الضوابط التشريعية المنظمة للسلطة التقديرية للجهة الإدارية
الاستشاري/ محمود صبره
الخبير الدولي في الصياغة التشريعية والكتابة القانونية
كل سلطة لا يُحيطها القانون بضوابط تتحول إلى سلطة مطلقة مهددة بالانحراف. ولا يعني تفويض الإدارة في الاختيار بين بدائل متعددة عدم خضوعها لمبدأ المشروعية. وإذا كان القضاء يصحح انحراف الإدارة بعد وقوعه، فإن التشريع الرشيد يمنع وقوعه ابتداءً عن طريق وضع ضوابط تُقيده. والمشكلة ليست في منح الإدارة سلطة تقديرية، وإنما في كيفية صياغة النصوص التي تمنحها هذه السلطة.
ويمكن تقسيم الضوابط التشريعية الناظمة للسلطة التقديرية للإدارة إلى ثلاثة أنواع: 1) الضوابط الدستورية. 2) الضوابط الموضوعية المتعلقة بالصياغة التشريعية. 3) الضوابط الإجرائية المنظمة لممارسة السلطة التقديرية. وسنناقش فيما يلي كل منها بالتفصيل.
أولا- الضوابط الدستورية. وبمقتضاها، تلتزم الإدارة في ممارستها للسلطة التقديرية بمبادئ معينة من أبرزها ما يلي:
1) مبدأ المشروعية. ويعني أنه لا يجوز للإدارة أن تستخدم السلطة المخولة لها في غير الغرض الذي حدده المُشرّع. ومن أبرز ضوابط المشروعية: قواعد الاختصاص، والمحل، والغاية، والسبب، والشكل والإجراءات، وعدم إساءة استعمال السلطة.
2) مبدأ سيادة القانون. ويعني خضوع جميع سلطات الدولة للقانون. مفاد ذلك عدم جواز مخالفة القانون، أو إساءة استعمال السلطة، وخضوع القرارات الإدارية لرقابة القضاء.
3) مبدأ حماية الحقوق والحريات التي كفلها الدستور: ومنها، الحريات العامة، والحرية الشخصية، وحقوق الملكية، وحرية العمل، والتنقل، والمنافسة، وحق التقاضي. مؤدى ذلك، أنه لا يجوز للإدارة أن تستخدم السلطة التقديرية للانتقاص من هذه الحقوق إلا في الحدود التي يجيزها القانون.
4) مبدأ المساواة. وبموجبه، تلتزم الإدارة بعدم التمييز بين المراكز القانونية المتماثلة، أو تفضيل أشخاص أو فئات على غيرهم دون مبرر موضوعي يبرره القانون والمصلحة العامة.
5) مبدأ تكافؤ الفرص. ويعني تمكين الجميع من المنافسة وفق معايير موضوعية معلنة وعادلة دون محاباة أو محسوبية أو تمييز. ومن صوره، في مجال التعاقدات العامة، إلزام الإدارة بتحديد معايير تقييم العروض؛ وفي مجال الوظيفة العامة، تحديد شروط شغل الوظيفة، والترقية والنقل.
6) مبدأ التناسب. وبمقتضاه، تلتزم الإدارة بأن يكون الجزاء متناسبا مع الهدف المراد تحقيقه. ومثال لعدم التناسب، مصادرة التأمين بالكامل بسبب تأخر المورد فترة بسيطة في تسليم الكميات المتعاقد عليها. ومثال ثان، إغلاق مطعم بالكامل بسبب مخالفة بسيطة في لوحة الأسعار.
7) مبدأ الشفافية. وبموجبه، تلتزم الإدارة بأن تمارس سلطتها في إطار من الوضوح والعلانية والإفصاح عن أسباب القرار عند الاقتضاء بحيث تكون إجراءاتها والمعايير التي تستند إليها معلومة لأصحاب الشأن. ومثاله، إلزام الإدارة بالإعلان عن الوظائف، والإفصاح عن معايير الاختيار.
8) مبدأ المساءلة. ويعني أن يخضع القرار للرقابة البرلمانية والإدارية والقضائية للتحقق من عدم الانحراف بالسلطة.
ثانيا- الضوابط الموضوعية المتعلقة بالصياغة التشريعية
وبمقتضاها، يجب أن يُراعَى في صياغة النص التشريعي ما يلي:
1) تحديد الغاية من منح السلطة التقديرية. ومثال ذلك، بدلا من أن تقول "يجوز للسلطة المختصة أن تتخذ التدابير اللازمة التي تراها مناسبة"، قل: "يجوز للسلطة المختصة اتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق ××××." فإذا اتخذ القرار لتحقيق غاية أخرى، أمكن الطعن عليه بالانحراف بالسلطة.
2) تحديد نطاق السلطة التقديرية. ومثال ذلك، تحديد الحالات التي يجوز فيها منحها، وإلى أي حد.
3) وضع معايير موضوعية لاستعمال السلطة التقديرية. ومثال ذلك، أن يحدد المشرع عناصر للتقدير ويُلزم الإدارة بالتقيد بها، مثل: المصلحة العامة، الكفاءة، الجدارة، الملاءة المالية، الخبرة.
4) حصر الحالات التي يجوز فيها استعمال السلطة التقديرية. ومثال ذلك، بدلا من النص فقط على أنه "يجوز للجهة المختصة إلغاء المناقصة للمصلحة العامة"، أضف "إذا انتفت الحاجة، أو تغيرت المصلحة العامة، أو ثبت وجود خطأ جوهري في إجراءات الطرح.".
5) استخدام ألفاظ مقيدة بدلاً من الألفاظ المطلقة. ومثال ذلك، بدلا من أن تقول: "إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة" أو "حسبما يتراءى للجهة المختصة". قل: "إذا ثبت للإدارة بناءً على أسباب جدية ××××" أو "إذا قامت دلائل كافية على ××××"، أو "وفق المعايير الآتية: ××××."
6) الموازنة بين المصالح المختلفة. ومثال ذلك، النص على أن "تراعى عند اتخاذ القرار الموازنة بين مقتضيات المصلحة العامة والآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها."
7) اشتراط التناسب بين الإجراء المتخذ وألا يجاوز ما تقتضيه الضرورة. ومن شأن ذلك أن يجعل مبدأ التناسب معيارًا تشريعيًا لا مجرد مبدأ قضائي.
ثالثا- الضوابط الإجرائية المنظمة لممارسة السلطة التقديرية
ومن أبرز صورها ما يلي:
1) الرقابة الإدارية السابقة. ومثالها، في بعض حالات التعاقدات العامة، اشتراط الموافقة المسبقة من مجلس الوزراء، أو جهة رقابية معينة، أو وزير المالية، أو جهة الشراء الموحد.
2) جماعية القرار. ويعني إلزام الإدارة بألا يتخذ مسئول بمفرده القرار، بل يتم التوصية به عن طريق جماعة عبر عدة مراحل. ومثال ذلك، اشتراط التوصية به من لجنة فنية، ثم اعتماده من لجنة أخرى، وأخيرا، اعتماده من السلطة المختصة، وهذا يقلل من احتمال إساءة استعمال السلطة.
3) تسبيب القرار. ويعني ذلك إلزام الإدارة بأن توضح الأسباب الواقعية والقانونية التي دفعتها إلى إصدار القرار، والنصوص القانونية التي استندت إليها، والأساس المنطقي الذي انتهت إليه. ومثال ذلك، النص على "أن يكون القرار مسببًا، وأن يتضمن الوقائع والأسانيد القانونية التي بُني عليها."
4) فرض إجراءات سابقة على اتخاذ القرار. ومثال ذلك، ربط القرار باستطلاع رأي لجنة معينة، أو إجراء دراسة فنية، أو سماع أقوال ذوي الشأن، أو نشر مشروع القرار، أو إجراء حوار مجتمعي أو الحصول على موافقة سلطة أعلى، أو إعداد دراسة أو تقرير فني. فإذا أغفلت الإدارة هذه الإجراءات، كان القرار معيبًا بعيب مخالفة القانون أو عيب الشكل والإجراءات.
5) تحديد عناصر معينة يجب مراعاتها قبل اتخاذ القرار. ومثال ذلك، في حال الجزاءات التأديبية والإدارية، النص على أن تراعي الإدارة خطورة المخالفة، وجسامة الضرر، وحسن النية، والقرارات السابقة ذات الصلة، والظروف المحيطة، والحق في الدفاع.
6) وضع حدود مالية للسلطة المختصة. ومثال ذلك، في مجال التعاقدات العامة، تقييد طريقة التعاقد بالحدود المالية التي حددها المُشرّع، وتحديد حد أقصى للشراء المباشر، أو للتعديل المالي، أو لقيمة التعاقد. وإذا تجاوزت الإدارة هذه الحدود أصبح قرارها مشوبًا بعيب مخالفة القانون مستوجبا إلغائه، فضلًا عما قد يترتب عليه من مسؤولية مالية أو تأديبية بحسب الأحوال.
7) ربط القرار بقيود زمنية. ومثال ذلك، أن يحدد المُشرّع مددا زمنية محددة للفصل في أمر ما. ومثال ذلك، تحديد مدة لاتخاذ القرار التأديبي من تاريخ اكتشاف المخالفة الوظيفية حتى تاريخ البدء في إجراءات التحقيق، ومن تاريخ البدء في التحقيق حتى الانتهاء منه، ومن تاريخ الانتهاء منه حتى تاريخ صدور القرار لمنع الإدارة من اتخاذ الجزاء التأديبي سيفا مسلطا على رقبة الموظف.
8) التدرج في فرض الجزاءات. ومثال ذلك، إلزام الإدارة بالتدرج في توقيع الجزاءات الإدارية، فتبدأ بالتنبيه، ثم الإنذار، ثم وقف النشاط مؤقتًا. ثم سحب الترخيص. وهذا يعكس مبدأ التناسب.
9) الاستناد إلى بيانات أو أدلة موثقة. ويعني ذلك إلزام الإدارة بأن تبني قراراتها على بيانات موثقة أو تقارير فنية أو دراسات معتمدة.
10) المراجعة الدورية للقرار. خصوصًا، في القرارات التنظيمية، ومثال ذلك، النص على أن "تراجع الجهة المختصة القرار كل ثلاث سنوات للتحقق من استمرار مبرراته."
11) تقرير حق التظلم الإداري. وبموجبه، تلتزم الإدارة بأن تخطر صاحب الشأن بالقرار، وتمنحه مهلة للتظلم، ويحدد التشريع مدة زمنية معينة الفصل فيه.
وفي رأينا، أن الصياغة التشريعية تُعد خط الدفاع الأول ضد التعسف الإداري، فالمُشرّع يضع المعايير اللازمة لممارسة السلطة التقديرية ويُحدد حدودها وإجراءاتها، والإدارة تطبق هذه المعايير في قراراتها، والرقابة القضائية تمثل خط الدفاع الأخير. وكلما زادت جودة الصياغة التشريعية، ضاق مجال التعسف وقلت الحاجة إلى الرقابة القضائية. وكلما كانت السلطة التقديرية محددة بضوابط تشريعية واضحة، اتسع مجال الثقة في الإدارة، وتعزز الأمن القانوني، واستقرت المراكز القانونية، وانخفضت معدلات إلغاء القرارات الإدارية أمام القضاء.
.... تابعونا في مقالنا القادم عن "التعريفات الاصطلاحية التشريعية والآثار المترتبة على الخطأ في صياغتها"
