"إستخدام الذكاء الإصطناعي في صياغة العقود وتدقيقها وكشف الثغرات فيها"
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
لم يكن يخطر على بال أحد أنه سيأتي يوم تُصبح فيه برامج الكمبيوتر بمقدورها أن تؤدي مهاما في سياق عقدي تتسم بقدر من المهارة والسرعة والكفاءة والدقة يفوق بكثير مهارة البشر! وقد أثبت إستخدام نظم الذكاء الاصطناعي في هذا المجال كفاءتها وفعاليتها، واليوم، مع إستخدامها، لا تحتاج إلى أكثر من عشر (10) دقائق فقط لتصوغ وتحلل وتدقق عقدا كاملا بشكل يُنافس قدرة الإنسان على أن يفعل ذلك وحده!
ويُتيح إستخدام نظم الذكاء الإصطناعي بشكل كبير التعامل مع كميات هائلة من البيانات وتحليلها بدقة وسرعة تفوق قدرات البشر. وتلفت برامج الذكاء الإصطناعي- مثل: ChatGpt-5 و Copilot و Gemini و Deepseek، وغيرها- إنتباه الأطراف المتعاقدة إلى العناصر الأساسية للعقد؛ مثل، بيانات الأطراف، والتمهيد، والشروط العامة، ومثالها، مدة العقد، والقانون واجب التطبيق، والإخطارات، وتسوية المنازعات، وغيرها، وربما الشروط الخاصة لكل عقد أيضا. وعندما يكون لكل طرف في العقد رؤية واضحة حول ما يتضمنه، وما يتوقعه من الطرف الآخر، فإن ذلك يُقلل من فرص النزاعات المحتملة بين أطرافه ويُعزز التعاون بينهما.
ويُمكن لهذه النظم أن تلخص محاضر الإجتماعات التي يجري فيها التفاوض حول العقد؛ وأن تلخص عقدا طويلا مع إبراز الشروط المهمة فيه؛ وأن تقارن بين عقدين للتعرف على أوجه الإختلاف بينهما والمواد المهمة الناقصة؛ وأن تحلل العقد للتعرف على المواد التي يُحتمل أن تشكل خطورة على أحد الطرفين أو أية صياغات غامضة أو أي توزيع غير صحيح للمسؤوليات؛ وأن تزودك بالمعلومات التي تهمك حول مواد العقد ومنها نصوص القانون واجب التطبيق المتعلقة به؛ بل وأن تترجم العقد إلى اللغة العربية مع مراعاة المصطلحات القانونية!
ويُساعد الذكاء الإصطناعي في صياغة العقد بشكل صحيح عن طريق تصنيف نصوصه، على سبيل المثال، على حسب نوع البند (مثل، العنوان، التعريفات، الإلتزامات، المخاطر، الحقوق) وعلى حسب الأطراف ذات الصلة (مثل، المقاول، صاحب العمل، الطرفين). كذلك، يُساعد في فهم أطراف العقد لالتزاماتهم وللشروط العقدية المعقدة وتحليلها وكشف المخاطر التي قد لا تكون واضحة للخبراء القانونيين، خصوصا، في ظل الحجم الكبير من التشريعات ذات الصلة المعمول بها وتعديلاتها. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تحسين فعالية العقد وضمان إلتزام أطرافه بشروطه، ومن ثم، التقليل من مخاطر عدم الإمتثال.
ويَستخدم الذكاء الإصطناعي في أدائه لهذه المهام نوعين من التكنولوجيا؛ الأول، تقنية "تعلم الآلة" machine learning التي تُتيح للكمبيوتر التعلم من البيانات التي يتم تخزينها فيه واستخلاص الأنماط المتوقعة منها والتنبؤ بنتائج معينة دون الحاجة إلى إستخدام برمجيات صريحة لتنفيذ كل مهمة بحيث يُمكنه بنفسه إتخاذ القرار عند التعامل مع أوضاع جديدة. ومثاله، يصلك يوميا رسائل بالبريد الإلكتروني أو عن طريق الواتساب بعضها عادي وبعضها مُزعج spam. يتعلم الجهاز من أنماط الرسائل التي تصلك كيف يُميز بين الرسائل العادية والرسائل المُزعجة. ومثال ثان، متجر إلكتروني يُلاحظ أن من يشتري هاتفا نقالا، غالبا، يشتري معه سماعة. يُمكنه أن يتنبأ بأن أي مشتري جديد لهاتف نقال سيرغب في شراء سماعة معه.
أما التقنية الثانية، فهي تقنية "معالجة اللغة الطبيعية" Natural Language Processing التي تُتيح للكمبيوتر أن يفهم اللغة البشرية المكتوبة والمنطوقة ويُفسرها ويُنشئ نصوصا مكتوبة بلغة البشر بل وينطقها أيضا. ومن تطبيقاتها، التلخيص الآلي للنصوص، وتحليلها ومعرفة ما إذا كان النص إيجابيا أم سلبيا، والترجمة الآلية. وتُتيح هذه التقنية إستخراج المعلومات المهمة من العقود وتحليلها، مثل الشروط والإلتزامات العقدية، وكذلك تحديد المخاطر المُحتملة.
ولا شك في أن هذه التقنيات تُسهم بشكل كبير في تسريع صياغة العقود ومراجعتها وتحليلها وتخفيف الأعباء التي تقترن عادة بالطرق التقليدية، ما يُسهم بدوره في اتخاذ قرارات أكثر دقة وكفاءة وسرعة. ومع ذلك، يُثير إستخدامها مشكلات وتحديات ومخاطر كبيرة؛ منها ما يتعلق بحماية البيانات الخاصة من الإستخدام غير المشروع، والتعدي على حقوق الملكية الفكرية، وافتقادها إلى الشفافية في إتخاذ القرار بسبب عدم معرفة كيف وصلت إلى إستنتاجاتها، ما يُقلل من قدرة الأطراف المتضررة منها على الطعن عليها أمام المحاكم. ويثور الجدل حول مدى دقة التحليلات التي تُجريها وقدرتها على إستيعاب التعقيدات القانونية، والمسئولية عن الأضرار التي قد تنجم عن إستخدامها، ناهيك عن الخوف من أن تُقدم إستنتاجات منحازة تاريخيا دون مراعاة العوامل الشخصية أو المجتمعية.
وفي رأينا، أن من المهم تحقيق التوازن في مجال صياغة العقود وتدقيقها بين الإستفادة من الإبتكارات التكنولوجية والإلتزام بالمبادئ القانونية المعمول بها، وأن ذلك يُمثل تحديًا كبيرا تنبغي معالجته ضمن تشريع عام يُعالج كل المشكلات والتحديات التي يُثيرها إستخدام الذكاء الإصطناعي في مختلف المجالات.
