فن التفاوض .. (2) التفاوض لحل النزاعات
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لا مفر من حدوث نزاعات في أية علاقة عقدية! ويُعرّف التفاوض لحل النزاعات بأنه أي شكل من أشكال التواصل بين أطراف لهم مصالح متعارضة بهدف التوصل إلى إتفاق لإنهاء الخلاف بينهم. ويُعرّف النزاع بأنه خلاف بين أطراف يدركون وجود خطر يُهدد مصالحهم. وينشأ النزاع، عادة، عندما يرغب طرفان في أن يفعلا أشياء لا تنسجم بعضها مع بعض. ويُمكن أن يتصاعد بطريقة مُدمرة بأن يحاول كل طرف الإضرار بالآخر، أو بطريقة بناءة بأن يشعر كل طرف بأنه قد فاز. ويصعب حَصر أسباب النزاعات في العقود لكن يُمكن التنبؤ بحدوثها.
ونحن نتفاوض في حياتنا عشرات المرات يوميا! فعندما نشتري أو نبيع نتفاوض؛ وعندما نستأجر مكانا نتفاوض؛ وعندما نتعامل مع مقاول أو مورد أو متعهد خدمات نتفاوض. وربما لا شيء نفعله دون أن نتفاوض! وعندما تنشأ مشاكل بين الطرفين، يتم اللجوء إلى المحاكم لحلها، لكن ذلك يستغرق وقتا طويلا وتكلفة كبيرة، والأهم، يخلق عداء بينهما يحول دون التعامل معا في المستقبل. ومن هنا، تبرز أهمية التفاوض كطريقة ودية لحل النزاعات. ويُمكن اللجوء إلى التفاوض كوسيلة وحيدة لحل النزاعات في الإتفاقات التي لا يترتب عليها أثر قانوني مُلزم؛ كمذكرات التفاهم، وبروتوكولات التعاون، وما يتشبه بهما، أو ضمن آليات أخرى كالوساطة والتحكيم أو التقاضي في العقود المُلزمة للطرفين.
ومن مزايا التفاوض، أنه طريقة مرنة وغير رسمية، وغالبا، طوعية وغير مُلزمة وتتم دون تدخل من طرف ثالث للتوصل إلى حلول تُلائم إحتياجات الطرفين. وفضلا عن مرونته وتحكم الطرفين في الإجراءات المتبعة فيه، يتميز التفاوض بطابع السرية والإقتصاد في التكلفة والوقت والجهد، والحفاظ على العلاقات بين الطرفين. ولأن الطرفين يتوصلان إلى الحل بالتراضي، من المرجح أن يلتزمان به دون الإعتراض عليه فيما بعد.
ومن عيوب التفاوض، أنه قد يتمتع أحد الطرفين بموقف تفاوضي أقوى من الآخر، ما يؤثر على النتيجة التي يتم التوصل إليها. ومنها، أيضا، حرية كل طرف في الإنسحاب منه دون أن يترتب على إنسحابه أي أثر قانوني طالما أنه لم تثبت مخالفته لمبدأ حسن النية وأمانة التعامل. كذلك، قد يُستخدم كطريقة للمراوغة والتسويف. وفي حالات مُعينة، ربما لا يصلح لحل الخلافات المُعقدة. ويُمكن التغلب على هذه العيوب عن طريق إبرام عقد للتفاوض يُحدد إجراءاته ومدته، وجدول الأعمال، وطريقة توزيع تكاليفه، وآلياته؛ مثلا، هل سيتم على مستوى الوفود، ام عن طريق تشكيل لجان فرعية، أم ممثل لكل طرف؟ ومن المُفيد كتابة محاضر للإجتماعات وربما توقيع عقود جزئية توثق كل ما يتم الإتفاق عليه. وقد يكون من الضروري، قبل البدء في التفاوض، توقيع إتفاق للحفاظ على سرية المعلومات التي سيتم الإطلاع عليها خلال عملية التفاوض حتى لا تُستخدم للإضرار بالطرف الذي تخصه.
ويمر التفاوض بأربعة مراحل رئيسة؛ هي: التحضير، وعَرض المواقف، والمساومة، واختتام المفاوضات. وتبدأ مرحلة التحضير بأن يتم جمع المعلومات ذات الصلة بالوقائع محل الخلاف وفحصها من جهة علاقتها بمصالح الأطراف المتنازعة وأهدافها، وفي هذه المرحلة، يُحدد كل طرف ما يأمل في تحقيقه. وتبدأ المفاوضات بأن يُحدد المفاوضون نقاط الإتفاق بينهم لاستبعادها من نطاق التفاوض، ثم يتم بوضوح تحديد نقاط الخلاف التي سيجري التفاوض حولها، ويَعرض كل طرف موقفه وحججه والأدلة التي يستند إليها. تلي ذلك مرحلة المساومة وهذه أخطر مرحلة لأنها قد تنتهي بنجاح المفاوضات أو فشلها، وفيها، يطرح كل طرف الحلول التي يراها مناسبة من وجهة نظره. وينتهي التفاوض إما بالتوصل إلى إتفاق لحل النزاع أو فشل المفاوضات. وعند تعثر المفاوضات ينبغي التدخل فورا لاتخاذ إجراء لمنع إنهيارها؛ ربما عن طريق إعلان التوصل إلى حلول لبعض نقاط الخلاف وتأجيل التفاوض حول باقي النقاط.
ولكي ينجح التفاوض، ينبغي أن يكون المتفاوض على عِلم باستراتيجيات التفاوض، ومن أبرزها إستراتيجية "التكامل وتوافق المصالح"، بدلا من إستراتيجية "الصراع وتعارض المصالح". ويُقصد باستراتيجية التكامل، تطوير العلاقة بين الطرفين إلى درجة أن يُصبح كل منهما مُكملا للآخر في كل شئ. ومثالها، أن يقوم طرف بإنتاج المواد الأولية والآخر بتصنيعها. وتُركز إستراتيجية التكامل على أن يخرج كل طرف رابحا من الإتفاق بينهما؛ وهو ما يُعرف باسم "وضع الكل رابح" win-win situation.
أما "إستراتيجية الصراع" فتركز على تعارض المصالح بين الطرفين، كما في حالة عقد البيع حيث يسعى البائع للحصول على أكبر سعر على حين يسعى المشتري لدفع أقل سعر. ومن أدواتها، سياسة الإنهاك، ومثالها، تطويل فترة التفاوض لاستنزاف جهد الطرف الآخر وأمواله، وسياسة التشتيت، ومثالها، تفتيت فريق التفاوض الآخر والموضوعات التي يجري التفاوض حولها، وسياسة الإخضاع وإحكام السيطرة، وغيرها.
ولكي ينجح التفاوض، ينبغي على المُفاوض أن يفصل نفسه عن المشكلة التي يجري التفاوض لحلها ويُركز على أسبابها والبدائل المتاحة لحلها، وعلى المصالح لا المواقف، وأن يُنصت بحرض لكل ما يقوله الطرف الآخر، وأن يتبنى معيارا موضوعيا لا ذاتيا؛ بمعنى أن ينظر إلى الموضوعات المُختلف عليها من منظور محايد، لا من منظور منحاز، وأن يُظهر الإحترام للطرف الآخر، وأن يكون مستعدا دائما لاحتمال أن يواجه سلوكا إستفزازيا أو مخادعا أو تهديدا منه، وأن يعرض بدائل ملائمة لمصلحة الطرفين بحيث ينتهي التفاوض بوضع يشعر فيه كل طرف بأنه قد فاز. وفي جميع الأحوال، يجب على المُفاوض ألا يخرج عن نطاق صلاحياته.
ومن أهم سياسات التفاوض سياسة إحداث التوتر وتقابلها سياسة الإسترخاء والتجاهل؛ وسياسة التناول المتدرج للموضوعات وتقابلها سياسة الصفقة الواحدة وبموجبها يتم تناول كل الموضوعات معا؛ وسياسة المراوغة والإلتفاف وتقابلها سياسة المواجهة الصريحة المباشرة.
وفي رأينا، أنه بصرف النظر عن الإستراتيجيات والسياسات المُستخدمة في التفاوض فإنه لا يمكن أن ينجح إلا إذا حصل كل طرف على الحد الأدنى من مصالحه، ومن ثم، يُصبح التوفيق بين المصالح أنجح الطرق للتوصل إلى إتفاق بين الطرفين. ولكي تحقق مصالحك من خلال التفاوض، حاول دائما التوصل إلى حلول وسط بحيث تعرض على الطرف الآخر شيئا ما في مقابل شيء تحصل عليه. وبدون ذلك، ربما لن تحصل على أي شيء!
