(10) أسئلة في صياغة اللائحة التنفيذية للقانون
محمود محمد علي صبره
استشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
منذ يومين، بتاريخ 10 يونيو 2025، صدر في مصر قانون رقم 86 لسنة 2025 بتنظيم إصدار الفتوى الشرعية ونص في مادته رقم (12) على أن "تصدر اللائحة التنفيذية لهذا القانون ... خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به." وتنص مادة (13) منه على أن "يُنشر هذا القانون في الجريدة الرسمية ويُعمل به إعتبارا من اليوم التالي لتاريخ نشره." ويثور التساؤل: كيف سيتم العمل بالقانون لمدة ستة أشهر قبل أن تصدر لائحته التنفيذية؟
ويُثير هذا الخطأ المتكرر في صياغة القوانين الأسئلة المهمة الآتية: 1) هل يُشترط أن يكون لكل قانون لائحة تنفيذية؟ 2) ما الحكمة من إصدار اللائحة بعد صدور القانون؟ وما مدى ملاءمة هذا الإجراء؟ 3) هل يجوز للسلطة التنفيذية أن تُصدر اللائحة من تلقاء نفسها دون أن ينص القانون على تفويضها بإصدارها؟ 4) كيف سيتم العمل بالقانون ولم تصدر بعد لائحته التنفيذية؟ 5) هل يجوز للسلطة التنفيذية أن تمتنع عن إصدار اللائحة التنفيذية للقانون؟ 6) إذا حدد القانون مهلة زمنية لإصدار اللائحة، هل يُعطل تنفيذ القانون لحين صدورها؟ أم يُعتبر نافذا بذاته دون أن يتوقف على صدورها؟ 7) هل تترتب مسؤولية على السلطة التنفيذية إذا لم تُصدر اللائحة في الميعاد المحدد لها في القانون؟ 8) هل تفقد اللائحة مشروعيتها إذا صدرت بعد المُهلة المحددة لصدورها؟ 9) متى نستخدم اللائحة التنفيذية؟ ومتى نستخدم غيرها من الأدوات التشرعية الأخرى؛ كاالقرارات الوزارية، والقواعد الإجرائية، والتعليمات، وغيرها؟ 10) هل يجوز أن تفرض اللائحة عقوبات على من يخالف أحكامها؟
وتكتسب اللائحة التنفيذية مشروعيتها من القانون الذي صدرت لتسهيل تنفيذه وتُعتبر جزءا منه. وتنحصر وظيفتها في ثلاث مهام رئيسة؛ هي: تفسير نصوصه وتوضيح تفاصيله وبيان الإجراءات واجبة الإتباع لتنفيذه. لكن لا يجوز لها أن تتضمن تعديلا لأحكامه أو تعطيلا لها أو إعفاء من تنفيذها، أو أن تتضمن مسائل تُرتب آثارا قانونية لم يتم تفويضها في إحداثها. ولا يُشترط أن يكون لكل قانون لائحة تنفيذية، فقد يُصاغ القانون بحيث يكون متضمنا كل مستلزماته.
ويُلاحظ، أنه بينما يجوز للسلطة التشريعية، في دول النظام القانوني اللاتيني، ومنها الدول العربية، أن توجب على السلطة التنفيذية أن تُصدر اللائحة التنفيذية للقانون، وعادة تُستخدم صيغة "يُصدر الوزير المختص اللائحة ..."، لا يستطيع البرلمان في دول النظام الأنجلو-أمريكي أن يُلزم السلطة التنفيذية بذلك، وعادة، تُستخدم صيغة "يجوز للوزير المختص أن يُصدر لوائح ...." وفي لقاء جمعنى مع البروفيسور "إدوارد كيث"، أستاذ القانون العام في جامعة لندن، سألته: ماذا يحدث لو أن القانون في بريطانيا تضمن نصا "يُلزم" السلطة التنفيذية بإصدار اللائحة التنفيذية، فكان رده القاطع "تستقيل الحكومة فورا"!
ويثور التساؤل: ما الحكمة من إصدار اللائحة التنفيذية بعد صدور القانون؟ وربما يرجع السبب في ذلك إلى أنه، عادة، يتعرض مشروع القانون لتعديلات خلال مراجعته ومناقشته وإقراره، وبالتالي، في حال عرض اللائحة مع القانون، قد يتطلب الأمر إعادة النظر فيها في ضوء التعديلات التي أدخلت على القانون، ومن ثم، قد يكون من الملائم الإنتظار حتى صدور القانون.
ومع ذلك، يؤدي صدور اللائحة بعد إصدار القانون، في حالات كثيرة، إلى ترك أمور تمس القانون نفسه إلى اللائحة للفصل فيها، أو تضمينها خطوات تفصيلية تؤدي إلى تفريغ القانون من مضمونه، أو الخروج عن الحكمة من وضعه. ومثال ذلك، ما حدث في أثناء مناقشة مشروع قانون حماية الملكية الفكرية أمام مجلس الشعب المصري، إذ واجه المجلس مشكلة خطيرة في فهم مشروع القانون. وعلق العضو الدكتور زكريا عزمي علي ذلك بقوله "إن القانون صعب جدا ومُعقد وفني". وقد علق الدكتور فتحي سرور "رئيس المجلس" على ذلك قائلا "إن الحكومة كان يجب عليها تقديم اللائحة التنفيذية مع مشروع القانون، لأنها مُكملة له." وفي المملكة المتحدة البريطانية، يوجب البرلمان على السلطة التنفيذية عرض لوائح معينة لأهميتها عليه بعد وضعها لإقرارها قبل بدء العمل بها.
ورغم أن القانون، عادة، يُفوض السلطة التنفيذية في إصدار اللائحة التنفيذية، فإن ذلك يُعتبر حقا أصيلا للسلطة التنفيذية بصرف النظر عن تفويضها، من عدمه، حتى ولو لم يُفوضها القانون في ذلك شريطة ألا تترتب عليها آثار تؤثر على المراكز القانونية للأفراد وحقوقهم. وهي تستمد هذا الحق من اختصاصها الأصيل بتسيير عمل المرفق العام. ولا يقتصر حق السلطة التنفيذية على إصدار اللائحة التنفيذية لتسيير أعمال المرفق العام فحسب بل يمتد ليشمل كل الأدوات التشريعية الأخرى (القرارات/الأوامر الوزارية، القواعد، التعليمات).
ويثور التساؤل: ما الحُكم إذا حدد القانون مهلة زمنية لإصدار اللائحة التنفيذية، هل يُعطل تنفيذه لحين صدورها، أم يُعتبر نافذا بذاته دون أن يتوقف تنفيذه على صدورها؟ أجاب عن هذا السؤال مجلس الدولة المصرى، مُسايرا في ذلك مجلس الدولة الفرنسي، وأفتى فى 2 مارس سنه 1954 بأن نفاذ القوانين لا يكون مُعلقاً على صدور اللوائح التنفيذية التى تحيل عنها إلا فى حالتين؛ الأولى: أن ينص القانون صراحة على أن نفاذه مرهون بصدور لائحته التنفيذية. والثانية: أن يكون تنفيذ القانون مستحيلاً إلا بصدور اللائحة. ومن ثم، إذا كان تنفيذ القانون مُعلقا على اللائحة وأحال القانون عليها وحدد لها مدة ستة أشهر لإصدارها، فإن القانون لن يُنفذ طوال هذه المدة.
وثمة سؤال آخر: هل تفقد اللائحة مشروعيتها إذا صدرت بعد المهلة المحددة لصدورها؟ كما سبقت الإشارة، يُعد إصدار اللائحة حقا أصيلا للسلطة التنفيذية، سواء فوضها القانون في إصدراها، أم لا، وبالتالي، يجوز للسلطة التنفيذية أن تصدرها بعد فوات الميعاد الذي حدده القانون. لكن، ما الأثر المترتب على عدم صدورها في غضون ذلك الميعاد؟ في رأينا، انه لا تترتب عليها أية مسؤولية قانونية ولكن يمكن للهيئة التشريعية محاسبتها سياسيا عن طريق سحب الثقة من الحكومة أو الوزير المختص.
وفيما يتعلق بالتمييز بين اللائحة التنفيذية وغيرها من الأدوات التشريعية التي يجوز للسلطة التنفيذية أن تصدرها، مثل، القرارات الوزارية، والتعليمات، وغيرها، يُتبع في ذلك مبدأ الإنتقال من العام إلى الخاص، وبموجبه، تعلو اللائحة التنفيذية على القرارات الوزارية، والقواعد الإجرائية، والتعليمات، إلخ.
وثمة سؤال أخير: هل يجوز أن تفرض اللائحة عقوبات على من يخالف أحكامها؟ من المبادئ المُستقرة أنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون." وم ثم، لا يجوز، لكن يجوز لها أن تحيل على العقوبات المنصوص عليها في القانون.
وفي رأينا، أنه ينبغي الربط بين تاريخ بدء سريان القانون وتاريخ صدور اللائحة التنفيذية، ومثاله، أن يتضمن القانون مادتين مستقلتين ضمن مواد الإصدار: الأولى، تنص على ما يلي "يُنشر هذا القانون في الجريدة الرسمية ويُعمل به بعد 90 يوما (مثلا) من اليوم التالي لتاريخ نشره." والثانية، تنص على ما يلي "يًصدر الوزير المختص اللائحة التنفيذية لهذا القانون في خلال 90 يوما من اليوم التالي لتاريخ نشره." وبذلك، نتجنب المشكلات التي قد تحدث نتيجة صعوبة تنفيذ القانون قبل صدور لائحته التنفيذية.
