مُغالطة "الفزَّاعة" وما بتشبه بها من أسباب الطعن في الأحكام
محمود محمد علي صبره
الخبير الدولي في الصياغة التشريعية
في سنة 1952، في أثناء حملته الانتخابية لمنصب نائب الرئيس، اتُهم "ريتشارد نكسون" باستخدام مبلغ 18000 دولار لأغراضه الشخصية، كان قد تلقاه في شكل تبرعات لتمويل حملته الانتخابية، فرد بأنه تلقى هدية أخرى عبارة عن كلب وقال: "كما تعلمون كل الأطفال تحب الكلاب، وكذلك أنا. وبصرف النظر عن ما يُقال، فإنني سأحتفظ بالكلب ولن أعيده." ولم يكن منتقدوه قد انتقدوه لحصوله على الكلب كهدية ولم يطلب أحد إعادته. لكن حيلته نجحت في تشتيت انتباه الناس وتصوير مُنتقديه على أنهم مجردون من العواطف وينتظرون أي خطأ صغير ليهاجموه. تجدر الإشارة إلى أن نكسون انتُخب في تلك السنة هو وأيزنهاور بأغلبية ساحقة! وكثيرا ما يُطلق باللغة الإنجليزية على ما فعله "نكسون" مصطلح strawman fallacy ويعني حرفيا "مغالطة رجل القش"، ويقابله باللغة العربية مصطلح "الفزاعة" أو "خيال المآتة".
وهي حيلة تبدو منطقية يتم من خلالها تشويه حُجَّة الخصم عن طريق اصطناع فكرة هامشية ثم مهاجمتها وهدمها وكأنها دُمية وهمية من القش بدلا من مواجهة الفكرة الرئيسة. ومثالها، شخص يقترح "تقليل استخدام السيارات لتقليل الضرر المنبعث من العادم"، فيرد الآخر: "أنت تريد أن يعود الناس إلى ركوب الجمال"! هو لم يقل ذلك. ومثال ثان، من المجال القضائي: دفاع المدعي يقول "أطالب بتخفيف الجزاء." فترد جهة الإدارة "دفاع المدعي يريد إلغاء سلطة الإدارة في توقيع الجزاءات." لكن المدعي لم يطلب ذلك.
وتشبه هذه المغالطة مغالطة "الرجل المُجوَّف" hollow man والتي تحدث عندما ينسب المتحدث إلى خصمه رأيا ضعيفا لم يقله أصلا، ثم يهاجمه، ومثالها، أن يدفع الطاعن بأن "القرار مشوب بعيب السبب." فترد جهة الإدارة بأن "الطاعن يعترض على سلطة جهة الإدارة التقديرية." هو لم يذكر ذلك أصلا. لكن، على عكس ما يحدث في مغالطة "الفزاعة"، التي يتم فيها تحريف رأي قاله بالفعل الخصم، يتم في مغالطة "الرجل المجوف" اختلاق رأي لم يقله الخصم أصلا.
كذلك، تختلف مغالطة "الفزاعة" عن مغالطة "الرنجة الحمراء" red herring وفيها يتم صرف الانتباه إلى موضوع آخر بدلا من الموضوع الأصلي. ومثالها، المتحدث (أ) يقترح "تخفيض ساعات العمل لتحسين أوضاع العمل المعيشية"، فيرد المتحدث (ب) قائلا "ماذا عن العاطلين عن العمل؟ ألا توجد حلول لتحسين أوضاعهم المعيشية؟" لاحظ، أن الفكرة الأصلية كانت عن تخفيض ساعات العمل ولم تتطرق إلى أوضاع العاطلين عن العمل. لكن، باستخدام مغالطة "الرنجة الحمراء" تم تشتيت الانتباه إلى فكرة أخرى لا علاقة لها نهائيا بالفكرة موضوع النقاش. وسنتناول هذه المغالطة في مقال مستقل لاحقا.
وغالبا، تتم مغالطة "الفزاعة" من خلال أحد الأساليب الآتية:
أولا- "الاقتباس خارج السياق". يُعد الاقتباس خارج السياق من أكثر صور الخطأ الاستدلالي شيوعًا في المرافعات والمذكرات القانونية، وهو قريب من "المسخ والتحريف" و "مخالفة الثابت في الأوراق"، لكنه يختلف عنهما في أن النص المُقتبس يكون صحيحًا في ذاته، لكن الخطأ ينشأ من فصله عن سياقه الذي يحدد معناه الحقيقي. ومن صوره ما يلي:
1) تشويه نوايا المتحدث، ومثاله، إذا دفع الموظف بأن الجزاء التأديبي لا يتناسب مع المخالفة المنسوبة إليه، فتصور جهة الإدارة دفعه على أنه إنكار لحقها في التأديب أصلا.
2) اقتباس القاعدة وإخفاء القيود أو الاستثناءات التي تقيدها. ومثاله، أن تنص القاعدة على أنه "يجوز تعديل العقد إذا طرأت ظروف استثنائية عامة غير متوقعة." فيتم اقتباس القاعدة فقط وهي "يجوز تعديل العقد." مع إغفال شروط التعديل.
3) الاستشهاد بمبدأ قضائي دون توضيح الوقائع التي صدر فيها الحكم. ومثاله، الاستناد إلى حكم يُقرر حق الإدارة في فسخ العقد، مع إغفال أن الفسخ في ذلك الحكم كان بسبب خطأ جسيم من المُتعاقد.
4) تجاهل سياق السؤال والجواب. فقد يُقتبس الجواب وحده دون السؤال الذي يفسره. ومثاله، سُئل شاهد "هل تأخر المقاول في التنفيذ بسبب عدم تسليم الموقع؟" فأجاب "نعم." فيُقتبس أن "الشاهد قرر أن المقاول تأخر في التنفيذ." مع إغفال سبب التأخير وهو عدم تسليم الموقع.
5) اقتطاع جزء من شهادة الشاهد، كأن يتم إبراز ما يؤيد موقفًا مُعينًا وإخفاء ما ينفيه. ومثاله "الموظف ارتكب المخالفة، لكنه كان ينفذ تعليمات من رئيسه." فيُقتبس فقط الجزء الذي ينص على أن "الموظف ارتكب المخالفة." ويُصوَّر الأمر كما لو كان الموظف يُقر بارتكابه المخالفة.
6) تجاهل التسلسل الزمني للوقائع. كأن يتم اقتباس واقعة منفردة وإغفال ما سبقها أو تلاها. ومثاله، إبراز خطاب إنذار للمقاول بسبب تأخره في تنفيذ الأعمال، مع إخفاء الخطابات اللاحقة التي منحته تمديدًا لمدة التنفيذ عن ذلك التأخير.
7) نقل النص دون توضيح ظروفه الواقعية، وهي صورة شائعة في المرافعات والأحكام القضائية. ومثاله، الاستناد إلى حكم قضائي صَدَر بشأن عقد بيع مدني لتطبيقه على عقد إداري رغم اختلاف الطبيعة القانونية للعقدين.
8) بتر النص القانوني، كأن يتم الاستناد إلى صَدْر المادة وإغفال عَجْزها. وقد يتم ذلك، عن طريق اقتطاع عبارة أو جملة أو جزء من نص وعرضه بمعزل عن السياق الذي ورد فيه بما يؤدي إلى إعطائه معنى مختلفًا أو مناقضًا للمعنى المقصود أصلًا. ومثاله، أن يكون النص"يجوز للجهة الإدارية توقيع غرامة التأخير ما لم يكن التأخير راجعًا إلى سبب أجنبي." فيُستشهد فقط بالجزء الأول. ومثال ثان، من مجال العمل القضائي، قد تستشهد جهة الإدارة بعبارة من حكم قضائي تقول "للإدارة سلطة تقديرية في توقيع الجزاءات" لكنها تتجاهل بقية الفقرة التي تنص على أن ذلك " شريطة ألا يشوب قرارها إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها."، فيظهر الحُكم وكأنه يمنح جهة الإدارة سُلطة مُطلقة، بينما السياق الكامل يُقرر خلاف ذلك.
9) الجمع بين نصوص مُتفرقة بصورة مُضللة. كان يتم أخذ عبارات من مواضع مختلفة وتجميعها بما يوحي بمعنى لم يقصده النص الأصلي.
10) اقتباس الأحكام القضائية دون أسبابها؛ كأن يتم الاستناد إلى منطوق الحكم فقط دون توضيح الأساس القانوني الذي بُني عليه. ومثاله، القول بأن المحكمة رفضت التعويض في قضية معينة، مع إغفال أن الرفض كان لعدم ثبوت الضرر وليس لإنكار الحق في التعويض من حيث المبدأ.
ثانيا- اختزال الرأي في عبارة مُبسطة أو مُبالغ فيها. ومثال للتبسيط المُخل، أن يقول الشخص (أ) "ينبغي وضع ضوابط قانونية على استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض المجالات الحساسة." فيعرضها الشخص (ب) على النحو الآتي "إنه يريد منع الذكاء الاصطناعي تمامًا." هنا، لم يُنقل الرأي كما هو، بل جرى تبسيطه وتحويله إلى موقف ضعيف تسهل مهاجمته. ومثال ثان، أن يقول دفاع المقاول: "التأخير يرجع جزئيًا إلى تأخر الجهة الإدارية في اعتماد الرسومات." فترد الإدارة: "المقاول يريد إعفاءه بالكامل من أية مسؤولية عن التأخير." بينما الدفع الحقيقي قد يكون مجرد طلب تخفيض أو استبعاد جزء من الغرامة. ومثال ثالث، أن يدفع الدفاع بأن "المحكمة لم تناقش المستند الجوهري رقم (5)." فيرد الخصم بأن "الطاعن يطلب من المحكمة أن تُعيد مناقشة الأدلة." في حين أن الدفع قد يكون متعلقًا بالقصور في التسبيب لا بإعادة تقدير الوقائع.
وقد يتم اختزال الرأي عن طريق المبالغة فيما يعرضه الخصم، ثم مهاجمة تلك النسخة المُبالغ فيها. والفرق بين التبسيط المُخل والمُبالغة المُخلّة أن الأول يُضعف الحجة باختزالها، بينما الثاني يُشوّهها بتضخيمها وإعطائها معنى لم تتضمنه أصلًا. ومثالها، قد يكون الرأي الأصلي: "ينبغي تشديد الرقابة على الإنفاق العام." فتُعاد صياغته كما يلي "إنه يريد تحويل الدولة إلى جهاز رقابي يُراقب كل صغيرة وكبيرة ويُعطل العمل الحكومي.". ومثال ثان، قد يكون الرأي الأصلي "ينبغي تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي"، فتُعاد صياغته بشكل مُبالغ فيه كالآتي "أنتم تعادون التكنولوجيا وتريدون العودة إلى العصر الحجري."
ومن الأمثلة في المجال القضائي، أن المدعي قد يدفع بتوافر حالة القوة القاهرة لأن "القرار السيادي أدى إلى استحالة التنفيذ." فيرد الخصم بأن "المدعي يزعم أن أي قرار حكومي، مهما كان بسيطًا، يترتب عليه إعفائه من تنفيذ التزاماته." ومثال ثان، قد يدفع المدعي بأن "المحكمة لم ترد على دفع جوهري." فيرد الخصم بأن "الطاعن يريد من المحكمة أن ترد على كل كلمة وردت في مذكراته" في حين أن الدفع يتعلق بدفع جوهري مُحدد، لا بكل ما ورد في المذكرات.
ثالثا- المسخ والتحريف. في اللغة، يُقصد بالمسخ تحويل صورة مُعينة إلى ما هو أقبح منها، أما التحريف فهو الميل والعدول عن المعنى الأصلي. ويتم المسخ والتحريف عن طريق تحويل الراي إلى فكرة مشوهة مُختلفة تماما عن الفكرة الأصلية. ويختلف "الاقتباس خارج السياق" عن "المسخ والتحريف" في الوسيلة المُتبعة والأثر المُترتب عليها؛ فبينما يتم في الأول حذف جزء من النص أو الوقائع، يتم في الثاني تحريف مضمون النص أو الوقائع؛ وبينما، في الأول، يظل النص المُقتبس صحيحا كما هو، يتم تشويهه وتحريفه في الثاني، وبينما يتم إعطاء معنى مضلل للنص المُقتبس في الأول، يُختلق في الثاني معنى غير موجود أصلا.
ومثال للمسخ والتحريف من مجال المناقشات العامة أن يقول الشخص (أ) "يجب تخفيف القيود التي تفرضها القوانين التي تحظر بيع البيرة." فيرد الشخص (ب) "لا، إنّ أي مجتمع يُتاح فيه للناس شرب المشروبات الكحولية يفقد أخلاقه." لاحظ أن الشخص (أ) لم يقترحً السماح باستخدام المشروبات الكحولية دون قيود، وكان اقتراحه الأصلي هو تخفيف القيود التي تفرضها القوانين التي تحظر بيع البيرة فقط، لكن الشخص (ب) قام بتحريفه بحيث يشمل كل المشروبات الكحولية. ومثال ثان، ان يطالب الراي الأصلي "بتعديل الأسعار في العقود طويلة الأجل عند حدوث تغيرات استثنائية غير متوقعة." فيتم تحريفه وتشويهه عن طريق تصويره على أنه "يريد التخلص من العقد كلما ارتفعت الأسعار." أو اختزاله على أنه "يريد إعطاء الحق في تعديل أسعار العقد".
وفي رأينا، أن "مغالطة الفزاعة" لا تُعد سببا مستقلا للطعن في الأحكام وإنما قد تتجسد في صورة عيب قانوني مُعترف به قضائيا، مثل: الفساد في الاستدلال إذا أدى الاقتباس المبتور إلى استخلاص نتيجة لا تؤدي إليها الأوراق، أو "مخالفة الثابت في الأوراق" إذا نسب الحكم إلى مُستند أو شهادة معنى يُخالف مدلولها الحقيقي، أو "القصور في التسبيب" إذا أغفل أجزاء جوهرية من الدليل كان من شأنها تغيير وجه الرأي في الدعوى، أو "الإخلال بحق الدفاع" إذا تجاهل أجزاء من المُستندات أو المذكرات التي تمسك بها الخصم وكانت مؤثرة في النتيجة التي انتهى إليها.
... تابعونا الخميس القادم عن موضوع "مغالطة الرنجة الحمراء".
