مغالطة "الرنجة الحمراء" وما يشبهها من أسباب الطعن في الأحكام
الاستشاري/ محمود محمد علي صبره
الخبير الدولي في الصياغة التشريعية والكتابة القانونية
سُئل سياسي مخضرم عن مشكلة ارتفاع الأسعار، فأجاب بأن "المشكلة الحقيقية ليست في ارتفاع الأسعار بل في الأخطار الخارجية التي تهدد البلاد." وبمرور الوقت أصبح الجمهور يسأله عن الأخطار الخارجية بدلًا من ارتفاع الأسعار! وما فعله السياسي المُخُضرم يُعرف الآن باسم "مُغالطة الرنجة الحمراء" red herring fallacy؛ ويُقصد بها تحويل مسار النقاش من الموضوع الأصلي إلى موضوعات أخرى جانبية لتشتيت الانتباه.
لكن أصل هذا المصطلح لم ينشأ في مجال السياسة أو الفلسفة أو القانون، بل في مجال الصيد وتتبع الأثر. ويُحكى أن بعض الصيادين كانوا يستخدمون الرنجة الحمراء المُدخنة ذات الرائحة النفاذة لتدريب كلاب الصيد على تتبع أثر الطريدة عن طريق سحب السمكة على الأرض عبر مسار مختلف عن المسار الأصلي للطريدة لتشتيت انتباهها، فتنجذب الكلاب إلى رائحتها تاركة أثر الطريدة. ويُقال أن أول من استخدمه هو الصحفي وعضو البرلمان البريطاني "وليام كوبيت" سنة 1807 في مقال حكى فيه أنه عندما كان صغيرًا كان يستخدم رنجة مدخنة قوية الرائحة لإبعاد كلاب الصيد عن أثر أرنب كان يربيه في منزله. ثم استُخدم هذا المصطلح لوصف الكُتّاب الذين يحاولون تشتيت انتباه الجمهور عن القضايا الحقيقية.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح المصطلح يُستخدم مجازيًا في السياسة والجدل والقانون بمعنى جذب الانتباه إلى أثر زائف أو موضوع جانبي لصرفه عن الموضوع الأصلي. وعمليا، يُقصد "بمغالطة الرنجة الحمراء" تحويل مسار النقاش من الموضوع الأصلي محل البحث إلى موضوع آخر لتشتيت الانتباه عن المسألة الأصلية وتجنب مناقشتها. ومثال ذلك، في المناقشات الخاصة، عندما يكون السؤال: "لماذا تأخرت؟" فيكون الرد: "أنت نفسك تتأخر أحيانا". ومثال ثان، سأل صحفي وزيرًا: "ارتفعت البطالة هذا العام بنسبة كبيرة، فما أسباب ذلك؟" فأجاب الوزير: "لا ينبغي أن ننسى أن بلادنا حققت إنجازًا تاريخيًا في البنية التحتية." صفق بعض الحضور، لكن الصحفي أعاد السؤال: "هذا إنجاز مهم، لكن سؤالي كان عن أسباب البطالة؟ ومثال ثالث، في جلسة برلمانية سأل أحد النواب مسئولا حكوميا: "هناك تقارير عن مخالفات مالية في مشروع...". أجاب المسؤول: "لقد قضيت ثلاثين عامًا في خدمة الوطن ولم تُسجل ضدي أية مخالفة." السؤال، هنا، يتعلق بوجود مخالفات في المشروع، لا بالتاريخ الشخصي للمسؤول.
وفي المجال القضائي، أصبحت هذه المغالطة تُستخدم لإثارة وقائع أو أمور أو دفوع لا صلة لها بالنزاع المطروح على المحكمة ولا تأثير لها في النتيجة التي ينتهي إليها الحُكم لتشتيت الانتباه عن المسألة القانونية الحاسمة التي يتوقف عليها. ولا يُشترط لاستخدامها توافر سوء النية؛ فقد يقع المحامي أو القاضي فيها دون قصد عندما ينشغل بأمور ثانوية ويغفل المسألة القانونية الحاسمة.
وبشكل عام، لا تستعمل المحاكم العربية هذا المصطلح "حرفيًا" كمصطلح قضائي، لكن تظهر الفكرة تحت أوصاف قضائية أخرى مثل الالتفات إلى أمور لا صلة لها بالنزاع، أو عدم مواجهة الدفاع الجوهري، أو الفساد في الاستدلال، أو القصور في التسبيب، أو الإخلال بحق الدفاع أو الاستناد إلى أسباب غير مُنتجة في الدعوى، أو الانحراف عن المسألة القانونية محل النزاع.
وتأخذ صورا عدة، منها ما يلي: 1) الرد على دفوع غير جوهرية مع إغفال الدفاع الجوهري. 2) إقامة الحكم على اعتبارات أخلاقية أو اجتماعية أو إدارية لا علاقة لها بالتكييف القانوني الصحيح. 3) الاستناد إلى وقائع صحيحة لكنها غير منتجة قانونا. 4) إستغراق الحُكم في مناقشة مسائل فرعية مع إهمال العنصر الحاسم في النزاع.
وقد تُستخدم في مجال المنازعات العقدية أو المرافعات أو تسبيب الأحكام. ومن صورها، في مجال المنازعات العقدية، أن تكون المسألة الأصلية هي: هل تأخر المقاول بسبب خطئه أم بسبب تأخر الجهة الإدارية في تسليم الموقع؟ فيدفع المقاول بأنه سبق له أن نفذ مشروعات ناجحة وله خبرة طويلة. ويتمثل الخطأ المنطقي، هنا، في أن خبرة المقاول لا تجيب عن سبب التأخير في المشروع محل النزاع. ومثال ثان، قد يدفع المُتعاقد بأن قرارًا سياديًا جعل تنفيذ العقد مستحيلاً. فترد جهة الإدارة بأن الشركة كانت تعلم بالمخاطر، وبأن لديها خبرة كبيرة في التعامل مع هذه المواقف، بينما السؤال الحقيقي هو: هل القرار الإداري أو السيادي أدى إلى استحالة التنفيذ أو تعطيله بصورة جوهرية، أم لا؟
وتظهر هذه المغالطة بكثرة في المجال التأديبي. فقد تكون المسألة الأصلية هي ما إذا كان الموظف قد ارتكب المخالفة المنسوبة إليه، أم لا؟ فتتمسك جهة الإدارة بأن الموظف كثير الشكاوى ودائم الاعتراض على رؤسائه. الخطأ المنطقي، هنا، هو أن كثرة الشكاوى لا تثبت ارتكابه المخالفة محل التحقيق. ومثال ثان، قد يدفع الموظف بأن الجزاء التأديبي صَدَر انتقامًا منه بعد تقديمه شكوى ضد رئيسه، فترد الإدارة بأن الموظف قليل الكفاءة، وإنتاجيته منخفضة، ومشاكله كثيرة وعلاقاته سيئة مع زملائه، في حين أن المسألة محل البحث هنا هي: هل هناك علاقة سببية بين الشكوى والجزاء؟ أما الحديث عن ضعف أداء الموظف في سنوات سابقة، أو كثرة شكاواه، أو سوء علاقته بزملائه، فيُعد بمثابة "رنجة حمراء" لتشتيت الانتباه عن سبب القرار الحقيقي.
وفي مجال تسبيب الأحكام، قد يقع القاضي نفسه في هذه المغالطة عندما يخصص معظم أسباب الحكم لوقائع أو اعتبارات لا تؤثر في النتيجة القانونية. عندئذ، يكون حُكمه مشوبا بعيب الفساد في الاستدلال عندما لا تؤدي المقدمات، ولو كانت صحيحة، إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم، أو بالقصور في التسبيب لعدم بيان الأسباب الكافية للحكم؛ أو بالإخلال بحق الدفاع لعدم الرد على دفاع جوهري، أو بالمسخ والتحريف لتشويه مضمون مستند أو دليل مؤثر في النتيجة التي يتم التوصل إليها. ومثال ذلك، أن يدفع المدعي ببطلان قرار إداري لصدوره من غير مختص. لكن الحكم يناقش مطولاً كفاءة الجهة الإدارية وأهمية المشروع. فيرفض القاضي الدعوى دون معالجة مسألة الاختصاص. هنا يمكن الدفع بأن الحكم أغفل مواجهة الدفاع الجوهري، وشابه القصور في التسبيب، وانطوى على فساد في الاستدلال.
وباختصار، إذا اعتمدت المحكمة أو الخصوم على هذا النمط من الجدل وأثر ذلك في نتيجة الحكم، كان معيبا بالفساد في الاستدلال، أو القصور في التسبيب، أو الإخلال بحق الدفاع، أو المسخ والتحريف. ويتحقق الفساد في الاستدلال عندما تكون النتيجة التي انتهى إليها الحكم غير مستخلصة استخلاصًا سائغًا من المقدمات التي أقام عليها قضاءه. ومن ثم فإذا انصرف الحكم إلى وقائع لا صلة لها بالنزاع ثم استخلص منها النتيجة القانونية، فإن الاستدلال يكون فاسدًا. فالفساد هنا لا يكمن فقط في النتيجة، وإنما في اختيار مقدمات غير مؤدية للنتيجة التي تم التوصل إليها.
وقد استقرت محكمة النقض على أن "إغفال الحكم بحث دفاع أبداه الخصم يترتب عليه بُطلان الحكم إذا كان دفاعًا جوهريًا ومؤثرًا في النتيجة التي انتهى إليها." (طعن رقم 722 لسنة 57 ق.، جلسة 21/1/1988). وأكدت المحكمة أن "كل طلب أو وجه دفاع يُدلى به لدى محكمة الموضوع ويُطلب إليها بطريق الجزم أن تفصل فيه ويكون الفصل فيه مما يجوز أن يترتب عليه تغيير وجه الرأي في الدعوى يجب على المحكمة أن تجيب عليه بأسباب خاصة .. وإن إغفال ذلك يعيب الحُكم بالقصور." (طعن رقم 1419 لسنة 52 ق.، جلسة 28/1/1988). كذلك، قضت بأنه "لا يجوز للمحكمة أن تعرض عن دفاع جوهري أو مستندات مؤثرة دون تمحيصها والرد عليها." (طعن رقم 1722 لسنة 54 ق.، جلسة 20/7/1992).
وفي مجال المنازعات الإدارية، تمثل مغالطة "الرنجة الحمراء" خطرًا خاصًا لأنها قد تؤدي إلى حجب العيب الحقيقي في القرار الإداري أو العقد أو الجزاء التأديبي. ولهذا يقتضي التطبيق الصحيح لمبادئ القضاء الإداري التركيز على الوقائع المنتجة والأسباب القانونية المؤثرة، وعدم السماح بالانشغال باعتبارات جانبية لا صلة لها بالمسألة محل النظر. ومن صورها: الخلط بين كفاءة الموظف وثبوت المخالفة التأديبية، أو بين نجاح المشروع ومشروعية إجراءات التعاقد، أو بين المصلحة العامة وصحة القرار الإداري، أو بين تاريخ تعامل المتعاقد وسلوك الجهة الإدارية في العقد محل النزاع، أو بين جسامة المخالفة وصحة إجراءات التحقيق.
وقد استقر قضاء المحكمة الإدارية العليا في مصر على عدة مبادئ تتصل بمغالطة "الرنجة الحمراء"؛ منها ما يلي:
1) وجوب ثبوت المُخالفة ثبوتا يقينيا، وعدم جواز الاستناد إلى السمعة الوظيفية أو الخلافات الشخصية لإثباتها، واستقلال كل مخالفة عن غيرها.
2) ضرورة استناد القرار الإداري على سبب صحيح مُستخلص من الأوراق. فإذا استند إلى اعتبارات لا تؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها كان فاقدًا لسببه. ومن المبادئ المستقرة في هذا السياق أن صحة الوقائع وحدها لا تكفي، بل يجب أن تؤدي قانونًا ومنطقيًا إلى النتيجة التي انتهى إليها القرار أو الحكم. فإذا انقطعت الصلة المنطقية بين المقدمات والنتيجة كان القرار أو الحكم معيبًا في استدلاله. وينبغي التفرقة بين السبب المُعلن والسبب الحقيقي، وكشف الدوافع غير المشروعة للقرار الإداري.
3) وجوب مواجهة الدفوع الجوهرية. فإذا أغفل الحكم أو القرار بحث الدفع المنتج كان مشوبًا بالقصور.
4) ضرورة وجود رابطة منطقية بين الوقائع والنتيجة. فلا يكفي وجود وقائع صحيحة، بل يجب أن تكون مُنتجة لأثرها القانوني وإلا كان الحُكم مشوبا بعيب الفساد في الاستدلال.
5) عدم الانحراف بالسلطة.
ولمواجهة هذا النوع من المغالطات أمام المحاكم، يُمكن للمحامي أن يدفع بأن "ما أثاره الخصم لا يتصل بعناصر النزاع المطروحة، إذ إن المسألة الجوهرية التي يتوقف عليها الفصل في الدعوى هي (...). أما ما ساقه من وقائع بشأن (...) فلا يؤثر قانونًا في تكييف النزاع أو النتيجة المترتبة عليه. ومن ثم، فإن الخصم "يحاول تحويل النقاش من السؤال القانوني الحاسم إلى مسائل جانبية لا تنتج أثرًا في الدعوى، وهو ما لا يصلح ردًا على الدفع المبدى."
وفي رأينا، أن مغالطة "الرنجة الحمراء" ليست مجرد خطأ منطقي نظري، بل تمثل خطرًا عمليًا في المرافعات والأحكام القضائية عندما تصرف انتباه المحكمة إلى مسائل جانبية بدلا من المسألة القانونية الحاسمة. ولذلك، من المبادئ القضائية المستقرة إلزام المحاكم بمواجهة الدفوع الجوهرية وعدم الانسياق وراء الأسباب غير المنتجة قانونا ضمانًا لصحة الاستدلال وسلامة التسبيب.
.... تابعونا الخميس القادم في مقالنا عن "العوار التشريعي .. وحدود سلطة القاضي في مواجهته."
