International Training

السلطة التقديرية لجهة الإدارة وحدود الرقابة القضائية عليها

محمود محمد علي صبره

الخبير الدولي في الصياغة التشريعية والكتابة القانونية

ما المقصود بالسلطة التقديرية لجهة الإدارة؟ وهل هي مطلقة؟ وما حدودها؟ وما الفرق بينها “والسلطة المقيدة”؟ وما حدود الرقابة القضائية على مشروعية القرار الإداري؟ وهل يخضع اعتبار “الملاءمة” للرقابة القضائية؟ وما المقصود “بالغلو”؟ وما الفرق بينه و “مبدأ التناسب” و “الخطأ الظاهر في التقدير”؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.

يُقصد بالسلطة التقديرية أن يترك المُشرّع للإدارة قدرًا من حرية اختيار القرار الذي تراه أكثر ملاءمة لتحقيق المصلحة العامة أو تحديد مضمونه أو توقيته أو وسيلته باعتبار أنها بحكم قربها من الواقع أقدر على تقدير الظروف العملية. ويُعرّف الفقيه الفرنسي “موريس هوريو” السلطة التقديرية بأنها “سلطة تقدير مدى ملاءمة الإجراءات الإدارية.” ويُعرّفها الفقيه الفرنسي “مارسيل فالين” بأنها “الطريقة التي تمارس بها الجهة الإدارية اختصاصاتها.” فالنص القانوني لا يستطيع أن يتوقع كل الوقائع والظروف، لذلك يمنح المُشرّع الإدارة مساحة للاختيار.

وتبدأ السلطة التقديرية للإدارة حيث لا يكون هناك نص ملزم لها، وتنتهي عندما تخالف المشروعية. وبعبارة أخرى، لا يراقب القاضي الإداري اختيار الإدارة، وإنما يراقب الحدود القانونية لذلك الاختيار. فإذا خرجت الإدارة من دائرة التقدير إلى دائرة التعسف أو الخطأ أو عدم التناسب، تدخَّل القاضي وأعادها إلى حدود المشروعية.

ولا تمثل السلطة التقديرية للإدارة استثناءً من مبدأ المشروعية لأن المُشرّع نفسه هو الذي منحها هذه السلطة، وإنما تمثل أحد تطبيقاتها. ويقول الفقيه الفرنسي “ميشيل فيري” “إن السلطة التقديرية تتحقق كلما استطاعت الإدارة أن تتصرف بحرية دون أن يفرض القانون عليها مسبقًا مسلكًا معينًا.” مؤدى ذلك انه إذا فرض القانون على الإدارة مسلكا معينا لا تكون لها حرية الاختيار. ومثال للسلطة التقديرية أن يحدد القانون أنواع الجزاءات، لكنه يترك للإدارة اختيار الجزاء المناسب للمخالفة.

ولا يجوز للقاضي أن يستخدم تقديره الشخصي محل تقدير الإدارة؛ أو يختار القرار الأفضل إداريًا؛ أو يدير المرفق العام بدلًا من الإدارة، لكن يجوز له إلغاء القرار غير المشروع، وكشف الخطأ الظاهر في التقدير، ومنع التعسف والانحراف بالسلطة.

ويقع عبء إثبات الانحراف بالسلطة على الطاعن. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن إساءة استعمال السلطة والانحراف بها من العيوب القصدية التي لا تُفترض، وإنما يجب إقامة الدليل عليها، وأن مجرد اختلاف الرأي مع الإدارة لا يكفي لإلغاء القرار (طعن رقم 797 لسنة 31 ق. عليا، جلسة 26/5/1990). وفي حكم آخر، أكدت المحكمة أن الإدارة تملك سلطة تقديرية في إنهاء الخدمة متى منحها القانون ذلك، وأن القضاء لا يتدخل في المفاضلة بين المرشحين ما لم يثبت الانحراف أو الخطأ الجسيم في التقدير. (طعن رقم 3657 لسنة 40 ق. عليا، جلسة 20/6/1995).

ومن المهم التفريق بين “السلطة التقديرية” و “السلطة المقيدة” لأنه يترتب على هذا التفريق تحديد مدى حرية الإدارة في اتخاذ القرار، ونطاق الرقابة القضائية عليه. ويُقصد بالسلطة المقيدة تلك التي يُلزم فيها القانون الإدارة باتخاذ قرار معين متى توافرت شروطه القانونية دون أن يكون لها حرية الاختيار. ومثالها، إذا نص القانون على أن يُمنح الترخيص إذا استوفى طالبه شروطا معينة، لا يجوز للإدارة عدم إصداره إذا توافرت تلك الشروط. أما إذا نص القانون على أنه “يجوز للجهة الإدارية منح الترخيص إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.” هنا، تستطيع الإدارة منح الترخيص أو رفضه في ضوء تقديرها للمصلحة العامة.

ومن صور ممارسة الإدارة لسلطتها التقديرية تقدير الوقائع، والسبب، والوقت، والوسيلة، والجزاء، والأولويات، والمصلحة العامة. وكلما استخدم المُشرّع عبارات مثل “يجوز”أو “إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك”أو “وفقًا لما تراه الجهة المختصة”، كان ذلك قرينة على وجود سلطة تقديرية للإدارة، لكن إذا استخدم كلمات مثل “يجب” أو “يلتزم” فإن ذلك يدل، غالبًا، على سلطة مقيدة، ما لم يكشف تفسير النص عن خلاف ذلك.

وقد يجتمع في القرار الإداري الواحد عناصر مقيدة وأخرى تقديرية. ومثاله، في ترخيص البناء، يدخل استيفاء المستندات والشروط القانونية ضمن السلطة المقيدة. أما تقدير اشتراطات التخطيط أو الاعتبارات الأمنية أو المرورية التي يجيز القانون مراعاتها فتدخل ضمن السلطة التقديرية. ولا يعني التمييز بين السلطتين أن القضاء يراقب الأولى ولا يراقب الثانية، بل يختلف مدى الرقابة في الحالتين؛ فبينما تكون في السلطة المقيدة كاملة ويجوز للقاضي إلغاء القرار الإداري، لا يحل القاضي في السلطة التقديرية محل الإدارة في تقدير الملاءمة لكنه يراقب مشروعية القرار.

ولا تُعد السلطة التقديرية سلطة مطلقة. فإذا حدد القانون جزاءً معينًا، لا تملك الإدارة مخالفته بحجة سلطتها التقديرية؛ فالسلطة التقديرية توجد فقط في المساحة التي تركها القانون، وتظل الإدارة مقيدة بمبادئ المشروعية، والمساواة، وعدم التعسف، وعدم الانحراف بالسلطة، وعدم إساءة استعمالها، والتناسب، والغلو في تقدير الجزاء.

وتُعد المصلحة العامة الحد الفاصل بين التقدير المشروع، من جهة، والتعسف غير المشروع من جهة أخرى. ويقول الفقيه الفرنسي “جاستون جيز”: ” الاختصاص الإداري يُمنح لتحقيق غاية معينة، فإذا استُعمل لتحقيق غاية أخرى كان مشوبًا بالانحراف.”

ومثال للالتزام بمبدأ المساواة، أنه لا يجوز للإدارة معاملة حالات متماثلة معاملة مختلفة بلا سبب موضوعي. ولا تعني الحرية في الاختيار التحكم أو الهوى. وحيث يوجد سبب غير صحيح أو غاية غير مشروعة، تنتهي السلطة التقديرية ويبدأ عدم المشروعية.

والأصل أن الإدارة حرة في التقدير، لكنها ليست حرة في الخطأ أو التعسف. والقاضي لا يحل محل الإدارة، فلا يختار بدلًا منها ولا يقرر ما هو “الأفضل”، وإنما يراقب المشروعية والتناسب. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه “ولئن كانت للإداة سلطة تقدير خطورة الذنب الإداري وما يناسبه من جزاء بغير معقب عليها في ذلك، إلا أن مناط مشروعية هذه السلطة ألا يشوب استعمالها غلو، فإذا اتسم الجزاء بعدم الملاءمة الظاهرة بين المخالفة والعقوبة كان مشوبًا بالغلو ومخالفًا للمشروعية.” (طعن رقم 563 لسنة 7 ق.، جلسة 11/11/1961).

ويعكس هذا الحكم تطورا حديثا؛ إذْ كان الاتجاه التقليدي هو امتناع القضاء عن مراقبة “الملاءمة”، لكنه توسع تدريجيًا من خلال رقابة “الغلو” والتناسب. وقد مر القضاء المصري بأربع مراحل: الأولى، عدم الرقابة. والثانية، رقابة السبب. والثالثة، رقابة الغلو. والرابعة، رقابة التناسب والخطأ الظاهر.

ويسود الخلط بين مصطلحات “الغلو” و “التناسب” و “الخطأ الظاهر في التقدير”. وتجدر ملاحظة أن المحكمة الإدارية العليا المصرية لم تستخدم هذه المصطلحات كمترادفات، بل تطور استخدامها عبر الزمن. ويقوم مبدأ “التناسب” على ضرورة وجود علاقة متوازنة بين جسامة المخالفة، وخطورة الجزاء المُوقع، والهدف الذي تسعى الإدارة إلى تحقيقه. فالإدارة تملك سلطة تقديرية في اختيار الجزاء، لكن يجب أن يكون اختيارها متناسبًا مع الوقائع، ويجب أن يكون الجزاء داخل الحدود المعقولة. ويعد التناسب معيارًا موضوعيًا لقياس مشروعية ممارسة السلطة التقديرية.

أما “الغلو” فيُقصد به تجاوز الإدارة الحد المعقول في استعمال سلطتها التقديرية بحيث يصبح الجزاء مبالغًا فيه بصورة ظاهرة لا تتفق مع جسامة الذنب. ومن ثم، يُعد الغلو صورة مشددة من عدم التناسب. ولا يُعد الغلو مبدأ مثل التناسب، وإنما عيب يصيب القرار الإداري. وكان القاضي الإداري المصري لا يتدخل في تقدير الجزاء إلا إذا بلغ عدم التناسب حدًا صارخًا. ولذلك استخدم مصطلح “الغلو في الجزاء” بدلا من “عدم التناسب”. ولا يتحقق الغلو بمجرد قسوة الجزاء، وإنما يشترط أن يبلغ عدم التناسب حد المفارقة الصارخة التي تكشف عن إساءة استعمال السلطة.

ويمكن القول إن التناسب هو الأصل، فإذا اختل اختلالًا يسيرًا بقي القرار في نطاق السلطة التقديرية أما إذا بلغ الاختلال حد عدم الملاءمة الظاهرة أو الشطط الصارخ أصبح القرار مشوبًا بالغلو ويستوجب الإلغاء. وهذا هو السبب في أن المحكمة لا تلغي كل قرار ترى أنه “قاسٍ”، وإنما تلغيه فقط عندما يصل عدم التناسب إلى درجة الغلو.

أما “الخطأ الظاهر في التقدير” فيُقصد به أن خطأ الإدارة في تقدير الوقائع أو الموازنة بينها بلغ من الوضوح والجسامه حدًا يجعل القرار غير مشروع. ويُعد مجال الخطأ الظاهر أوسع من الغلو؛ فهو لا يقتصر على الجزاءات التأديبية، بل يمتد ليشمل مختلف القرارات الإدارية التي تقوم على سلطة تقديرية؛ كالقرارات الخاصة بالتراخيص والضبط الإداري، ونزع الملكية، وغيرها. ومعياره أن يكون خطأ الإدارة واضحًا وجسيمًا بحيث يدركه القاضي دون أن يحل نفسه محل الإدارة.

ومثال للغلو، موظف تأخر يومًا واحدًا لأول مرة، فعاقبته الإدارة بالفصل من الخدمة. هنا، يوجد غلو واضح لأن الجزاء لا يتناسب إطلاقًا مع المخالفة. ومثال لعدم التناسب، موظف ارتكب مخالفة متوسطة. فكان الجزاء خصم عشرة أيام. قد يرى البعض أن خمسة أيام كانت أنسب، لكن الفرق ليس فاحشًا. هنا، قد يوجد عدم تناسب من الناحية النظرية، لكنه لا يبلغ درجة “الغلو” التي تستوجب إلغاء القرار. ومثال للخطأ الظاهر في التقدير، مواطن طلب ترخيصا لإنشاء مبنى مطابق لجميع الاشتراطات، لكن الجهة الإدارية المختصة رفضت إصداره بحجة أنه سيُشوه المنظر العام، بينما المنطقة كلها تضم مباني مماثلة. هنا، تكون الإدارة قد وقعت في خطأ ظاهر جسيم في التقدير. وقد لا يكتفي القاضي بأن يصفه بالغلو، بل أيضا بالخطأ الظاهر.

وفي رأينا، ان السلطة التقديرية ليست امتيازًا للإدارة، بل أداة لتحقيق المصلحة العامة، فإذا خرجت عن هذا الهدف تحولت من سلطة مشروعة إلى تعسف يخضع لرقابة القضاء. وكل سلطة تقديرية بلا ضوابط هي بذرة لتعسف محتمل، وكل رقابة بلا احترام لحدود التقدير هي افتئات على وظيفة الإدارة. ولا تكمن الخطورة في اتساع السلطة التقديرية بل في غياب الضوابط التي تكفل ممارستها لتحقيق المصلحة العامة. وينبغي ألا تُستخدم السلطة التقديرية لسد فراغ تشريعي، بل كاختيار تشريعي أصلي يمنح الإدارة حرية الحركة دون أن يرفع عنها رقابة القضاء.

….. نستكمل في مقالنا القادم “صور الرقابة القضائية على السلطة التقديرية لجهة الإدارة”.