عقود الخدمات وما يتشبه بها
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
أبرمت جهة عامة عقدا مع مُتعهد لتقديم خدمات لها، ويُطالب المُتعهد بمستحقات مالية. لكن الجهة تحتج بأن العقد "عقد عمل" وليس "عقد خدمات" وذلك بهدف تطبيق آثار قانونية مُغايرة لعقد الخدمات؛ منها، الدفع بعدم الإختصاص، وثبات الأجر، وحقها في فرض جزاءات تأديبية، وغيرها. فما المعايير التي ستُطبقها المحكمة للتوصل إلى التكييف القانوني الصحيح للعقد؟ وتُثير هذه المنازعة تساؤلات كثيرة حول أوجه الشبه والإختلاف بين عقود الخدمات والعقود الأخرى التي تتشبه بها؛ ومنها عقود العمل، ومقاولة الإنشاءات، والوكالة، والإدارة والتشغيل، والتوريد، والبيع. وفي حال ما إذا كان صاحب العمل جهة إدارية، هل يُعتبر العقد عقدا إداريا؟ وهل تختلف الطرق المُتبعة في إسناده عن عقود مقاولات الإنشاءات والتوريد؟
ويُعرّف عقد الخدمات بأنه إتفاق يلتزم بمُقتضاه "مُقدّم الخدمة" ("المُتعهد") بأن يؤدي عملًا ماديا أو ذهنيا لصالح "صاحب العمل"، مقابل أتعاب يتقاضاها عن ذلك العمل. ويندرج "عقد الخدمات" تحت العقود غير المسماة لأن المُشرّع لم يضع له قواعد خاصة به بل تركه لتحكمه القواعد التى تخضع لنظرية الإلتزام. وهو من العقود المُلزمة للجانبين، وليس من العقود الشكلية التي يَشترط القانون لانعقادها شكل خاص، ولا هو من العقود العَينية التي يُشترط فيها تسليم الشيء محل التعاقد. ومن خصائصه أنه غالبا تُصاحبه ملاحق لبيان تفاصيل الخدمة التي يصعب وضعها في متن العقد نفسه لكثرة تفاصيلها. كذلك، يُلحق به عادة مُلحق يُسمى "عقد قياس مستوى الخدمة" Service Level Agreement. وينتهي العقد إما بانتهاء مدته أو باكتمال الخدمة المُتعاقد عليها.
وتذهب نسبة كبيرة من التعاقدات الحكومية إلى التعاقد على الخدمات، وعادة، يكون محل العقد "توفير إحتياجات" وليس مجرد القيام بعمل وإنجازه وتسليمه. وبموجب قانون "اليونسترال"، الذي وضعته لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقانون التجاري الدولي، تُعرّف الخدمات بأنها "أي شيء للإشتراء غير السلع أو الإنشاءات، ويجوز للدولة أن تُحدد اشياء مُعينة تقرر مُعاملتها كخدمات." وعند إعداده، حدد القانون طريقة للتعاقد على الخدمات تختلف عن تلك المُتبعة للتعاقد على الإنشاءات والسلع. وتنص مادة (18-3) من قانون اليونسترال على أنه "على الجهة المُشترية أن تستخدم أسلوب "طلب تقديم إقتراحات"، أو الإثبات المُسبق للأهلية، ما لم ينص القانون على غير ذلك." ويتم إختيار المُتعهد عن طريق الإختيار بدون تفاوض (م-42)، أو إجراء مفاوضات متزامنة (م-43)، أو إجراء مفاوضات متتابعة (م-44).
ومن جهة طبيعة الإلتزام، فالأصل أنه ببذل عناية، واستثناء من ذلك، قد يتحول إلى إلتزام بتحقيق نتيجة بنص صريح في العقد أو على حسب طبيعة العمل؛ مفاد ذلك، أن على المُدّعي عِبء إثبات التقصير لا مجرد عدم تحقق النتيجة.
ويُمكن تقسيم عقود الخدمات إلى نوعين رئيسين؛ الأول، عقود الخدمات المادية الملموسة؛ ويُقصد بها العقود التي تهدف إلى تقديم عمل مهني أو فني أو إداري ملموس يُمكن قياسه، ومن أمثلتها، عقود التشغيل والصيانة، والنظافة، والحراسة، ونقل الموظفين والبضائع، والتغذية، وتشغيل البوفيهات، والخدمات البترولية، وخدمات الشحن، وإدارة المنشآت والمرافق وتشغيلها، وتحصيل قيمة الفواتير، إلخ. ويتسم هذا النوع من العقود بأنه من عقود العمل ذات التنفيذ المستمر المتكرر، ويُشكل الزمن عنصرا أساسيا فيه. وقد يتحول الإلتزام فيه إلى إلتزام بنتيجة.
أما النوع الثاني فهو عقود الخدمات ذات الطابع الذِهني؛ ويُقصد بها تلك التي تهدف، أساسا، إلى القيام بعمل ذِهني ينعكس في شكل مُخرجات مادية ملموسة كالإستشارات الهندسية، ودراسات الجدوى، والخدمات المهنية كالمحاماة، والمحاسبة، والخدمات الطبية، وغيرها. وفيها قد يكون الإعتبار الشخصي أمرا جوهريا، ويغلب عليها طابع الإلتزام بعناية.
ويختلف عقد الخدمات عن العقود الأخرى التي تتشبه به. فهو يختلف عن عقدي العمل والمقاولة، من جهة التبعية والرقابة والإستقلال؛ إذْ بينما يتصف عقد الخدمات بعدم تبعية المُتعهد لصاحب العمل، وبالتالي، عدم خضوعه لرقابته واستقلاله عنه، يَتبع العامل صاحب العمل ويخضع لرقابته وإشرافه وتوجيهه ولا يُمارس عمله بشكل مستقل عنه. وبينما يُركز عقد الخدمات على الجَهد المبذول، يُركز عقد المقاولة على إنجاز عمل مادي يتم في النهاية تسليمه إلى صاحب العمل.
كذلك، يختلف عقد الخدمات عن عقد الوكالة في أن المُتعهد لا يُمثل غيره، ولا يُبرم تصرفات قانونية نيابة عنه ويهدف إلى تقديم خدمة، سواء كانت مادية أو ذهنية، على حين يُمثل الوكيل الغير ويهدف إلى إبرام تصرفات قانونية نيابة عنه. كذلك، يختلف عن عقد الإدارة والتشغيل في أنه يقتصر على تقديم الخدمات على حين يجمع الثاني بين عناصر الوكالة وتقديم الخدمات؛ وعن عقد التوريد في أن الأول محله تقديم خدمة، أما الثاني فمحله بضاعة ويتم غالبا على مراحل؛ وعن "عقد البيع"؛ فبينما محل الأول نقل ملكية شيء وتسليمه بشكل فوري أو مؤجل ولا يتحمل البائع مخاطر مهنية، فإن محل الثاني تقديم خدمة، وبذل عناية، والتسليم على مراحل، ويتحمل المُتعهد المخاطر المهنية.
ويثور التساؤل في عقود الخدمات التي تُبرمها الجهات العامة: هل تُعد عقودا إدارية أم عقودا مدنية؟ والأصل، أن العقد يكون إداريا متى كان أحد الطرفين جهة عامة، واتصل موضوعه بمرفق عام، وتضمن شروطا إستثنائية غير مألوفة في عقود القانون الخاص. ويترتب على إعتبار العقد عقدا إداريا خضوعه لاختصاص القضاء الإداري. وفي حال تكييفه على أنه عقد إداري، فإنه يخضع لقواعد القانون الإداري؛ ومنها قواعد المصلحة العامة، والرقابة، والجزاءات الإدارية، وسلطة التعديل، والحق في إنهائه بالإرادة المنفردة. لكن لا يُشترط أن يكون كل عقد تُبرمه جهة الإدارة عقدا إداريا. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن "إتصال العقد بالمرفق العام وحده لا يكفي، بل يَلزم ظهور نية الإدارة في الأخذ بأسلوب القانون العام عبر شروط غير مألوفة، وإلا كان العقد مدنيا ويختص به القضاء العادي" (طعن رقم 3128 لسنة 35، الإدارية العليا).
ويتضمن عقد الخدمات، عموما، البنود الأساسية الآتية: مدة العقد، نطاق الأعمال، مكان التنفيذ، العمالة والمواد والمعدات ومسئولية المُتعهد عنها، الأتعاب، إستقلالية المُتعهد، إقرارات وضمانات والتزامات المُتعهد، حماية حقوق الملكية الفكرية، الحفاظ على سرية المعلومات، الإلتزام باللوائح والقوانين، عدم التنازل عن الأعمال.
والآن، دعونا نحاول الإجابة عن السؤال الذي طرحناه في صَدر المقال عن المعايير التي ستُطبقها المحكمة لاستخلاص ما إذا كان العقد عقد تقديم خدمات أم عقد عمل؟ يُفترض أن تطبق المحكمة خمسة معايير: 1) محل الإلتزام. 2) درجة التبعية والرقابة. 3) طبيعة الإلتزام؛ هل هو إلتزام بعناية أم بنتيجة؟ 4) طبيعة المقابل: هل ينطبق عليه وصف الأجر، أم الأتعاب؟ 5) الإستقلال في الأداء وتحمل المخاطر. ومن المبادئ المستقرة قانونا وقضاء وفقها أن العبرة في تكييف العقد هي بحقيقة الإلتزامات والواقع العملي لا بتسمية العقد وعباراته. مَفاد ذلك أنه يجوز للمحكمة إعادة تكييف العقد إذا كان الواقع مُخالفا لما ورد فيه.
وفيما يتعلق بمحل الإلتزام، قد تجد المحكمة أن هناك قرائن على أن العقد لا ينطبق عليه وصف عقد العمل؛ منها أن المُتعهد يلتزم بتقديم نشاط أو خبرة دون تسليم مُنتَج مادي. ومن جهة التبعية، لا يوجد ملف وظيفي للمتعهد، ولا يوجد إلتزام بساعات عمل ثابتة، ولا جزاءات تأديبية، ولا إشراف ورقابة للجهة على العمل الذي يتم أداؤه. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "مناط التمييز بين عقد العمل وعقد الخدمات هو التبعية، ولو تنظيمية أو إدارية، وأن الإستعانة بفني "عند الحاجة" للقيام بأعمال الصيانة والإصلاح لمدة محددة ينتهي عمله بعدها مع تفاوت المقابل قرينة على إنتفاء علاقة العمل" (نقض مدني، طعن رقم 1269 لسنة 85 قضائية).
ومن جهة طبيعة الإلتزام، لم يتضمن العقد ضمان نتيجة مُحددة. ومن جهة طبيعة المقابل، قد تجد المحكمة أنه ينطبق عليه وصف الأتعاب نظير تقديم خدمات لا الأجر عن عمل؛ ومثال ذلك، أنه مُحدَد كمبلغ مقطوع، أو دفعات دورية، ولا يرتبط بعدد ساعات عمل فعلية، ولا توجد إستقطاعات تأمينية أو ضريبية مثلما يحدث في الأجر. ومن جهة الإستقلال وتحمل المخاطر، يتحمل المُتعهد مخاطر التنفيذ، ولا يتمتع بالحماية التي يوفرها القانون للعامل. وكل هذه مؤشرات على أن العقد ينطبق عليه وصف عقد الخدمات لا عقد العمل.
ولتفادي إحتمال أن تُكيّف المحكمة العقد تحت إسم آخر غير "عقد الخدمات"، يُفضَل إدراج مادة فيه تحت عنوان "إستقلال المُتعهد" تنص على أنه "لا ينُشئ بأي حال من الأحوال علاقة عمل أو وكالة بين المُتعهد وصاحب العمل، أو تبعية قانونية أو تنظيمية أو إدارية، أو شراكة بينهما. ويؤدي المُتعهد عمله بشكل مستقل تماما وعلى مسؤوليته الخاصة وفق أساليبه المهنية دون أي إشراف فني من صاحب العمل؛ ويتحمل وحده كل المخاطر المرتبطة بأداء الخدمة، ويكون وحده مسؤولاً عن أدواته ووكلائه وعُماله ويلتزم بالوفاء بجميع إلتزاماته تجاههم. ولا يُفسّر إصدار صاحب العمل أو مَن يُمثله لأية تعليمات أو تكليفات على أنها تُمثل إشرافا مباشرا على العمل الفني للمُتعهد. ولا يحق للمُتعهد إبرام تعاقدات أو اتخاذ قرارات بإسم صاحب العمل أو لحسابه."
وفي راينا، أنه ينبغي أن تُخصص قوانين التعاقدات العامة في الدول العربية قِسما خاصا يُميز عقود الخدمات عن عقود مقاولات الأعمال وتوريد السلع، سواء من جهة طبيعة الإلتزام أو محله أو الآثار المترتبة عليه أو الطرق المُتبعة لإسناده، على غرار ما فعلت الأمم المتحدة في قانون "اليونسترال" النموذجي. ولا شك في أن ذلك سيُخفف العِبء عن المحاكم، من جهة، وسيضمن إتباع الوسائل الأكثر فعالية وكفاءة لاختيار المُتعاقد، من جهة أخرى.
... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن "الأصول الفنية والقانونية لصياغة لائحة إتحاد الشاغلين".
