نظرية "العدالة العقدية" والتمييز بينها و "مبدأ سلطان الإرادة"
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لنفرض أن جهة عامة دخلت في عقد مقاولة إنشاءات مع مقاول ونص العقد على فرض غرامة تأخير مُبالغ فيها عليه في حال تأخره في التنفيذ، فهل يجوز للمقاول أن يُطالب بإلغائها أو تخفيضها لعدم حدوث ضرر للجهة؟ وهل يجوز للقاضي الاستجابة لطلبه رغم اتفاق الطرفين على ما تضمنه العقد؟ وما حدود سُلطته في تعديل العقد؟
الأصل، أن إرادة الفرد الحُرة هي أساس الالتزام القانوني، وأن العقد شريعة المتعاقدين، ويلتزم كلاهما بتنفيذ ما اتفقا عليه، ويُطلق على هذه القاعدة إسم "مبدأ سُلطان الإرادة". ويُفترض، وفقا لهذا المبدأ، أن دور القاضي محدود ولا يجوز له أن يُعدّل ما اتفق عليه الطرفان إلا في حدود ما يقرره القانون. أما بموجب نظرية "العدالة العقدية"، فالعقد يخضع لمبادئ قانونية تُلزم القاضي بالتدخل لتحقيق العدالة بين الطرفين إذا أدى التمسك الحَرفي بنصوصه إلى اختلال التوازن بينهما أو حدوث استغلال أو تعسف في استعمال الحق، حتى لو كان العقد صحيحًا شكلاً وقانونًا. وبمعنى أدق، تقوم النظرية على فكرة أنه لا يكفي أن يكون العقد صحيحا شكلا وقانونا بل يجب أيضا أن يُحقق توازنًا عادلًا بين طرفيه.
وتُثار أسئلة عدة حول هذه النظرية؛ منها: هل تُعد، في حد ذاتها، مَصدرا مُباشرا للإلتزام؟ وما أوجه الاختلاف بينها ومبدأ "سُلطان الإرادة"؟ وما الحالات التي يجوز فيها للقاضي أن يتدخل لتحقيق العدالة بين الطرفين؟ وهل يختلف تطبيق النظرية في القانون المدني عنها في القانون الإداري؟ وسنحاول في هذا المقال الإجابة عن كل هذه الأسئلة وتلك التي وردت في صدر المقال.
نشأت هذه النظرية بعد سلسلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في أعقاب الثورة الصناعية في أوروبا وظهور الشركات الكبرى، وانتشرت وتطورت مع تعديل القانون المدني الفرنسي سنة 1804 وما صاحبه من ظهور نظرية "الظروف الطارئة" ونظرية "التعسف في استعمال الحق"، ونظرية "الاستغلال". ومنذ منتصف القرن الماضي، ظهرت مفاهيم "العدالة الموضوعية" و "العدالة الإجرائية" وتطوَّر الفكر القانوني من الفردية المُطلقة إلى "العدالة الإجتماعية"؛ ومفادها أن العقد لا يخدم أطرافه فقط بل المُجتمع بأسره. وصاحب ذلك تدخل الدولة في الاقتصاد لحماية الطرف الضعيف، وحماية المُستهلك، وحماية المنافسة، ومنع الاحتكار، ومنع الاستغلال، وأصبح تحقيق العدالة مبدأ قانونيا حاكما، وأصبحت "العدالة العقدية" جُزءا من القانون.
ولا تُعد نظرية "العدالة العقدية" مَصدرا مُباشرا للالتزام، بل مبدأً قضائياً يقوم على فكرة أن إرادة المُتعاقدين لا تكفي وحدها لتحقيق العدالة لأنها لا تكون بالضرورة دائما حُرة أو مُتكافئة. وهي لا تلغي مبدأ "سلطان الإرادة" بل تُقيده فقط بضوابط التوازن ومنع التعسف في استعمال الحق. وبموجبها، إذا كان هناك استغلال، جاز للقاضي تعديل العقد وإعادة التوازن بين أطرافه، أو إهدار الشروط التعسفية وحماية الطرف الضعيف. ومثال ذلك، إذا فرضت جهة الإدارة غرامة مُبالغ فيها على المُتعاقد، جاز للقاضي أن يُخفِّض قيمتها لعدم التناسب بين الجزاء والضرر الفعلي، لكنه لا يجوز له أن يلغي العقد كله إلا إذا بلغ الاختلال حد انعدام العقد أو بُطلانه.
ولا توجد النظرية بشكل مُستقل بنص صريح في القوانين العربية، لكنها تُطبق من خلال مبادئ قضائية مُستقرة. فمحكمة النقض في مصر تمنع التعسف في استعمال الحق، وتُطبق مبدأ حُسن النية وأمانة التعامل، وحماية الطرف الأضعف. ومن المبادئ المستقرة حاليا في قضائها أن العقد لا يُنفذ تنفيذًا حرفيًا إذا أدى ذلك إلى نتيجة غير عادلة أو تعسفية. ومن تطبيقات ذلك، التوسع في تفسير حُسن النية، والحد من الشروط التعسفية، والتدخل في عقود الإذعان. وكذلك، تُطبق المحكمة الإدارية العليا مبادئ التوازن المالي، وإعادة التوازن، والتناسب.
ومن أهم المبادئ المُستقرة في قضاء محكمة النقض ذات الصلة بنظرية "العدالة العقدية" ما يلي:
1) مبدأ حُسن النية؛ من الناحية القانونية، لا يُعد هذا المبدأ مُجرد مبدأً أخلاقياً، بل التزاما قانونيا بالتعاون، وبالإخطار، وبعدم التعسف، ومنع الاستغلال، وبتسهيل التنفيذ. وتطبيقًا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "تنفيذ العقد يجب أن يتم طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حُسن النية." (طعن رقم 743 لسنة 43 ق – جلسة 15/5/1978). مُؤدى ذلك، بُطلان التمسك الحَرفي بالعقد إذا أدى إلى نتيجة غير عادلة.
2) تفسير العقد بما يُحقق العدالة؛ وتطبيقًا لذلك قضت محكمة النقض بأن "العِبرة في تفسير العقود ليست بالألفاظ وحدها، بل بما قصده المُتعاقدان وبما يُحقق العدالة." (طعن رقم 364 لسنة 31 ق، جلسة 22/3/1966). مُؤدى ذلك أن العدالة مُقدَّمة على ظاهر النص، وأن نصوص العقد تُفسَّر ضد الطرف الأقوى أو الطرف الذي انفرد بوضعها.
3) نظريتا الظروف الطارئة والحوادث الاستثنائية العامة؛ وبمقتضاهما إذا طرأت ظروف طارئة جعلت التنفيذ مُرهقًا دون أن تجعله مستحيلاً، أو طرأت حوادث استثنائية عامة أدت إلى اختلال التوازن العقدي، جاز للقاضي تعديل الالتزام بما يردّه إلى الحد المعقول. ومثال على ذلك، حالة ارتفاع الأسعار بشكل غير مُتوقع في عقود المقاولات. وتطبيقًا لذلك، قضت محكمة النقض بأنه: "إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وجعلت تنفيذ الالتزام مُرهقًا، جاز للقاضي رد الالتزام إلى الحد المعقول". (طعن رقم 183 لسنة 33 ق، جلسة 30/1/1968).
4) نظرية الإستغلال؛ وبمقتضاها إذا استغل أحد الطرفين ضعف الطرف الآخر أو حاجته أو تعسف في استعمال الحق، جاز للقاضي أن يُبطل العقد أو يُنقص الالتزام. وتطبيقًا لذلك، قضت محكمة النقض بأن "الاستغلال يتحقق باستغلال حاجة أو طيش أو هوى لتحقيق عدم التوازن بين الالتزامات." (طعن رقم 178 لسنة 52 ق – جلسة 25/12/1986).
5) نظرية الإثراء بلا سبب؛ وبمقتضاها لا يُسمح لأي من الطرفين أن يثري على حساب الطرف الآخر دون مُبرر مشروع.
وفي القضاء الإداري، تبدو العدالة العقدية أكثر وضوحًا لأن العقد الإداري قائم على المصلحة العامة والتوازن الاقتصادي للعقد؛ ومثال ذلك، إعادة التوازن المالي للعقد الإداري وتعويض المُتعاقد عند اختلاله. فإذا ارتفعت الأسعار بشكل غير مُتوقع لا يُجبَر المُورد على التنفيذ إذا أدى ذلك إلى تحميله خسارة فادحة.
وفي العقود الإدارية، تبدأ العدالة العقدية حتى قبل اختيار المُتعاقد؛ وهو ما يُطلق عليه اسم "العدالة الإجرائية"، ومن صُورها أن العقد يبطل في حال عدم تكافؤ الفرص بين مُقدمي العطاءات. ورغم أن جهة الإدارة تتمتع بسلطة التعديل الانفرادي للعقد لكن لا يجوز أن يؤدي ذلك إلى إرهاق المُتعاقد أو إختلال التوازن المالي. ومن أهم تطبيقاتها نظرية الظروف الطارئة ونظرية الحوادث الاستثنائية العامة، وكلاهما يُوجبان إعادة التوازن المالي عند اختلاله.
ومن تطبيقاتها أيضا أنه رغم تمتع جهة الإدارة بسُلطة فرض غرامة تأخير، أنه لا يجوز أن تتجاوز الغرامة الضرر الفعلي بشكل مُبالغ فيه، أو تتحول إلى وسيلة للإثراء بلا سبب، وكذلك عدم جواز فرضها إذا كان التأخير بسبب جهة الإدارة. ورغم تمتع جهة الإدارة بسُلطة فرض جزاءات إدارية (مثل، مصادرة التأمين، وسحب الأعمال، وإنهاء العقد بإرادة مُنفردة)، إلا أن هذه السُلطة مُقيدة بضرورة أن تكون الجزاءات متناسبة ومُبررة وغير تعسفية.
ويُمكن استخلاص نظرية العدالة العقدية في العقود الإدارية من المبادئ الآتية:
1) التوازن المالي للعقد الإداري. ويعني ذلك وجوب الحفاظ على التوازن المالي للعقد طوال مدة تنفيذه. ومثال ذلك، أنه إذا تأخرت الإدارة في الدفع، يستحق المورد التعويض وتمديد مدة التوريد. وتطبيقًا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "العقد الإداري يقوم على التوازن المالي، فإذا اختل وجب على الإدارة إعادة التوازن." (طعن رقم 1123 لسنة 30 ق.ع.، جلسة 27/3/1988). وبأنه "إذا اختل التوازن المالي بفعل الإدارة، التزمت بتعويض المُتعاقد." (طعن رقم 1966 لسنة 32 ق.ع.، جلسة 21/5/1989).
2) عدم التعسف. وتطبيقًا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه "لا يجوز للإدارة إستعمال سُلطاتها التعاقدية بما يؤدي إلى الإضرار بالمُتعاقد." (طعن رقم 260 لسنة 35 ق.ع.، جلسة 7/1/1990). مُؤدى ذلك، تقييد سلطة جهة الإدارة وإلغاء القرار الإداري في حال التعسف.
3) التناسب في الجزاءات. الأصل، أنه يجوز فرض غرامة التأخير في العقود حتى لو لم يثبت حدوث ضرر، ويجوز تطبيقها حتى لو كان الضررأقل من الغرامة، ولا تُعد قيمة الغرامة تعويضا فعليا بل تعويضا اتفاقيا مُقدَّرا مُسبقا، لكن إذا كانت الغرامة مُبالغا فيها بشكل جسيم، جاز للقاضي تخفيضها إلى الحد المعقول. وإذا لم يقع ضرر أصلا، جاز له أن يلغيها. وتنص مادة (224) من القانون المدني المصري على أنه "يجوز للقاضي أن يُخفِّض التعويض الاتفاقي إذا أثبت المدين أن التقدير كان مُبالغًا فيه إلى درجة كبيرة..." وتطبيقًا لذلك، أيضا، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "غرامة التأخير لا تكون مشروعة إذا تجاوزت حدود التناسب." (طعن رقم 27485 لسنة 61 ق.ع.، جلسة 15/2/2018).
وفي السعودية، يُجسِّد كل من نظام المُعاملات المدنية السعودي ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية لسنة 1440 هجرية المبادئ ذات الصلة بنظرية العدالة العقدية، ومنها مبدأ "لا ضرر ولا ضرار"، ويعترف القضاء السعودي بنظريتي الظروف الطارئة والقوة القاهرة، وبمنع الظلم. وفي العقود الحكومية، يُطبَّق بشكل واضح مبدأ التوازن بين المُتعاقدين.
وفي رأينا، أنه رغم ما يُوجّه من انتقادات إلى نظرية "العدالة العقدية" من أنها تؤدي إلى تهديد استقرار المُعاملات، وتُوسع سُلطة القاضي، خصوصا، في ظل غموض معايير العدالة، إلا أنها تُعد ضرورية لمنع الظلم وتحقيق التوازن، خصوصا، فيما يتعلق بإهدار أي نص تعاقدي يُؤدي إلى التعسف في استعمال الحق أو الظلم أو الاستغلال.
تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن موضوع "التمييز بين نظريتي الظروف الطارئة والحوادث الاستثنائية العامة وما يتشبه بهما"
