تمييز "نظرية الظروف الطارئة" عن "الحوادث الاستثنائية العامة" وما يتشبه بهما
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
عندما يتوصل طرفان إلى اتفاق، يُصبحان ملتزمين بالتزامات معينة في المستقبل على أساس مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"، أو ما يُعرف باسم "قُدسية العقد". ومع ذلك، يُمكن أن يؤدي التطبيق الجامد لهذا المبدأ إلى أضرار بالغة، خصوصا في العقود طويلة الأجل؛ إذْ قد تطرأ ظروف جديدة لم تكن في الحسبان وقت الدخول في العقد تجعل تنفيذه أمرا شاقا جدا على أحد الطرفين وإن لم يكن مستحيلا. ويبدو حدوث ذلك أمرا حتميا لعدد من العوامل؛ من أبرزها تغير الوضع السياسي في دولة ما، أو حدوث ارتفاع كبير في أسعار المواد الخام، أو تقلبات مفاجئة في ظروف السوق، إلخ. وكلما طالت مدة العقد، زادت المخاطر التي يمكن أن تنشأ عن تلك الظروف.
ولنفرض أن شركة تعاقدت على توريد مواد لجهة إدارية، وحدث ارتفاع عالمي في الأسعار بنسبة 70% ما يهدد بتوقف تنفيذ المشروع. فهل يقف القاضي عاجزا عن التدخل لتطويع العقد للتعامل مع الأوضاع الجديدة؟ في هذا السياق، ظهرت في النظام القانوني اللاتيني نظرية "الظروف الطارئة"؟ ونظرية "الحوادث الاستثنائية العامة" (أو "التوازن المالي للعقد")، وظهرت نظريات مقابلة لهما في النظام الأنجلو-ساكسوني؛ منها نظرية "الظروف الشاقة" hardship theory. وتتقاطع هذه النظريات معا في كثير من الشروط وتختلف في غيرها. ويسود الخلط فيما بينها رغم اختلاف كل منها في مصدرها، ومجالها، وطبيعتها، ونوع الحوادث التي تدخل ضمنها، والآثار القانونية المترتبة عليها. ونتيجة لهذا الخلط، قد يتم الدفع بتطبيق إحدى هذه النظريات في حين أن نظرية أخرى هي التي تنطبق على الواقعة المنظورة.
ويُقصد "بنظرية الظروف الطارئة" أن تطرأ خلال تنفيذ العقد حوادث استثنائية عامة غير متوقعة تجعل تنفيذ الالتزام مُرهقا، وليس مستحيلا، يترتب عليها أن تُنزل به خسائر فادحة تختل معها اقتصاديات العقد اختلالا جسيماً. ولها في الفقه الإسلامي تطبيقات فقهية عديدة تحت أسماء العُذر، والجوائح، وتغير القيم النقدية، وغيرها. وتمتد جذورها إلى القانون الروماني، وقد تطورت من خلال المبادئ القضائية في كل من ألمانيا وفرنسا في مطلع القرن العشرين، وتقترن بالمذهب الألماني الذي يُعرف باسم "اختفاء أساس الصفقة". وبعد الحرب العالمية الأولى، أصبحت تشمل التضخم الفادح. وفي فرنسا، اعترف القانون الإداري الفرنسي بالمبدأ عقب قضية "غاز بوردو" في سنة 1916، ما سمح بإعادة النظر في العقود الإدارية.
وفي مصر، تستند هذه النظرية إلى مادة (147-2) من القانون المدني المصري ومضمونها أنه "إذا طرأت حوادث استثنائية عامة غير متوقعة تجعل تنفيذ الالتزام مُرهقًا- وليس مستحيلاً- جاز للقاضي تعديل الالتزام لرَدِه إلى الحد المعقول." ومن جهة نطاقها، فإنها تُطبق على كل العقود (المدنية والتجارية والإدارية). ومن جهة أنواع الحوادث التي تشملها، فتسري على كل حادث عام (يؤثر على قطاع بأكمله وليس المدين فقط)، استثنائي (بمعنى غير مألوف)، وغير متوقع (لم يكن في الحسبان وقت الدخول في العقد)، يؤدي إلى حدوث إرهاق شديد في التنفيذ. وفي حالة حدوثه، يلتزم الطرفان بإعادة التفاوض، ويجوز للقاضي التدخل لتوفيق أوضاع العقد (بمعنى تحديثه) بحيث يأخذ في الحسبان تلك الظروف.
ومن أمثلة الحوادث التي تنطبق عليها، حدوث ارتفاع مفاجئ وحاد في الأسعار (التضخم غير العادي)؛ أزمة اقتصادية مفاجئة؛ نقص حاد في المواد الأولية عالميًا؛ جائحة تؤثر على التكلفة (مثل جائحة كورونا). ولا يعتبر ارتفاع سعر الدولار ظرفا طارئا (فتوى للجمعية العمومية لمجلس الدولة المصري في 22 أبريل 2003). ولا يعفي تطبيقها المُتعاقد من غرامة التأخير.
ومناط معيار "عدم التوقع" ألا يكون في مقدور الشخص العادي، وليس الرجل الحريص، توقع وقوع الحادث وقت التعاقد. ومثال ذلك، في عقود المقاولات والتوريد، الارتفاع الفاحش المفاجئ في أسعار مواد البناء أو الحديد أو النقل بسبب ظرف اقتصادي غير متوقع يمس قطاعا عاما بأكمله، بحيث يجعل تنفيذ العقد مُكلفا جدا للمُتعاقد وليس من المستحيل تنفيذه. هنا، يجوز له التمسك بنظرية الظروف الطارئة وطلب تدخل القاضي لإعادة التوازن العقدي، لا لفسخ العقد مباشرة. أما إذا كان مجرد تقلب عادي في الأسعار أو أمر متوقع في طبيعة النشاط، فلا مجال لإعمال النظرية. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأنه "لا يكفي ارتفاع الأسعار المُعتاد لتطبيق نظرية الظروف الطارئة، بل يجب أن يكون الارتفاع غير مألوف واستثنائيًا." (طعن رقم ١٠٢٦ لسنة ٤٨ ق.، جلسة ٢٨/٥/١٩٨٤).
ويلزم أن تكون الخسارة فادحة، وأن يحدث الظرف الطارئ خلال مدة تنفيذ العقد. ويجوز للقاضي في هذه الحالة أن يتدخل لرد الالتزام إلى الحد المعقول وإلزام جهة الإدارة بمشاركة المُتعاقد في تحمل جزء من الخسارة". لكن لا يجوز له "أن يتدخل من تلقاء نفسه، بل يجب أن يتمسك المدين بذلك صراحة، وأن يثبت أن الحادث استثنائي، وعام، وغير متوقع، وأن التنفيذ وإن لم يصبح مستحيلاً قد صار مرهقًا يُهدده بخسارة فادحة." (طعن رقم 1026 لسنة 48 ق. جلسة 30/12/1981). مؤدى ذلك، أن نظرية الظروف الطارئة ليست من النظام العام، ولا يجوز للقاضي إعمالها من تلقاء نفسه، بل يجب أن يطلب المدين صاحب المصلحة تطبيقها.
أما "نظرية الحوادث الاستثنائية العامة"- وتُسمى أيضا "نظرية التوازن المالي للعقد"، فأصلها قضاء مجلس الدولة وأساسها الحفاظ على استمرارية المرفق العام، والتوازن العقدي طوال مدة تنفيذ العقد. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه "إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وأدت إلى إرهاق المُتعاقد، وجب على جهة الإدارة أن تشاركه في الخسارة لإعادة التوازن المالي للعقد. (طعن رقم 1557 لسنة 30 ق.، جلسة 30/12/1989). ويشمل نطاقها كل حادث عام استثنائي لا يد للمتعاقد فيه يؤدي إلى خسارة جسيمة تتجاوز المخاطر الطبيعية وتهدد التوازن المالي للعقد. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه "لا يشترط أن تجعل الحوادث التنفيذ مستحيلاً، بل يكفي أن تجعله مُرهقًا إرهاقًا جسيمًا." ويترتب على تطبيقها تعويض المُتعاقد جزئيا لمساعدته على تنفيذ التزاماته حتى لا يتوقف المشروع.
وما يُثير المفارقة، أن مادة (147-2) من القانون المدني المصري المُشار إليها تشكل الأساس لكلتا النظريتين وتتقاطعان معا لدرجة أن القضاء الإداري كثيرًا ما يُعامل الحوادث الاستثنائية العامة بوصفها تطبيقًا خاصًا ومُتقدمًا لنظرية الظروف الطارئة في العقود الإدارية. وتُعد نظرية الظروف الطارئة هي الأصل، ونظرية الحوادث الاستثنائية العامة (أو التوازن المالي للعقد) فرعا متخصصا. وتكمن الفروق الجوهرية بينهما في أنه بينما تستند الأولى إلى القانون المدني وتطبق على كل العقود، ويتمثل الضرر في "الإرهاق الشديد"، ويتدخل القاضي لتعديل الالتزام نفسه (تعديل السعر، الكمية، المدة)، تستند الثانية إلى القضاء الإداري، وتُطبق في حالة العقود الإدارية فقط، ويتمثل الضرر في "الخسارة الجسيمة"، ويترتب عليها التعويض المالي، ويركز القاضي على إعادة التوازن المالي بين الطرفين وإلزام الإدارة بالمساهمة في الخسائر.
وبإنزال ما سبق على الواقعة المذكورة في صدر هذا المقال، فإنه إذا حدث ارتفاع حاد في الأسعار في عقد إداري (مقاولة حكومي أو توريد عام) وكانت الخسارة فادحة تهدد المشروع، تُطبق نظرية الحوادث الاستثنائية العامة، والحل تعويض جزئي من الجهة الإدارية للمُتعاقد. أما إذا كان العقد مدنيا أو تجاريا (عقد خاص بين شركتين أو أفراد)، وكان التنفيذ ما زال ممكنًا لكن بتكلفة مرهقة، تُطبق نظرية الظروف الطارئة، والحل تعديل السعر أو إعادة التوازن. ولا يكفي مجرد ارتفاع الأسعار بنسبة مُعينة لتطبيق أي من النظريتين، بل يجب إثبات أن الزيادة أدت فعلاً إلى إرهاق غير مألوف أو اختلال جسيم في اقتصاديات العقد.
وللتمييز بين النظريتين، اسأل نفسك السؤالين الآتيين:
1) هل العقد إداري يتعلق بتسيير مِرفق عام ويتأثر الاستمرار في تنفيذه بالحادث محل النظر؟ فإذا كانت الإجابة: نعم، تُطبق نظرية الحوادث الاستثنائية العامة (أو التوازن المالي للعقد).
2) هل يمكن إعادة التوازن "بتعديل الالتزام" نفسه (تعديل السعر، الكمية، المدة)، أم بتحميل جهة الإدارة جزءا من الخسارة؟ فإذا كانت الإجابة: "تعديل الالتزام"، تُطبق نظرية الظروف الطارئة. أما إذا كانت "تحميل جهة الإدارة جزءا من الخسارة"، كان الحادث استثنائيا عاما.
انتظرونا يوم الخميس القادم في مقالنا عن موضوع "نظرية الصعوبات المادية وما يتشبه بها".
