مفهوم الأمن القانوني ودور الصياغة التشريعية في تعزيزه
الاستشاري/ محمود صبره
الخبير الدولي في الصياغة التشريعية والكتابة القانونية
لم تعد جودة التشريعات الحديثة تقتصر على مدى تحقيقها للسياسة العامة للدولة فحسب، بل أصبحت تُقاس أيضًا بمدى قدرتها على تحقيق "الأمن القانوني" بوصفه من أهم متطلبات دولة القانون. ويُقصد به أن تكون القواعد القانونية واضحة، ومستقرة نسبياً، ومتاحة، ويمكن فهمها بسهولة، بحيث يستطيع المخاطبون بها معرفة حقوقهم والتزاماتهم، وتوقّع الآثار القانونية المترتبة على تصرفاتهم، وترتيب أوضاعهم على أساسها، دون أن يتفاجأوا بتغييرات تشريعية أو إدارية مُباغتة أو بتفسيرات متناقضة لا يمكن توقعها.
ويرتكز مبدأ "الأمن القانوني" على أربعة عناصر رئيسة؛ هي: 1) وضوح القاعدة القانونية. 2) استقرارها. 3) إمكانية توقع تطبيقها. 4) حماية الثقة المشروعة (أو التوقعات المشروعة)؛ ومؤداها أن الفرد الذي تعامل مع الإدارة اعتمادًا على قواعد مستقرة، أو سلوك إداري ثابت، أو تعهدات واضحة صادرة عنها، تتولد لديه توقعات جدية ومشروعة باستمرار ذلك الوضع، ومن ثم، لا يجوز لها أن تفاجئه بتغيير غير متوقع يُهدر تلك التوقعات إلا لمصلحة عامة معتبرة وبضمانات مناسبة.
وقد مر مبدأ الأمن القانوني بمراحل تاريخية متعددة حتى أصبح اليوم من المبادئ الراسخة لدولة القانون. وتُعد ألمانيا الموطن الحقيقي لنظرية "الأمن أو اليقين القانوني". وفي بريطانيا، كانت قضية R. v. North and East Devon Health Authority محطة بارزة في تطور مبدأ "التوقع المشروع"، وتخلص وقائعها في أن السلطة الصحية وعدت مريضة مُقعدة بأن تسمح لها بالإقامة مدى الحياة في منشأة طبية معينة، ثم قررت لاحقا إغلاقها لتخفيض التكاليف. وعند نظر الدعوى أمام محكمة الاستئناف في سنة 1999، قررت أن السلطة الصحية لا يمكنها الإخلال بوعد صريح أنشأ لدى المريضة توقعا مشروعا، وأن إحباط هذا التوقع يُعد من قبيل إساءة استعمال السلطة.
ولم يكن مجلس الدولة الفرنسي يعترف بالمبدأ صراحة في البداية، لكنه اعترف تدريجياً بمبادئ متفرعة عنه، مثل: استقرار الأوضاع القانونية، وحماية الحقوق المكتسبة، وعدم رجعية القرارات الإدارية، والثقة المشروعة. وفي 24 مارس سنة 2006، أصدر مجلس الدولة الفرنسي حكمه الشهير رقم 288460 في قضية Société KPMG et autres، وقرر لأول مرة صراحة أن على الإدارة، عند تغيير اللوائح، أن تتخذ عند الاقتضاء تدابير انتقالية حتى لا تفاجئ المخاطبين بالقانون. ويُعد هذا الحكم نقطة تحول رئيسة في القضاء الإداري الفرنسي.
وفي مصر، اتجه القضاء الإداري في أحكام حديثة إلى توظيف مفاهيم الأمن القانوني والثقة المشروعة واستقرار المراكز القانونية في منازعات الوظيفة العامة والقرارات الإدارية والتعاقدات العامة. وفي حكم حديث، قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه "لا يسوغ لجهة الإدارة أن تظل ما يناهز عقدين من الزمان تبحث عن الصواب والخطأ فيما أجرته من تسوية مالية، ثم تباغت الموظف بقرارها بسحبها، لما في ذلك من إخلال جسيم بالمراكز القانونية والحقوق المكتسبة، وخلل بمبدأ الأمن القانوني والثقة المشروعة كأحد ركائز الأمن القضائي والحقوق الأساسية للإنسان." (طعن رقم 16842 لسنة 70 ق، جلسة 16/1/2025).
ويرتكز مفهوم "الأمن القانوني" على عدد من المبادئ الدستورية من أبرزها ما يلي: 1) عدم رجعية القوانين. فالأصل أن يحكم القانون الوقائع اللاحقة لنفاذه وليس السابقة له، بما يحول دون مفاجأة الأفراد بتغيير الآثار القانونية لأفعال تمت في ظل قانون سابق. 2) الاستقرار النسبي للتشريع؛ إذ من شأن كثرة التعديلات، وخصوصا المفاجئة، أن تجعل النظام القانوني غير مستقر وتضعف الثقة فيه. 3) حماية المراكز القانونية والحقوق المكتسبة. فلا ينبغي المساس بالمراكز القانونية التي استقرت بصورة مشروعة إلا وفق ضوابط تبرر ذلك. 4) حماية الثقة والتوقعات المشروعة للمخاطبين بالقانون. فإذا أنشأ القانون أو سلوك الإدارة توقعاً مشروعاً لدى الأفراد، فإن مقتضيات الأمن القانوني تستوجب مراعاة هذه الثقة عند تغيير القواعد أو السياسات المعمول بها. 5) احترام حُجية الأحكام القضائية.
وتُعد الصياغة التشريعية من أهم الأدوات الفنية لتحقيق الأمن القانوني؛ فكلما كانت النصوص مصاغة وفق أصول فنية رصينة، زادت قدرة المخاطبين بها على الامتثال لها، وقلت احتمالات التضارب في تفسيرها أو إساءة استعمال السلطة التقديرية الممنوحة بموجبها. ومن ثم، يمكن القول بأن "الأمن القانوني هو ثمرة الصياغة التشريعية الجيدة". ولا تُقاس جودة التشريع بمضمون التدابير التي يتضمنها فحسب، بل بانضباط صياغته وبقدرته على جعل المُخاطب به يعرف مقدماً حقوقه والتزاماته.
ومن منظور الصياغة التشريعية، يفرض مبدأ الأمن القانوني على المُشرّع الالتزام بعدة ضوابط، منها: 1) صياغة النصوص بشكل واضح ودقيق بحيث لا تكون غامضة أو متناقضة على نحو يجعل المخاطب بها عاجزاً عن معرفة الحكم القانوني. 2) إتاحة الوصول إلى القانون. فلا يكفي وجود القاعدة القانونية، بل يجب نشرها وإتاحتها للمخاطبين بها على نحو يمكّنهم من العلم بها. 3) صياغة النص التشريعي بحيث يمكن توقع النتائج القانونية المترتبة عليه. 4) تعريف المصطلحات الفنية تعريفا جامعا مانعا. 5) الحد من الإحالات التشريعية المرهقة. 6) مراعاة القواعد الضابطة لتطبيق النص التشريعي بأثر رجعي. 7) النص على أحكام انتقالية عند تغيير القواعد التي تمس أوضاعا قائمة. 8) مراعاة الحقوق المكتسبة والثقة المشروعة عند إدخال إصلاحات تشريعية. 9) احترام المواعيد والمدد القانونية. 10) التناسب عند المساس بالمراكز القانونية.
وفي مجال الوظيفة العامة، ينبغي أن يطمئن الموظف العام إلى استقرار مركزه القانوني وعدم جواز تعريضه لتقلبات أو مفاجآت إدارية غير مبررة، بما يحمي حقوقه الوظيفية والمالية التي استقرت بصورة مشروعة. ومن تطبيقات ذلك، أنه لا يجوز للإدارة بعد مضي فترة طويلة من الزمن سحب قراراتها الإدارية أو إلغائها لتصحيح خطأ ارتكبته من جانبها. ومن أمثلة ذلك، أن تلغي الإدارة قرار تعيين بعد أن استمر الموظف سنوات طويلة في الخدمة، أو تلغي بعد مضي مدة طويلة نتيجة لأخطاء من جانبها قرارات للتسوية الوظيفية أو للترقية أو لاسترداد مرتبات أو بدلات حصل عليها الموظف حسن النية.
ويمكن للصياغة التشريعية الجيدة أن تعزز تطبيق مبدأ الأمن القانوني في مجال الوظيفة العامة عن طريق ما يلي: 1) تحديد المواعيد التي يجوز خلالها سحب القرارات الإدارية. 2) توضيح نطاق الحقوق المكتسبة. 3) تقرير الحماية المناسبة للموظف حسن النية. 4) عدم ترتيب أثر رجعي للقرارات الإدارية إلا إذا أجاز القانون ذلك صراحة أو كان ذلك لمصلحة المخاطب بالقرار. 5) إلزام الإدارة بتسبيب القرارات التي تمس المراكز القانونية متى اقتضى القانون ذلك. 6) تقرير ضمانات إجرائية قبل المساس بمركز الموظف القانوني. 7) مراعاة الأوضاع القائمة عند تعديل اللوائح التنظيمية. 8) النص على تدابير أو مدد انتقالية عند تعديل التشريعات القائمة.
ومن المبادئ المستقرة في قضاء المحكمة الإدارية العليا في مصر ما يلي: 1) أن القرار الإداري الفردي المخالف للقانون يتحصن، كأصل عام، إذا انقضى الميعاد المقرر لسحبه أو الطعن عليه. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه "إذا انقضى ميعاد السحب والطعن، اكتسب القرار حصانة تمنع الإدارة والقضاء من المساس به، إلا إذا كان القرار منعدمًا أو قائمًا على غش أو اعتداء جسيم على النظام العام أو خطأ إداري فاحش." (طعن رقم 1123 لسنة 35 ق.، جلسة 29/3/1992). 2) أن الحقوق التي اكتسبها الأفراد بحسن نية لا يجوز إهدارها لمجرد اكتشاف الإدارة لاحقًا أنها أخطأت في تطبيق القانون. 3) أنه لا يجوز للإدارة أن تتخذ من تصحيح أخطائها ذريعة لزعزعة الأوضاع القانونية التي استقرت سنوات طويلة.
وفي مجال المساءلة التأديبية، لا تقتصر الصياغة التشريعية الجيدة على تحديد المخالفات والجزاءات فحسب، بل تمتد إلى ضبط ممارسات السلطة التأديبية بما يجعل من الممكن توقع حدوثها وخضوعها للرقابة القضائية. ويتحقق الأمن القانوني التأديبي عندما يستطيع المخاطب بالقاعدة القانونية، بدرجة معقولة من اليقين، أن يعرف الواجبات والمحظورات التي تحكم سلوكه، ويتوقع الجزاءات التأديبية التي قد تترتب على الإخلال بها، ويطمئن إلى أن مساءلته لن تتم إلا وفق قواعد سابقة واضحة ومستقرة وإجراءات عادلة.
وتبرز أهمية تحقيق الأمن القانوني عندما يستخدم المشرع عبارات شديدة الاتساع في تحديد المخالفات بسبب استحالة حصر جميع صورها. ومثال ذلك أن يتضمن النص المحدد للمخالفات عبارات مثل: "كل سلوك لا يتفق وكرامة الوظيفة" أو "كل تصرف من شأنه الإضرار بمصلحة العمل" لأن ذلك قد يوسع السلطة التقديرية للإدارة إلى حد قد يصعب معه توقع ما يعتبر مخالفة. وبدلا من ذلك، يمكن استخدام عبارات مثل: "كل سلوك يشكل إخلالاً بواجب وظيفي مقرر بموجب القانون أو اللوائح"، وبذلك، تتحقق مرونة النص دون التضحية بقدر معقول من اليقين القانوني.
وفي مجال التعاقدات العامة، يمكن للصياغة التشريعية أن تعزز الأمن القانوني عن طريق النص على ما يلي: 1) ضرورة أن تكون شروط المنافسة واضحة. 2) أن يتم إعلان معايير التقييم مسبقًا وأن تكون غير قابلة للتغيير في أثناء المنافسة إلا وفق إجراءات معلنة. 3) وضوح معايير التأهيل، ومن ثم، لا يجوز استبعاد أحد المتنافسين استنادًا إلى معايير لم ترد في وثائق الطرح. 4) استقرار قرار الترسية؛ فإذا صدر القرار لا يجوز للإدارة الرجوع فيه إلا وفق الأوضاع والإجراءات التي ينص عليها القانون. 5) تقييد سلطة الإدارة في تعديل العقد بضوابط معقولة. 6) تحديد الجزاءات الإدارية فلا يجوز توقيع جزاء بغير سند قانوني أو تعاقدي. 7) تحديد غرامات التأخير وأسس احتسابها بحيث تكون محددة ومعروفة سلفًا ويمكن توقعها.
وفي رأينا، أن الصياغة التشريعية الجيدة لا تصنع قاعدة قانونية جيدة فحسب، بل تُعزز الثقة في القانون كله. وأن الأمن القانوني يبدأ من وضوح النص؛ فحيث يضطرب اللفظ، يضطرب المقصود به، وحيث يستقر المعنى، تستقر المراكز القانونية. فلا أمن قانوني مع نص غامض، ولا توقع مشروع مع ممارسات متقلبة، ولا استقرار للمراكز القانونية مع تشريع مُباغت. وكل غموض يتركه المُشرّع في النص يفتح باباً للاختلاف في التطبيق، وكل اختلاف غير منضبط ينتقص من الأمن القانوني. وحين تكون القاعدة واضحة، ومحددة، ومتاحة، ومستقرة نسبيا، وقابلة للتوقع، يصبح القانون أداةً للأمن والثقة؛ وحين تكون غامضة ومتقلبة ومُباغته، يصبح مصدراً لعدم اليقين.
.... أستأذن القارئ الكريم في أخذ إجازة حتى الخميس الأول من شهر أكتوبر القادم.
