"صياغة دليل السياسات والإجراءات وتمييزه عن اللوائح التنظيمية الداخلية"
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لم تعد الإدارة الحديثة تقوم على الإجتهادات الشخصية، بل أصبحت تعتمد على قواعد مكتوبة تضمن التطبيق المُوحد، والمساواة، وتحقيق الشفافية والمُساءلة، والإمتثال للتشريعات. ولذلك، يُقال أن "أفضل المؤسسات ليست تلك التي تعمل كثيرًا، بل التي تعمل وفق قواعد واضحة"، وأن "المؤسسات الناجحة لا تعتمد على الأفراد، بل على الأنظمة." ومن هنا، تبرز أهمية وضع "دليل للسياسات والإجراءات" إلى جانب القانون واللوائح التنظيمية الداخلية.
وفي هذا السياق، تُثار تساؤلات عدة؛ منها: ما وظيفة الدليل؟ ولماذا نحتاج إلى وضعه؟ وما الخطوات الواجب إتباعها لإعداده؟ وما المستويات التي يتم على أساسها وضعه؟ وما تكييفه القانوني: هل يُعد عملًا إداريًا داخليًا غير قابل للطعن عليه؟ أم قرارًا إداريًا تنظيميًا عامًا يجوز الطعن عليه بالإلغاء؟ وما سمات السياسات الناجحة؟ وما معايير التمييز بين السياسات والإجراءات؟ وبين الدليل واللوائح التظيمية الداخلية؟ وما الأثر المُترتب على تضمين الدليل قواعد جديدة والتزامات وجزاءات لا ينص عليها القانون واللوائح ذات الصلة؟ وسنحاول الإجابة عن كل هذه الأسئلة وغيرها في هذا المقال.
يُقصد "بدليل السياسات والإجراءات" الوثيقة التي تضم مجموعة القواعد (السياسات) التي تحكم العمل، والخطوات التفصيلية لتنفيذها (الإجراءات) والتي تهدف إلى ضبط الأداء الإداري وتحديد المسئوليات وتوحيد المُعاملات الإدارية في جهة ما بما يضمن إنسجامها مع مبادئ المشروعية والشفافية في إتخاذ القرار وعدم الإنحراف بالسلطة، وبدونه يتحول العمل الإداري إلى إجتهادات فردية مُتباينة. وإلى جانب السياسات والإجراءات، توضع نماذج عملية للإجراءات لتسهيل إتباعها بالطريقة الصحيحة.
ويُقصد بالسياسات القواعد التي تعتمدها جهة ما لتحقيق أهدافها. وقد ترتبط بالقانون واللوائح (مثل، السياسات الخاصة بالتعيين والترقية والنقل، إلخ.)، وقد تكون مُستقلة عنها (مثل، السياسات الخاصة بحظر التعارض في المصالح، والإفصاح، وحماية العملاء، إلخ.). ويجب أن يتصدر كل سياسة التاريخ الفِعلي لبدء تطبيقها وتواريخ المراجعات التي أجريت عليها. أما الإجراءات فيُقصد بها الخطوات العملية لتطبيق تلك السياسات. وبينما تُصاغ السياسة في شكل مبادئ تُحدد ماذا يجب أن يحدث؟ تُصاغ الإجراءات في شكل الأسئلة الآتية: كيف يحدث ذلك؟ ومن يُنفذ ماذا؟ ومتى يُنفذه؟ ويُمكن القول أن السياسة تقود الإجراءات، والإجراءات تُنفذ السياسة.
ومثال للتعبير عن السياسات أن ينص الدليل على أن "تلتزم الهيئة بالشفافية في التعاقد." وينعكس ذلك في الإجراءات في النص على أن "تُعلن الهيئة عن المقاول الذي تم التعاقد معه عبر البوابة الإلكترونية خلال سبعة (7) أيام من التعاقد." ويحدث كثيرا الخلط في الصياغة بين السياسة والإجراء؛ ومثال ذلك، أن يتم التعبير عن الإعلان عن التعاقد عبر البوابة الإلكترونية في شكل مبدأ، والتعبير عن الإلتزام بالشفافية في التعاقد في شكل الخطوات الواجب إتباعها.
ويُثار التساؤل: لماذا نحتاج إلى وضع دليل للسياسات والإجراءات إلى جانب القانون واللوائح التنظيمية الداخلية؟ فقانون الخدمة المدنية يُنظم القواعد العامة الواجب على العاملين إتباعها، وتُحدد اللائحة التنفيذية واللوائح التظيمية الداخلية كيفية تنفيذها، فما الخطوط الفاصلة بين ما يفعله الدليل، وما يفعله القانون واللوائح التنظيمية الداخلية؟
والإجابة: أن القانون يُعد أوسع نطاقا من اللوائح والدليل؛ فعلى عكس اللوائح والأدلة، يُخاطب القانون كل الفئات في كل الجهات، وليس في جهة عمل مُعينة، ويتضمن قواعد عامة مُجردة؛ ومن جهة أخرى، تُوضع اللوائح التنظيمية الداخلية لتنظيم سير العمل في جهة ما. أما الدليل فيُوضع لضبط الأداء الإداري وتحديد المسئوليات وتوحيد المُعاملات الإدارية بما ينسجم مع طبيعة عمل الجهة وأهدافها. ويتضمن الدليل تعريف الموظف بواجباته وكيف يؤدي عمله، ويُحدد أسلوبا مُوحدا لتنفيذ العمل باستخدام النماذج المُعدّة مُسبقا، وتوحيد القرارات في الحالات المماثلة، وكذلك، تعريف المتعاملين مع جهة العمل بإجراءاتها، ووضع معايير للأداء، ما يؤدي إلى إختصار وقت التدريب ووقت العمل وزيادة كفاءة العاملين وتعزيز التواصل بينهم وضمان التزامهم بالقوانين واللوائح والتعليمات. وكل من القانون واللوائح والدليل يُكمل الآخر ولا يتعارض معه.
ومن الناحية الإدارية، يؤدي وحود الدليل إلى توحيد العمل داخل جهة العمل وبدونه تعمل كل إدارة بطريقتها، ومن ثم، يؤدي وجوده إلى منع تضارب القرارات وتقليل الأخطاء، ورفع مستوى الأداء وتسريع دورة العمل وضمان صحة الإجراءات. ومن الناحية القضائية، يُثبت الدليل أن القرار الإداري صَدَر وفق إجراءات مُحددة مُسبقا. ومن ثم، راعى مبدأ المشروعية وعدم الإنحراف بالسلطة ولم يكن تعسفيا. وقد إستقر قضاء المحكمة الإدارية العليا في مصر على أن مُخالفة الإجراءات الجوهرية تُبطل القرار الإداري. وللدليل أهمية أيضا من الناحية الرقابية فوجوده يُسهّل الرقابة والتدقيق ويُوفر معايير واضحة للمُراجعة وكشف المُخالفات. وهو أيضا يُعتبر من أدوات الحَوْكمة إذ أنه يُحقق الشفافية والمُساءلة والإنضباط المؤسسي ويدعم التحول الرقمي.
وتوضع السياسات والإجراءات على ثلاثة (3) مستويات رئيسة: الأول: المستوى الأصغر للتعامل مع موضوع أو مجال مُعين له أهمية خاصة بالنسبة لجهة العمل (ومثال ذلك، زيادة المبيعات، وحظر تعارض المصالح، والإفصاح، إلخ.). والثاني، على مستوى جزئي؛ مثلا، وحدة إدارية مُعينة: إدارة الموارد البشرية، إدارة التعاقد والمشتريات، إدارة خدمة العملاء، إدارة المبيعات، إلخ. والثالث: على المستوى الكلي بحيث يشمل كل جهة العمل.
ومن خصائص السياسة الناجحة ما يلي: 1) الإستناد إلى الأدلة؛ ويعني ذلك ضرورة أن تكون السياسة مبنية على معلومات وبيانات وإحصاءات دقيقة. 2) دراسة أفضل الممارسات العالمية واختيار أكثرها مُلاءمة للبيئة المحلية. 3) التثبُت من صحة الإفتراضات التي تستند إليها السياسات الموضوعة. 4) الإستماع إلى وجهة نظر المعنيين والمنتفعين. 5) إجراء مراجعة إضافية عن طريق الإستعانة بخبراء من خارج جهة العمل لتحسين السياسة التي تم وضعها. 6) تحليل التكلفة مقابل المنفعة للتأكد من أن مزايا السياسة تفوق تكلفتها.
ولإعداد سياسة فعالة، ينبغي إتخاذ الخطوات الآتية: 1) تحديد الغايات التي تسعى جهة العمل لتحقيقها. ومن الأخطاء المُعتادة الخلط بين "الغايات" و "وسائل تحقيقها". ومثال ذلك، تحديد الهدف على أنه زيادة الفوائد البنكية أو تعويم العُملة في حين أن هذه مجرد وسائل لتحقيق الهدف وهو "تقليل التضخم للحد من غلاء المعيشة". 2) تحديد المشكلة أو الموضوع بالتشاور مع الفنيين والمختصين. وعند تحديد المشكلة، ينبغي تمييزها عن أعراضها. ومثال ذلك، شخص يشكو لطبيبه من أنه يعاني من ألم في ظهره في جنبه الأيسر. هذه أعراض وليست المشكلة؛ إذ قد تكون المشكلة أنه يُعاني من شد عضلي بسيط، أو مشاكل في الكُلى، أو إضطرابات في القولون، إلخ. وبينما تصف الأعراض ما الذي يحدث، تتناول السياسة لماذا يحدث ذلك. ويؤدي التشخيص الخاطئ للمشكلة، إلى عدم استهداف جذورها، وبالتالي، سوء تخصيص الموارد، وفي النهاية، وضع سياسات خاطئة.
3) تحليل المشكلة في شكل: من يفعل ماذا؟ ويعني ذلك محاولة معرفة أطرافها وأسبابها، وبدون ذلك سيكون من المستحيل دراسة الحلول الممكنة. 4) فحص البدائل والخيارات المتاحة للحل واختيار البديل الأفضل. 5) إستطلاع آراء المنتفعين والتشاور معهم. 6) وصف السياسة التي تم إختيارها. 7) مراجعة السياسة وتحسينها بعد البدء في تنفيذها.
ومن جهة التكييف القانوني، يُعد الدليل ذا طابع إداري وقانوني مُزدوج، لكن الطابع الإداري هو الأصل، ومن ثم، يُعد من قبيل التعليمات الإدارية الداخلية لكنه لا يرقى إلى مرتبة التشريع أو اللائحة التنظيمية ويُفسَّر باعتباره أداة تنفيذية وليس مَصدرا للتشريع لكنه يكتسب قوة إلزامية في حدود مبدأ المشروعية. ويجب ألا يُنشئ بذاته حقوقا أو إلتزامات غير منصوص عليها قانونا أو يستحدث جزاءات أو يتم الإستناد إليه في توقيعها، بل يقتصر دوره على تنظيم كيفية تنفيذ القوانين واللوائح التي تعتمدها جهة العمل. ومن ثم، لا يجوز أن يتضمن الدليل ما يُخالفها. أما اللوائح التنظيمية الداخلية التي تصدر عن الجهة الإدارية فتُنظم المراكز القانونية للعاملين والمتعاملين معها وقد تُرتب حقوقا والتزامات، وقد تتضمن جزاءات، إذا كان لها سند قانوني.
ويعتمد التكييف القانوني الصحيح للدليل على ما يحتويه من مضمون وليس على ما يحمله من إسم. وتطبيقا لذلك قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن "التكييف القانوني للقرارات الإدارية مَرَده إلى مضمونها لا إلى تسميتها." (طعن رقم 1969 لسنة 34 ق.، جلسة 27/2/1990). فإذا سُميت الوثيقة "دليل" لكنها تُنشئ إلتزامات، أو قواعد عامة، أو جزاءات، تُكيف على أنها لائحة وتخضع للطعن عليها أمام القضاء الإداري. أما إذا إقتصرت على تنظيم الإجراءات وتوزيع العمل، وكُيفت على أنها "تعليمات داخلية"، لا تكون عُرضة للطعن عليها. كذلك قضت بأن "التعليمات الداخلية لا ترقى إلى مرتبة اللوائح ولا تنشئ إلتزامات قانونية." (طعن رقم 2662 لسنة 37 ق.، جلسة 3/5/1994). وبأن "كل تنظيم يتضمن قواعد عامة مُجردة يُعد لائحة ولو سُمي بغير ذلك." (طعن رقم 3814 لسنة 42 ق.، جلسة 26/4/1997).ومن ثم، إذا تضمن الدليل قواعد أو إلتزامات أو قيودا جديدة يتحول إلى "لائحة مُقَنّعة" ويكون قابلا للإلغاء. ومثال ذلك أن يحظر القانون تجزئة التعاقد لكن الدليل يُجيز ذلك.
وفي رأينا، أن القائد الحقيقي هو الذي لا يكتفي بإصدار الأوامر، بل يضع نظامًا يضمن تنفيذها. وبدون وضع نظام مُفصل في شكل "دليل للسياسات والإجراءات"، لن تتحقق الأهداف كما خُطط لها، وسيبدو الأمر كمن يُطلق النار في الظلام.
.... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن موضوع "الإلتزامات الصريحة والإلتزامات الضمنية في العقود".
