السلطة التقديرية لجهة الإدارة في التعاقدات العامة ..
بين حرية الاختيار ومشروعية القرار
الاستشاري/ محمود صبره
الخبير الدولي في الصياغة التشريعية والكتابة القانونية
لماذا تحتاج الإدارة إلى أن تكون لها سلطة تقديرية عند الدخول في العقود؟ وما المصادر التي تستمد منها هذه السلطة؟ وما المجالات التي تستخدمها فيها سواء في مرحلة ما قبل التعاقد، أو مرحلة تنفيذ العقد، أو في فرض الجزاءات الإدارية على المتعاقد؟ وما المبادئ التي استقر عليها القضاء الإداري في رقابة هذه السلطة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.
لا تعد السلطة التقديرية امتيازًا للإدارة بقدر ما هي وسيلة لاختيار القرار الأكثر تحقيقًا للمصلحة العامة. وتستمد الإدارة سلطتها التقديرية من تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وضمان سير المرفق العام بانتظام واضطراد، وامتيازاتها الاستثنائية التي منحها لها القانون. ومن أبرز صورها ما يلي:
أولا- في مرحلة ما قبل التعاقد. من أبرز المجالات التي تمارس فيها الإدارة سلطتها التقديرية: تحديد الاحتياجات، وتحديد المواصفات الفنية، واختيار أسلوب التعاقد وفق ما نص عليه القانون، وتقييم العروض الفنية والمالية واستبعاد العروض غير المقبولة فنيا، وإلغاء الطرح قبل الترسية.
ويُعد تحديد الاحتياجات والمواصفات من المجالات التي تتطلب أن تكون للإدارة سلطة تقديرية لأن المُشرّع لا يستطيع أن يحدد مسبقًا ما تحتاج إليه كل جهة من أعمال أو خدمات أو توريدات، لذلك يترك للإدارة تقدير ذلك في ضوء احتياجاتها الفعلية وأهداف المرفق العام. كذلك، يترك لها حرية تحديد المواصفات التي تلبي احتياجات المرفق العام شريطة ألا تستخدم هذه السلطة للإخلال بمبادئ المنافسة والمساواة والشفافية.
ومثال ذلك، إذا أرادت وزارة الصحة شراء أجهزة طبية، فإنها تحدد بنفسها الكميات التي تحتاجها ومواصفاتها الفنية وشروط توريدها، لكن، إذا اشترطت كراسة الشروط أن تكون الأجهزة من علامة تجارية معينة دون السماح بما يعادلها فنيًا، ودون مبرر موضوعي؛ أو أن تكون لها مواصفات معينة لا تتوافر سوى في شركة معينة، فإن ذلك قد يعد قيدًا غير مشروع على المنافسة، ويُعرّض القرار للإلغاء أو البطلان.
وعند اختيار أسلوب التعاقد، يجب على الإدارة الالتزام بما حدده القانون من شروط لكل طريقة من طرق التعاقد. فإذا اختارت الإدارة طريق الاتفاق المباشر في غير الحالات التي حددها القانون، يملك القاضي إلغاء القرار.
وعند تقييم العطاءات فنيا وماليا، تُفاضل الإدارة بينها وفقًا للمعايير المحددة في كراسة الشروط، وتملك سلطة استبعاد العطاءات غير المطابقة للمواصفات الفنية. لكن القاضي يملك سلطة رقابة مشروعية القرار، ويجوز له أن يفحص السبب الحقيقي للاستبعاد، وما إذا كان يتفق مع ما ورد في الكراسة، أم لا. وإذا خالفت الإدارة في اختيارها النهائي للعطاء الفائز معايير التقييم المحددة مسبقا، أو منحت درجات وفق معايير لم يسبق الإعلان عنها، أو لم تراع المساواة بين المتنافسين، جاز للقاضي التدخل وإلغاء القرار.
كذلك، تملك الإدارة سلطة إلغاء المناقصة. وقد يكون الإلغاء وجوبيا أو جوازيا، أو في حالات خاصة حددها القانون. ومن الحالات التي يجب فيها على الإدارة إلغاء المناقصة: الاستغناء النهائي عن المشروع المطروح، أو إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك. لكن، يخضع تقدير المصلحة العامة لرقابة القضاء للتحقق من جدية السبب وعدم الانحراف بالسلطة. ومن الحالات التي يجوز لها فيها إلغاء المناقصة: إذا لم يقدم سوى عطاء واحد، أو لم يبق بعد استبعاد العطاءات غير المقبولة إلا عطاء واحد. لكن إذا كانت حاجة العمل لا تسمح بإعادة الطرح ولا توجد فائدة ترجى من ذلك وإذا كان العطاء مطابقًا للشروط، ومناسبًا للقيمة التقديرية، يجوز قبوله.
كذلك، يجوز للإدارة إلغاء المناقصة إذا تبين وجود تواطؤ بين مقدمي العطاءات، أو احتيال، أو فساد، أو احتكار أثر في المنافسة، أو وجود نقص أو خطأ في كراسة الشروط من شأنه التأثير في سلامة إجراءات المنافسة أو تكافؤ الفرص؛ وإذا قدرت الجهة المختصة أن استمرار إجراءات الطرح العلني لا يتفق مع مقتضيات الأمن القومي.
ثانيا- سلطة الإدارة في مرحلة تنفيذ العقد. تملك الإدارة سلطة تعديل العقد الإداري بإرادتها المنفردة، ويُمثل ذلك استثناءً على مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" الذي يسود عقود القانون الخاص. وتعد هذه السلطة من النظام العام، ومصدرها القانون وطبيعة المرفق العام، وليس العقد. ولذلك، لا يجوز للإدارة التنازل عنها حتى لو تضمن العقد نصا يقيدها أو يشترط موافقة المتعاقد، لأن ذلك يمس حُسن سير المرافق العامة. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا المصرية بأن الإدارة تتمتع بسلطة تعديل شروط العقد المتعلقة بسير المرفق العام وتنظيمه بإرادتها المنفردة، ولها توجيه تنفيذ العقد، وتوقيع الجزاءات، وإنهاؤه متى اقتضت المصلحة العامة ذلك، دون أن يحتج المتعاقد بقاعدة العقد شريعة المتعاقدين (طعن رقم 4151 لسنة 38 ق.ع.، 4/9/2004).
ولا تعد سلطة الإدارة في التعديل الانفرادي طليقة من كل قيد بل تخضع لقيود؛ منها ضرورة أن تكون غايتها تحقيق مصلحة عامة حقيقية؛ وأن يكون التعديل لازما، وأن يكون هناك ارتباط منطقي بين التعديل واحتياجات المرفق؛ وعدم الانحراف بالسلطة؛ وألا يؤدي التعديل إلى تغيير جوهر العقد أو موضوعه؛ أو تعديل البنود المالية الجوهرية، مثل، السعر المتفق عليه؛ وأن يتم تعويض المتعاقد إذا ترتب على التعديل أعباء إضافية عليه غير متوقعة.
ثالثا- سلطة الإدارة في فرض الجزاءات على المتعاقد. وتشمل هذه الجزاءات فرض غرامات التأخير، ومصادرة التأمين، وسحب الأعمال والتنفيذ على حساب المتعاقد، وإنهاء العقد بسبب تقصيره أو إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك. ومن المبادئ المستقرة أن الجزاءات في العقد الإداري لا تخضع للقواعد المدنية الخاصة بالشرط الجزائي، وأن للإدارة سلطة تقديرية في توقيعها غير أن هذه السلطة تخضع لرقابة القضاء إذا انطوت على مخالفة للقانون أو تعسف في استعمال الحق. ولا يقتصر دور قاضي العقد الإداري على إلغاء القرار، بل يملك سلطة القضاء الكامل ويفصل في كل النزاع العقدي ويعيد ترتيب الحقوق والالتزامات بين الطرفين.
وإذا كان تقصير المتعاقد يرجع إلى خطأ الإدارة أو إلى قوة قاهرة أو سبب أجنبي، يُعفي المتعاقد من المسؤولية. كذلك، يجب أن يقوم الجزاء على سبب ثابت وصحيح، وألا يشوبه الانحراف بالسلطة أو الخطأ الظاهر في التقدير؛ وأن يكون هناك تناسب بين جسامة الإخلال والجزاء الموقع، دون أن يحل القاضي نفسه محل الإدارة في تقدير الملاءمة متى كان اختيارها قائمًا على أسس معقولة ومشروعة.
وتُعد غرامة التأخير من أهم الامتيازات التي تتمتع بها جهة الإدارة في العقود الإدارية، لكنها لا تُعد عقوبة بل جزاء إداريا. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن غرامة التأخير جزاء إداري يهدف إلى ضمان انتظام سير المرافق العامة، وتُوقعها الإدارة من تلقاء نفسها دون حاجة إلى إثبات الضرر أو إعذار المتعاقد. كما أن للإدارة سلطة تقديرية في الإعفاء منها كلها أو بعضها إذا قدرت أن لذلك محلًا، ولا يُعفى المتعاقد إلا إذا أثبت القوة القاهرة أو خطأ جهة الإدارة (طعن رقم 10834 لسنة 47 ق.ع,). كذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه لا يجوز للمتعاقد أن يمتنع عن التنفيذ بحجة إخلال الإدارة بالتزاماتها متى كان ذلك يضر بحسن سير المرفق العام. مؤدى ذلك، عدم جواز الدفع بعدم تنفيذ الإدارة لالتزاماتها في العقود الإدارية لتبرير عدم تنفيذ المتعاقد لالتزاماته. (طعن رقم 5959 لسنة 44 ق.ع.، جلسة 26/1/2001).
كذلك، يجوز للإدارة مصادرة التأمين؛ سواء الابتدائي أو النهائي في الحالات التي حددها القانون أو العقد. وقد استقر قضاء المحكمة الإدارية العليا على أن مصادرة التأمين ليست عقوبة جنائية وإنما جزاء إداري تعاقدي يُفرض في حال إخلال المتعاقد بالتزاماته، ومن ثم، لا تحتاج الإدارة إلى حكم قضائي لمصادرة التأمين. وتُمثل مصادرة التأمين النهائي الحد الأدنى للتعويض الذي تستحقه جهة الإدارة، فإذا لم يكف لجبر جميع الأضرار جاز لها المطالبة بتعويض تكميلي وفقًا للقواعد العامة. كذلك، يجوز للإدارة الجمع بين مصادرة التأمين، والتنفيذ على الحساب، وغرامة التأخير، والتعويض عن باقي الأضرار لأن كل واحد منها يقوم على أساس قانوني مختلف.
ومن الجزاءات التي يجوز للإدارة أيضا توقيعها على المتعاقد سحب الأعمال منه والتنفيذ على حسابه في حال إخلاله بالتزاماته الجوهرية. ويُقصد بسحب الأعمال منع المتعاقد من الاستمرار في تنفيذ الأعمال المتبقية، أما التنفيذ على الحساب فيُقصد به إسناد الإدارة تنفيذ الأعمال إلى متعاقد آخر، أو تنفيذها بنفسها، مع تحميل المتعاقد الأصلي فروق الأسعار والتكاليف والأضرار. ولا يُشترط بالضروة أن يترتب على سحب الأعمال التنفيذ على حساب المتعاقد؛ فقد تسحب الإدارة الأعمال ثم تنهي العقد أو تعيد الطرح دون تنفيذ على الحساب إذا لم تعد هناك حاجة للتنفيذ.
ولا يُعد التنفيذ على الحساب تعويضًا مدنيًا أو شرطًا جزائيًا، وإنما جزاء إداريا مستقلا لحماية المرفق العام، ولا يُشترط لإعماله إثبات الضرر (طعن رقم 1181 لسنة 33 ق. ع.، جلسة 25/1/1994). ولا يكفي مجرد التأخير لسحب الأعمال أو الفسخ، بل يجب أن يبلغ التأخير حدًا يبرر ذلك. (طعن رقم 1786 لسنة 30 ق.ع.، جلسة 18/1/1986).
كذلك، تملك الإدارة سلطة فسخ العقد الإداري أو إنهائه بإرادتها المنفردة إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة. لكن القضاء يراقب وجود المصلحة العامة فعلا، وعدم الانحراف بالسلطة، ووجود أسباب تبرر استعمالها، واحترام حقوق المتعاقد في التعويض، ومدى تناسب الإجراء مع المخالفة.
وخلاصة القول، أن القضاء الإداري لا ينازع الإدارة في اختصاصها في الاختيار، وإنما يتحقق من أن ذلك الاختيار مشروع، وقائم على سبب صحيح، ويحقق الغاية التي يهدف القانون لتحقيقها. ولا يُعد التعاقد الإداري مجالًا لحرية الإرادة بقدر ما هو مجالا لحُسن إدارة المرفق العام.
.... تابعونا في مقالنا القادم عن "الضوابط التشريعية للسلطة التقديرية لجهة الإدارة"
