فن التفاوض .. (1) التفاوض لاختيار المتعاقد
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
يُقصد بالتفاوض، عموما، أي إتصال بين طرفين، سواء كان شفويا أو كتابيا أو بوسيلة إلكترونية أو غير ذلك من الوسائل. وقد يتم خلال التفاوض تبادل الرسائل، أو تقديم مقترحات أولية، أو إعداد دراسات للجدوى، أو خطابات نوايا أو مذكرات تفاهم أو محاضر إجتماعات، أو غيرها. وتُعتبر الدعوة إلى الإشتراك في مناقصة لتنفيذ مشروع ما بمثابة دعوة إلى التفاوض.
ويُمكن اللجوء إلى التفاوض في مرحلتين رئيستين؛ الأولى، مرحلة ما قبل التعاقد بهدف إختيار المتعاقد وإبرام العقد، والثانية، مرحلة ما بعد التعاقد بهدف التغلب على أية صعوبات تعترض تنفيذ العقد وتسوية أية منازعات قد تنشأ بين الطرفين. وتبدأ مرحلة ما قبل التعاقد من لحظة أول إتصال يحدث بين الطرفين وتستمر إلى أن يتم تقديم عرض جاد وجازم ونهائي، وفيها يجري التفاوض بهدف إختيار المتعاقد صاحب أفضل عطاء فنيا وماليا والتوصل إلى إتفاق نهائي معه.
ويُستخدم أسلوب "التفاوض التنافسي" كأحد الأساليب الإستثنائية للتعاقد في الحالات نفسها التي يُستخدم فيها أسلوب "المناقصة على مرحلتين". ويُستخدم، أيضا، ضمن إجراءات أسلوب "طلب تقديم مقترحات" Request for Proposal؛ وهو الأسلوب الرئيس للتعاقد على الخدمات وفق قانون "اليونسترال" النموذجي للأمم المتحدة للتعاقدات العامة. وبموجبه تُرسل الجهة المتعاقدة "طلب تقديم مقترحات" إلى مُقدمي العطاءات المؤهلين فقط، يُبين نطاق العمل والمواصفات وشروط وأوضاع العقد المُقترح ومعايير تقييم العطاءات.
بعد ذلك، يأخذ التفاوض شكل مفاوضات منفصلة، أو متزامنة، أو متعاقبة. وفي حالة المفاوضات المنفصلة، تُجري الجهة المتعاقدة مفاوضات مع كل مُقدم عطاء مؤهل فنيا، على حدة، وتنتهي بترسية العقد على مُقدم العطاء الذي يَعرض أفضل عطاء فنيا وماليا. أما في حالة المفاوضات المتزامنة، فيجري التفاوض بحضور كل مقدمي العطاءات المؤهلين فنيا، ويجوز للجهة المتعاقدة أن تلتمس إدخال تنقيحات عليها. وبعد إنتهاء المفاوضات، تطلب الجهة المتعاقدة من كل مقدمي العطاءات الباقين في الإجراءات أن يقدموا، في موعد لا يتجاوز تاريخا معيّنا، أفضل عرض نهائي يتعلق بجميع جوانب مقترحاتهم، وتختار العرض الفائز.
وفي حالة المفاوضات المتعاقبة، تُحدد الجهة المتعاقدة حدا أدنى لجودة المقترحات وجوانبها الفنية وفق الشروط والأوضاع المُحددة، وتدعو المشارك الذي يحصل على أعلى درجة إلى مفاوضات حول سعر مقترحه، وإذا لم تنجح المفاوضات معه، تدعو المشاركين الآخرين إلى التفاوض معهم حسب ترتيب درجاتهم، إلى أن تتوصل إلى التعاقد مع أحدهم أو ترفض كل المقترحات المتبقية.
وتكمن أهم نقاط الضعف في أسلوب التفاوض التعاقدي المُستخدم في الدول العربية فيما يلي:
1- ترسية العقد على صاحب أقل سعر بغض النظر عن عوامل أخرى مثل التكلفة على مدار تنفيذ المشروع أو ملاءمة السعر التقديري للسعر الفعلي. ويؤدي ذلك عادة إلى مشكلات تتعلق بالجودة في الأعمال أو السلع أو الخدمات المتعاقد عليها.
2- إستبعاد أي عطاء غير مطابق بشكل كامل للشروط والمواصفات وعدم الأخذ بمفهوم العطاء المطابق من الناحية الجوهرية للشروط والمواصفات. وبمعنى آخر، عدم قبول العطاء الذي قد يتضمن انحرافات ثانوية غير مُهمة أو يمكن تقويمها ماليا.
3- وضع قيمة تقديرية للمشروع أقل من سعر السوق السائد أو أعلى منه. وفي الحالة الأولى، يؤدي وضع قيمة تقديرية أقل من سعر السوق إلى لجوء الجهة المتعاقدة إلى التفاوض على السعر مع مقدمي العطاءات، والتأخير في إجراءات التعاقد، وربما إلى فشل إجراءات التعاقد ناهيك عن حدوث مشكلات في تنفيذ العقد في حال إتمام التعاقد. وفي الحالة الثانية، توضع قيمة تقديرية أعلى من سعر السوق تحسبا لارتفاع أسعار المواد.
4- التطبيق الصارم للقاعدة التي تشترط ضرورة ألا يزيد سعر العطاء الفائز على "القيمة السوقية الحالية" رغم أن القيمة التقديرية تكون في حالات كثيرة أقل من القيمة الحقيقية.
5- في حالة إنسحاب مُقدم العطاء الفائز، إلزام مُقدم العطاء التالي في الترتيب بالسعر المعروض من مُقدم العطاء الفائز رغم أنه ربما يكون قد إنسحب بسبب عدم ملاءمته.
6- عدم التمييز، من جهة الأساليب المستخدمة في التعاقد، بين التعاقد على السلع والإنشاءات من جهة، والتعاقد على الخدمات. وأيضا، عدم التمييز بين الخدمات المادية المستقلة والخدمات الذهنية.
7- عدم الأخذ ببعض الأساليب الحديثة للتعاقد مثل أسلوب طلب تقديم مقترحات، سيما في حالة التعاقد على الخدمات الذهنية، والعقود الإطارية.
8- التفاوض لتخفيض السعر مع صاحب أقل عرض مالي مطابق للشروط والمواصفات إذا كان السعر المُقدم منه أعلى من أسعار السوق، أو إذا زاد على القيمة التقديرية للمشروع. وفي راينا، أن التفاوض في الحالتين لإجبار مُقدمي العروض على تقليل أسعارهم، مع وجود إحتمال تقدير القيمة التقديرية للمشروع من قبل الجهة المتعاقدة بأقل من قيمتها السوقية، سيؤدي إلى مشكلات في تنفيذ المشروع لأن المقاول الذي سيقبل تخفيض سعره سيحاول تعويض ذلك على حساب جودة العمل.
