غرامة التأخير في التعاقدات العامة ..
هل تُعد عقوبة، أم شرطا تعاقديا، أم تعويضا مدنيا؟ أم إجراء تنظيميا؟
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
هل يجوز للمقاول في عقد إداري أن يطلب تخفيض مبلغ غرامة التأخير المنصوص عليها في العقد على أساس أن الضرر الذي لحق بجهة الإدارة أقل منها؟ ويُثير هذا التساؤل أسئلة عدة؛ منها: هل غرامة التأخير تُعد جزاء إداريا تنظيميا مَصدره القانون، أم تعويضا إتفاقيا مَصدره العقد؟ وهل يُشترط إثبات الضرر الناتج عن التأخير في العقد الإداري؟ وهل يحق لجهة الإدارة فرض غرامة تُجاوز تلك المنصوص عليها في العقد إذا جاوز الضرر قيمة الغرامة؟ وهل يُمكن أن تترتب على التأخير، بالإضافة إلى المسئولية العقدية، مسئولية تقصيرية؟ وهل غرامة التأخير تُعد عقوبة جنايئة؟ أم شرطا تعاقديا؟ أم تعويضا مدنيا؟ أم إجراء تنظيميا؟ وما معايير التمييز بين الحالات الأربعة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.
إستقر قضاء المحكمة الإدارية العليا في مصر على أن غرامة التأخير في العقود الإدارية هي جزاء إداري مالي ذو طبيعة تنظيمية وتعاقدية." (طعن رقم ٦٤٨٩ لسنة ٤٩ ق.ع، جلسة 10/2/2007). وقد تصدر إستنادًا إلى نص تشريعي صريح على أساس مخالفة إلتزام قانوني تنظيمي، وفي هذه الحالة، لا تُكيف قانونا على أنها عقوبة بل كإجراء رَدعي، وقد تصدر في شكل تعويض إتفاقي مُقدّر سلفا بناء على عقد بين جهة الإدارة والمُتعاقد على أساس الإخلال بالتزام تعاقدي، وفي هذه الحالة، لا يُشترط بالضرورة أن تستند إلى نص تشريعي صريح. وفي الحالتين، تصدر بقرار إداري مُنفرد وتُطبقها جهة الإدارة مُباشرة دون الحاجة إلى صدور حُكم قضائي، ومثالها، غرامة التأخير في العقود الإدارية. ويثور الخلط بين الحالتين عندما ينص كل من القانون والعقد عليها.
ولا ترقى غرامة التأخير لأن تكون عقوبة جنائية لأن العقوبة الجنائية تقوم على إفتراض حدوث جريمة، وتُوَقع بِحُكم قضائي، أما الجزاء الإداري، عموما، فغايته ضمان حُسن سير المِرفق العام لا الردع العِقابي المُجرد. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "غرامة التأخير ليست عقوبة بالمعنى الجنائي، وإنما هي إجراء إداري مشروع هدفه ضمان حُسن سير المرافق العامة وانتظامها." (طعن رقم ٢١٠٧ لسنة ٣٧ ق.ع، جلسة 5/4/1997). كذلك، قضت بأنه ليس كل أثر مالي يفرضه المُشرّع أو الإدارة يُعد عقوبة، بل قد يكون إجراء تنظيميا لضمان حُسن سير النشاط." (طعن رقم 2107 لسنة 37 ق.ع.، جلسة 5/4/1997).
والراجح قضاءً وفقهًا، أنها ليست، أيضا، تعويضًا بالمعنى المدني الخالص. لماذا؟ لأن التعويض في القانون المدني يقوم على ثبوت الخطأ، وتحقق الضرر وإثبات العلاقة السببية، وتقدير التعويض قضائيًا، في حين أن غرامة التأخير تُستحق بمجرد تحقق التأخير دون الحاجة إلى إثبات حدوث ضرر فِعلي لأن الضرر مُفترَض وليس محل إثبات، ولأن الغرامة تُفرض وفق مُعادلة مُحددة سلفًا في العقد أو اللائحة، وتُوقع إداريًا دون اللجوء إلى القضاء إبتداءً.
وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن "مناط إستحقاق غرامة التأخير هو الإخلال بالموعد المُحدد للتنفيذ، ولا يُشترط لتوقيعها أن يثبت لجهة الإدارة وقوع ضرر فِعلي من هذا التأخير." (طعن رقم ٣١٣٤ لسنة ٤٤ ق.ع، جلسة 18/5/2002). وترجع أهمية هذا الحُكم في أنه يرد مباشرة على أي دفع بعدم تحقق ضرر، أو إنتفاء حدوث الخسارة، أو أن التنفيذ تم لاحقًا، وهي الدفوع الشائعة في هذا السياق.
ويترتب على ذلك جواز الجمع بين غرامة التأخير والتعويض المدني. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن " توقيع غرامة التأخير لا يحول دون أن تُطالب جهة الإدارة بتعويض إضافي متى ثبت أن الضرر الذي أصابها يُجاوز مقدار الغرامة المُقررة." (طعن رقم ٤٥٢٩ لسنة ٤٣ ق.ع، جلسة 9/6/2001). مَفاد ذلك، أن الغرامة ليست حدًا أقصى للتعويض، بل حدًّا أدنى مُفترَضًا. ومن ثم، يجوز الجَمع بينها والمُطالبة بتعويض إضافي إذا ثبت حدوث ضرر يتجاوز قيمتها.
وتنص مادة (48) من قانون التعاقدات العامة المصري رقم 182 لسنة 2018 على أنه "لا يخل تحصيل مقابل التأخير بحق الجهة الإدارية في الرجوع على المُتعاقد بكامل التعويض المُستحق عما أصابها من أضرار بسبب التأخير." لكن ذلك لا يعني أن من حقها أن تطالب من تلقاء نفسها بالتعويض عن الضرر الزائد، بل يجب أن يتم ذلك عن طريق رفع دعوى تعويض تكميلي أمام القضاء بشرط إثبات الضرر الزائد وإثبات أنه غير مُستوعَب في الغرامة.. مَفاد ذلك، أن غرامة التأخير في العقود الإدارية، أيا كان الإسم الذي تحمله، مَصدرها القانون والعقد، وهي جزاء إداري إتفاقي يُفرض بقرار إداري مُنفرد من جهة الإدارة، في حدود ما نص عليه العقد صراحة وما يُقرره القانون، ولا تملك الإدارة تجاوز هذا الحد بإرادتها المنفردة.
لكن، لماذا لا يجوز للجهة الإدارية فرض غرامة من تلقاء نفسها على المُتعاقد المُخالف أكبر من تلك المُحددة في العقد؟ الإجابة، للأسباب الآتية: 1) مبدأ المشروعية؛ فالجزاء المالي يجب أن يكون مُحددًا سلفًا، ومُقيدًا بنص العقد أو القانون، وتجاوزه يُعد جزاء بلا سند. 2) فرض غرامة أكبر يعني توقيع جزاءين عن واقعة واحدة وهذا مُخالف لمبدأ عدم جواز فرض عقوبتين على الفعل الواحد. 3) إختلاف إختصاص السلطة الإدارية عن السلطة القضائية؛ فالإدارة تملك توقيع الجزاء الإتفاقي فقط، أما القضاء فيملك تقدير التعويض الكامل عن الضرر الفعلي.
وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن "غرامة التأخير في العقود الإدارية تعويض إتفاقي جُزافي عن الضرر المُفترض، ولا يجوز الجَمع بينها وتعويض آخر عن الضرر ذاته إلا إذا ثبت أن الضرر قد جاوز ما افترضه المُتعاقدان عند الإتفاق على الغرامة." (طعن رقم ١٦٥٦ لسنة ٤٠ ق.ع، جلسة 27/2/1999). كذلك قضت بأنه "لا يجوز للإدارة أن تُوقّع جزاءً ماليًا غير منصوص عليه في العقد أو القانون، وإلا عُدّ ذلك مخالفة لمبدأ المشروعية." (طعن رقم ٣١٣٤ لسنة ٤٤ ق.ع، جلسة 18/5/2002).
ويثور التساؤل: هل يُمكن أن يترتب على التأخير في تنفيذ الإلتزامات العقدية، بالإضافة إلى المسئولية العقدية، مسئولية تقصيرية أيضا؟ الإجابة: نعم، إذا توافرت إحدى الحالتين الآتيتين: 1) إذا كان الضرر ناتجاً عن "فعل مُستقل عن العقد" كأن يتم خلال مدة التأخير إتلاف معدات الغير، أو الإضرار بسلامة الموقع، أو تعمد تعطيل مُوردين آخرين. هنا، غرامة التأخير تقع ضمن المسئولية العقدية، أما الضرر عن الفعل المُستقل فيقع ضمن المسئولية التقصيرية. 2) إذا كان الطرف المضرور غير أطراف العقد، كأن يؤدي التأخير إلى الإضرار بمُنتفعين أو موردين آخرين.
ويُلاحَظ أن سلطة الجهة الإدارية في فرض الغرامة ليست مُطلقة بلا قيود، بل تخضع لرقابة القضاء الإداري من جهة المشروعية والإختصاص، والسبب، والتناسب، لكن ليس على أساس إعادة تقدير الضرر. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "سلطة الإدارة في توقيع غرامة التأخير وإن كانت سلطة تقديرية، إلا أنها تخضع لرقابة القضاء للتحقق من وجود سببها، وعدم إساءة استعمالها، وتناسبها مع مدة التأخير وظروف التنفيذ وعدم وجود سبب أجنبي يعفى من فرضها." (طعن رقم ١١٦٣ لسنة ٤٦ ق.ع، جلسة 21/1/2004).
وسواء كان الشرط المُستخدم يحمل إسم "غرامة التأخير" أو "الشرط الجزائي" أو "التعويض الإتفاقي"، فإن ما يهم في صياغته تحديد ما إذا كان المَبلغ المُحدد يُمثل تعويضا جُزئيا عن الضرر المُفترض، أم تعويضا كاملا حَصريا بصرف النظر عن الضرر الزائد المُترتب على التأخير؟ وبينما يُعتبر التعويض جُزئيا في العقود الإدارية، وفق المبادئ المُستقرة قانونا وقضائيا وفقهيا، يُمكن إعتباره كاملا وحصريا إذا نص العقد صراحة على أن المبلغ المُتفق عليه "يُمثل تعويضا عادلا ومُنصفا وحَصريا عن أي ضرر يحدث نتيجة للتأخير."
ويثور التساؤل: ماذا لو أن الضرر الفِعلي الذي لحق بالجهة الإدارية كان أقل من مبلغ التعويض المُحدد في العقد، هل يجوز للمُتعاقد أن يُطالب بالفرق بين المَبلغين؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي التمييز بين حالتين: الأولى، إذا تم تكييف الغرامة على أنها تعويض إتفاقي، جاز للقاضي، وفق قواعد القانون المدني، تخفيضها إذا أثبت المدين أن الضرر أقل من المبلغ المُحدد، أو أن الالتزام نُفذ في جزء منه، أو أن التقدير كان مُبالغاً فيه. هنا، يجوز للمُتعاقد أن يطلب تخفيض الغرامة إذا أثبت عدم تناسب المبلغ مع الضرر. أما الحالة الثانية، فهي إذا كانت الغرامة جزاءً إدارياً تنظيميًا وهذا هو الاتجاه الغالب في العقود الإدارية، هنا تُعتبر غرامة التأخير أداة لضمان إنتظام المِرفق العام وتُستحق بمجرد تحقق التأخير ولا يُشترط لإعمالها إثبات حدوث ضرر فِعلي، ولا تتوقف على مقدار الضرر. ومثال ذلك، غرامة التأخير في قانون التعاقدات العامة المصري لسنة 2018 والتي تُوقع بقوة القانون، بالإضافة إلى العقد، ولا ترتبط بإثبات ضرر فعلي، وبالتالي يغلب تكييفها كجزاء إداري تنظيمي أكثر من كونها تعويضاً مدنياً. هنا، لا يجوز للمُتعاقد أن يطلب تخفيضها.
ويجب تحصين موقف الجهة الإدارية عن طريق تضمين شرط "غرامة التأخير" ما يلي "1) أن الغرامة تُستحق بمجرد حدوث التأخير دون حاجة لإثبات وقوع ضرر فِعلي. 2) تحديد مقدار الغرامة، أو معيار تقديرها، بحيث يتناسب مع مدة التأخير، أو النص على أن الطرفين حاولا تقدير قيمتها الفعلية وفق مؤشر أو معيار مُعين لكن تعذر عليهما ذلك. 3) حق الجهة الإدارية في خصم مبلغ الغرامة من أية مبالغ مُستحقة للمُتعاقد. 4) أن توقيع الغرامة لا يخل بحق الجهة الإدارية في المُطالبة قضائيا بالتعويض عن الأضرار الفِعلية التي تتجاوز مقدار الغرامة، أو بحقها في إنهاء العقد وسحب العمل والتنفيذ بواسطة الغير على حساب المُتعاقد وفق الشروط المُتفق عليها في العقد أو المُقررة قانونا. 5) حق الجهة الإدارية في المُطالبة بالتعويض المدني وفق المسئولية التقصيرية عن أي ضرر يتسبب المُتعاقد في حدوثه نتيجة لتقصيره أو إهماله خلال مدة التأخير."
.... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن موضوع "التفويض في توقيع الجزاء الإداري .. حُدوده وشروط صحته"
