتكليفه بتقديم تقرير سنوي إلى الجمعية عن إيرادات الإتحاد ومصروفاته، ووسائل تسوية المنازعات، وطريقة تعديل اللائحة، وتاريخ بدء السريان الزماني ومدته.
وفي رأينا، أن أغلب صلاحيات مجلس الإدارة تستمد مشروعيتها من اللائحة الداخلية إذا صِيغت بشكل صحيح واعتمدتها الجمعية العمومية والجهة الإدارية المُختصة، وبدون تضمينها هذه الصلاحيات فإن قراراته تُصبح عُرضة للطعن عليها بالبُطلان.
... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن "التمييز بين السُلطات والإختصاصات والصلاحيات في المجالين القانوني والإداري".
