فن التفاوض (3): عشرون أسلوبا للتفاوض الفعال
محمود محمد علي صبره
استشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لا يُولد المرء مُفاوضا ماهرا بالفطرة وإنما يكتسب مهارات التفاوض من خلال التجارب والأساليب التي سبقه إليها آخرون؛ ومن أبرزها ما يلي: 1- أسلوب "كسب الثقة والإحترام المتبادل" ويُسمى أيضا "دبلوماسية الأكمام القصيرة" ويعتمد على عقد لقاءات ودية غير رسمية. وقد استُخدم هذا الأسلوب في مفاوضات كامب ديفيد في سنة 1978 بين إسرائيل ومصر برعاية الولايات المتحدة عندما أجرى المفاوضون مناقشاتهم وهم يرتدون قمصانا بأكمام قصيرة ويتنزهون في حديقة كامب ديفيد. واستخدمه حديثا الرئيس ترامب عندما رتب إستقبالا أسطوريا للرئيس بوتين في ولاية ألاسكا الأمريكية لمناقشة وضع حد للحرب في أوكرانيا
2- أسلوب "الفراشة واللهب" ويُسمى أيضا "الدب وخلية عسل النحل" و"حصان طرواده" و "وضع السم في العسل"؛ ومثاله، أن يعرض المفاوض شيئا ما على الطرف الآخر، ربما في شكل هدية ويُخفي نواياه الحقيقية. ويذكرنا ذلك بإسطورة "حصان طرواده" عندما حاصر الإغريق مدينة "طروادة" لمدة عشر سنوات دون أن يتمكنوا من دخولها، فصنعوا حصانا خشبيا ضخما أخفوا فيه جنودهم وعرضوه كهدية لإظهار رغبتهم في السلام وعندما تم السماح بدخوله خرج منه الجنود واستولو على المدينة. وحديثا، إستخدمه الرئيس "ترامب" عندما صرح بأن المبادلات التجارية بين روسيا والولايات المتحدة يُمكن أن تُستأنف إذا تم التوصل إلى إتفاق بشأن أوكرانيا.
3- أسلوب "الطيب والشرس" أو "الصقر والحمامة" وفيه يلعب عضو في فريق التفاوض دور الشرس ويتحدث بلغة عدوانية ويُمارس الضغوط والتهديد بينما يتصرف عضو آخر بطريقة تتسم بالوداعة واللطف ويُبدي تفهمه لمطالب المفاوض الآخر. ويتشبه هذا الأسلوب بأسلوب "مستر هايد ودكتور جايكل" وفيه يؤدي شخص واحد فقط الدورين معا، فيكون وديعا ولطيفا مع المفاوض الآخر ثم يدخل عليه أحد مساعديه فيتصرف معه بطريقة فظة وغليظة، وهو بذلك يُعطي رسالة غير مباشرة للمُفاوض الآخر بأنه يُمكن أن يُعامله بالطريقة نفسها.
4- أسلوب "لا تهوي بالمطرقة بل يكفي أن تظل مُمسكا بها"، وفيه يُشير المفاوض إلى الأضرار التي قد تلحق بالمفاوض الآخر لو لم يُبد المرونة اللازمة للتوصل إلى إتفاق. وقد إستخدمه الرئيس "ترامب" عندما صرّح "مدفيديف"، نائب الرئيس الروسي، بأن روسيا لديها "اليد الميتة" فرد عليه "ترامب" بتحريك غواصتين نوويتين بالقرب من الحدود الروسية.
5- أسلوب "تغيير الإتجاهات والمواقف" وفيه قد يُلاحظ المفاوض أن الطرف الآخر يرفض كل الإقتراحات التي تُعرض عليه، وأن إجاباته على كل الأسئلة التي تُوجه إليه هي: "لا..لا." هنا، يتعين عليه أن يُغير شكل السؤال مع الاحتفاظ بجوهره بحيث يُجبر الطرف الآخر على أن يُجيب "نعم..نعم."
6- أسلوب "تجزئة الموضوعات المطروحة للنقاش"، وفيه يتم تقسيم الموضوعات المُختلف عليها ثم يتم البدء بتناول تلك التي يسهل التوصل إلى حلول توفيقية فيها. ويُقابله أسلوب "الصفقة الشاملة" وفيه يتم التفاوض على كل الموضوعات محل الخلاف دُفعة واحدة.
7- أسلوب "الإخفاء والإظهار" وفيه يُخفي المفاوض معلومات مهمة لأطول فترة ممكنة وفجأة يُظهرها في الوقت المناسب لتليين مُعارضة الطرف الآخر. ويستخدمه وكلاء النيابة وضباط الشرطة في التحقيق مع المجرمين.
8- أسلوب "التهوين والتهويل" وفيه يُبالغ المُفاوض في مسألة من المسائل محل التفاوض أو يُقلل من أهميتها. ومثاله، أن يُغالي البائع في إظهار جودة بضاعته ورُخص سعرها وكثرة الطلب عليها بينما الواقع أنه يُعاني من ركودها.
9- أسلوب "التشويه والتضليل" وفيه يلجأ المُفاوض إلى إطلاق الشائعات والأخبار الكاذبة عن أوضاع تتعلق بالصفقة التي يجري التفاوض عليها بهدف تضليل المفاوض الآخر وإجباره على تقديم تنازلات.
10- أسلوب "الضغط وجس النبض" ويُستخدم للتعرف على مواقف الطرف الآخر واستعداده لتقديم تنازلات. وقد استخدمه الرئيس ترامب في لقائه بالرئيس بوتين مؤخرا عندما خصص اللقاء للاستماع فقط إلى موقف بوتين من أزمة أوكرانيا لاستطلاع رأيه وجس نبضه حول ما يمكن أن يقدمه من تنازلات.
... إنتظرونا في المقال القادم "عشرة (10) أساليب أخرى للتفاوض الفعال"..
