قانون شجرة الكريسماس .." قانون زبالة"!
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
يُفترض أن يُوضع مشروع القانون لتناول وضع مُعيّن تنشأ الحاجة لتنظيمه بتشريع، لكن كثيرا ما يُحدّد موضوعه بشكل واسع بحيث يسمح بإدخال أحكام متفرقة فيه، أو يتدخل المُشرعون في أثناء مناقشته في البرلمان لإدراج أحكام فيه ليست على صلة مباشرة به، وتكون النتيجة أن يُصبح المشروع مثل شجرة الكريسماس المُزينة بورود مختلفة الألوان والأنواع، ولذلك، يُسمى "مشروع قانون شجرة الكريسماس"!! وغالبا، يتم تمرير مثل هذه المشروعات بشكل مُتسرع في الجلسة الأخيرة للفصل التشريعي قبل بدء العُطلة البرلمانية، ويكون الغرض منه أن يُوفر تمويلا لمشروعات معينة أو يمنح مزايا أو إعفاءات ضريبية لصالح فئات معينة.
وقد نشأ هذا المصطلح في الولايات المتحدة في فترة الخمسينيات من القرن الفائت وأصبح جزءا من المصطلحات السياسية. وفي سنة 1956، نشرت مجلة "تايم" الأمريكية مقالا بعنوان "مشروع قانون شجرة الكريسماس" Christmas Tree Bill كان معروضا على الكونجرس، يُفترض، أصلا، أن يتضمن تنظيما شاملا للمزارع، لكن أضيف إليه أكثر من مائة تعديل! ونقلت المجلة عن "كلنتون أندرسون"، عضو مجلس الشيوخ، قوله "إن هذا المشروع يُشبه إلى حد كبير شجرة الكريسماس، فهو يحتوي تقريبا على كل شيء يحتاجه كل شخص!" وفي فترة الثمانينات من القرن الفائت، تم التوسع في مثل هذه القوانين، وبعد أن كانت تقتصر على التعديلات الضريبية، إمتدت لتشمل تحقيق مصالح خاصة في مشروعات القوانين الضخمة حتى لا تلفت إنتباه الناس إليها.
ويُعرَض المشروع، أولا، على "مجلس النواب" مُتضمنا أحكاما تتعلق بغرض واحد فقط ويوافق عليه المجلس، ثم يتم تمريره إلى "مجلس الشيوخ". وعلى عكس مجلس النواب، الذي يلتزم "بقاعدة الموضوع الواحد"، أو ما يُعرف باسم "قاعدة الصلة الوثيقة"؛ ومؤداها أنه ينبغي على المجلس ألا ينظر في مشروع قانون يتناول أكثر من موضوع في الوقت نفسه، لا يلتزم مجلس الشيوخ بهذه القاعدة، ويُضيف الأعضاء إليه تعديلات لا تمت بأية صلة إلى موضوعه.
وعادة، ينشأ "مشروع قانون شجرة الكريسماس" عندما يصعب تمرير مشروع القانون الأصلي إعتمادا فقط على موضوعه الرئيس ربما بسبب طبيعته التي لا تحظى بتأييد عدد كبير من الأعضاء أو بسبب الجدل الذي يثور حوله. ومن خلال إدخال تعديلات مُتفرقة عليه، يُمكن الحصول على تأييد مختلف جماعات المصالح، ما يؤدي إلى تسهيل تمريره في البرلمان. وعادة، تقدم التعديلات مزايا ضريبية أو معاملة تجارية مُميَزة.
وتُوجّه إنتقادات كثيرة إلى هذا النوع من مشروعات القوانين، ويوصف أحيانا بأنه "مشروع زباله" garbage bill! وفي عام 1983، عندما كان الكونجرس يناقش مشروع قانون "التصحيحات الفنية للنقل السطحي"- الذي كان يهدف إلى تصحيح الصياغات الخاطئة الواردة في قوانين النقل- أدخل كلا الحزبين تعديلات كثيرة تضمنت تخصيص ملايين الدولارات لصناعة النقل. وفي المرحلة الأخيرة لعرضه على مجلس الشيوخ إنتقد "بوب باكوود"، عضو مجلس الشيوخ، المشروع وأعرب عن غضبه الشديد، وكانت النتيجة أن مات المشروع تحت وطأة كل الهديا التي تضمن تقديمها إلى صناعة النقل!
وفي سنة 1995، تعثرت موازنة العاصمة واشنطن في الكونجرس لعدة شهور، الأمر الذي هدد بقطع كل الخدمات المُقدمة للمدينة وذلك بسبب إضافة عدد من التعديلات إلى مشروع قانون الإنفاق الحكومي كانت مُخصصة لإنشاء متحف أمريكي-أفريقي في مول في واشنطن، وتخصيص أموال إلى "هاييتي"، وتناول أمور تتعلق بالإحتيال في مجال الرعاية الصحية. وفي الجلسة المشتركة لكل من مجلسي النواب والشيوخ، حُذفت هذه التعديلات من المشروع وتم إقراره قبل ساعات من بداية السنة المالية!
وفي بريطانيا، إنتقد اللورد "روي ماسون" مشروع قانون "النفط في المياه المُستخدمة في النقل" ووصفه بأنه يُشبه "مشروع قانون شجرة الكريسماس" بسبب كثرة التعديلات التي أدخلت عليه وجعلته أشبه بقانون جديد مختلف عن ذلك الذي تم وضعه أساسا. وأضاف قائلا "خلال المناقشات المُطوّلة التي جرت حول المشروع، يبدو أنه قد أضيفت إليه كل أنواع التعديلات كما تضاف كل أنواع الورود إلى شجرة الكريسماس!"
وفي رأينا، أن السبب في ظهور هذا النوع من مشروعات القوانين المُشوّهة لا يكمن في إدخال التعديلات عليه في حد ذاتها، فمهما كان مشروع القانون دقيقا، فإنه مُعرّض لإدخال تعديلات عليه خلال مناقشته في كل المراحل التي يمر بها منذ إقتراحه ومرورا بوضعه ومناقشته في البرلمان حتى إقراره وإصداره، بل ويستمر تعديل القانون حتى بعد دخوله حيز التنفيذ. ومن الحقائق الصادمة أنه قلما يوجد قانون لا يتعرض للتعديل! لكن، المشكلة تحدث بسبب عدم صلة التعديلات التي يتم إدخالها بموضوعه. والحل بسيط؛ وهو إلزام البرلمان بمراعاة قاعدة "الموضوع الواحد"، أو "الصلة الوثيقة"،عند إدخال أية تعديلات على المشروع الذي تتم مناقشته؛ وبموجبها يجب ألا يُسمح بأي تعديل يخرج عن مضمونه ولا يمت له بأية صلة.
