"التمييز بين النظام الأساس واللائحة الداخلية والقواعد ذات الصلة
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
يُعتبر النظام الأساس واللائحة الداخلية من أهم الوثائق اللازمة لإنشاء وتنظيم إدارة أي كيان قانوني بما في ذلك أية شركة مُساهمة أو ما في حُكمها، أو جهة إدارية، أو جمعية أو إتحاد، أو حتى برلمان. ويسود الخلط بين المُصطلحين ويُستخدمان أحيانا كمترادفين، لكنهما ليسا كذلك. فما التكييف القانوني لكل منهما وما أوجه الشبه والتفرقة بينهما؟ وما الشكل الذي قد يَصدر فيه النظام الأساس؟ وما نوع القواعد التي يتضمنها كل منهما والأثر المترتب على مُخالفتها؟ وهل يجوز للائحة الداخلية أن تُنشئ قواعد موضوعية أو جزاءات أو قيود غير منصوص عليها في القانون أو النظام الأساس؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنجيب عنها في هذا المقال.
يُقصد بالنظام الأساس الوثيقة القانونية التأسيسية التي تُحدد إسم الكيان، ومقره الرئيس، والغرض منه، ومدته، وشروط العضوية، وحقوق الأعضاء والتزاماتهم، وشروط إنعقاد الجمعية العمومية، وتنظيمه الإداري وسلطات مجلس الإدارة، وخلافه. ومن المبادئ القضائية ذات الصلة أن "الشخصية الإعتبارية لا تثبت إلا بنص أو إنشاء قانوني صحيح." (طعن رقم 525 لسنة 44 ق.). ولا يجوز الإنحراف عن الغرض المُحدد في النظام الأساس (طعن رقم 1966 لسنة 32 ق.، الإدارية العليا). ولا يجوز لمجلس الإدارة التوسع في إختصاصاته وتجاوز إختصاص الجمعية العمومية، كذلك لا يجوز إسقاط العضوية دون سند قانوني (طعن رقم 3486 لسنة 44 ق.).
أما اللائحة الداخلية فهي تُحدد كيفية إدارة شؤون الجهة وتُستخدم كأساس للمُساءلة التأديبية. وبينما يُعد النظام الأساس "الإطار القانوني المُنشئ" للجهة أو "دستورها"، تُعد اللائحة الداخلية "الأداة التنفيذية لأحكامها". والعلاقة بينهما علاقة تكامل لا إنفصال بينهما أو تعارض.
ويختلف النظام الأساس عن اللائحة الداخلية من نواحي عدة؛ فمن جهة مرتبة كل منهما في التدرج التشريعي يُعد النظام الأساس الأصل ويحتل مرتبة أعلى من اللائحة. ومن جهة الوظيفة، تتمثل وظيفة النظام في إنشاء كيان قانوني وتحديد الغرض منه وتنظيمه الإداري، في حين تتناول اللائحة طريقة تشغيله. ومن جهة المضمون، يتضمن النظام قواعد عامة مُجردة في حين تتناول اللائحة قواعد تفصيلية. ومن جهة سُلطة الإصدار، يَصدُر النظام، غالبا بتشريع أو من جمعية تأسيسية أو السلطة التنفيذية المختصة في حين تصدر اللائحة من مجلس الإدارة أو الجمعية العمومية. وبينما يَصعب تعديل النظام الأساس، من السهل نسبيا تعديل اللائحة. وبينما يخضع النظام لرقابة مُشددة لأنه يمس الوجود القانوني للجهة، تخضع اللائحة لرقابة المشروعية فقط.
ومن المبادئ المُستقرة أن "اللائحة الداخلية لا يجوز لها أن تخالف النظام الأساس، وإلا كانت باطلة بقدر المخالفة." وهذا المبدأ مُستقر في قضاء محكمة النقض (في الشركات والجمعيات) وقضاء المحكمة الإدارية العليا (في الجهات والهيئات العامة). وتُعد مخالفة اللائحة للنظام الأساس بمثابة عيب يمس المشروعية (مخالفة القانون) وقد يترتب عليها إنعدام القرار أو الإجراء إذا مست الإختصاص أو التكوين. وبشكل عام، فإن كل ما يتعلق بالإختصاص والحقوق الأساسية يُوضع في النظام الأساس، وكل ما يتعلق بالإجراءات يُوضع في اللائحة.
ومن جهة التكييف القانوني، ينبغي التفريق بين التكييف في القضاء الإداري (فيما يتعلق بالجهات العامة) والتكييف في القضاء المدني (فيما يتعلق بالشركات والإتحادات والجمعيات). ومن جهة القضاء الإداري، تُعد اللائحة قرارا إدايًا تنظيميًا، يخضع لرقابة المشروعية، ويجب أن يَصدر في حدود النظام الأعلى. وفي ذلك، قضت المحكمة الإداية العليا بأنه "لا يجوز أن تُنشئ اللوائح الداخلية حقوقًا أو إلتزامات تُخالف ما ورد في النظام الأساس." ويترتب على ذلك، فيما يتعلق بالجهات العامة، أنه يُمكن الطعن على اللائحة مباشرة أمام القضاء الإداري. ومن جهة القضاء المدني، يُعد النظام الأساس المرجع الأعلى، وأية لائحة داخلية تخالفه لا يُعتد بها. ومثال ذلك، إذا نص النظام الأساس على طريقة مُعينة للتصويت وتضمنت اللائحة ما يتعارض معها، يُطبق النظام الأساس.
وقد تأتي الأحكام الخاصة بالنظام الأساس في وثيقة مُنفصلة، كما هو الحال في الشركات والإتحادات والجمعيات. وقد تأتي الأحكام ذات الصلة في عقد التأسيس. وفي حال الجهة العامة، قد تأتي في القانون المُنشئ لها أو لائحته التنفيذية، بل قد تأتي في الدستور كما هو الحال فيما يتعلق بالأحكام التي تُنظم عمل البرلمان. ويترتب على ذلك أنه لا يجوز للائحة الداخلية أن تخالف تلك الأحكام وإلا كانت مُخالفة للدستور وتعرضت لشُبهة عدم الدستوية.
ويختلف التكييف القانوني للائحة الداخلية على حسب وظيفتها ونوع القواعد التي تتضمنها والجهة المُصدرة لها (البرلمان، جهة حكومية، شركة، إتحاد شاغلين، جمعية أهلية، إلخ.). وبشكل عام، تُعد اللائحة الداخلية قرارا إداريا تنظيميا متى صدرت عن جهة إدارية لتنظيم مرفق عام لأنها تتضمن قواعد عامة مُجردة وتُنظم مرفقًا أو نشاطًا داخليًا، وبالتالي تخضع لرقابة القضاء الإداري إذا صدرت من سُلطة غير مُختصة، أو خالفت القانون، أو شابها الغموض أو الإنحراف. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأن "اللوائح التنظيمية التي تُصدرها الجهات الإدارية هي قرارات إدارية عامة مُجردة تخضع لرقابة القضاء الإداري إلغاءً وتعويضًا" (طعن رقم 1969 لسنة 32 ق.، جلسة 18/2/1989).
ويحدث كثيرا الخلط بين القواعد الموضوعية وكل من قواعد الإجراءات وقواعد النظام. ويُقصد بالقواعد الموضوعية القواعد التي تُنشئ مراكز قانونية، أو تُقرر حقوقًا أو إلتزامات، أو تضع معايير موضوعية للسلوك أو الإختصاص. ومثالها، القواعد التي تُحدد شروط العضورية، أو إختصاصات مجلس الإدارة، او حقوق الأعضاء، او إلتزامات الشاغلين في إتحاد الشاغلين. وهذه القواعد تخضع لرقابة القضاء من جهة مشروعية مضمونها وليس فقط من جهة شكلها، وتُعد مُخالفتها عيبا جسيما يترتب عليه البُطلان. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن مخالفة القواعد الموضوعية التي رسمها القانون لتنظيم سُلطة الإدارة تُعد عيبًا جسيمًا في القرار الإداري يُبطله دون حاجة لإثبات ضرر." (طعن رقم 2107 لسنة 37 ق.ع.، جلسة 5/4/1997).
وفي حال البرلمان، تُعد اللائحة الداخلية خليطا من ثلاثة أنواع من القواعد: قواعد موضوعية، وقواعد إجراءات، وقواعد نظام (إنضباط)، ومن ثم، لا تقف عند حد القرار الإداري فقط بل تُعد قرارا إداريا تنظيميا داخليا. وتُعد القواعد الموضوعية في اللائحة الداخلية للبرلمان مُكملة للدستور لأنها تصدر بقانون بناءً على تفويض من الدستور مُباشرَة، وتُنظم عمل السلطة التشريعية نفسها، ومن ثم، تخضع لرقابة المحكمة الدستورية العليا وليس مجلس الدولة. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بأن "اللائحة الداخلية لمجلس الشعب تُعد قانونًا بالمعنى الموضوعي مُكملًا للدستور" (طعن رقم 3 لسنة 15 ق. دستورية، جلسة 4/1/1997). وفي حُكم آخر، قضت بأن "إختصاص المحكمة الدستورية يمتد إلى الرقابة على اللائحة الداخلية للبرلمان باعتبارها تشريعًا" (دعوى رقم 131 لسنة 19 ق. دستورية، جلسة 6/7/2002).
ويُقصد بقواعد الإجراءات مجموعة القواعد الشكلية والتنظيمية التي تُحدِّد كيفية مباشرة الحقوق وسير الأعمال داخل جهة ما. ومن خصائصها أنها لا تُنشئ حقا بل تنظم طريقة ممارسته، وترتبط بالإختصاص فهي تُحدد من يملك إتخاذ الإجراء وكيف ومتى يحدث ذلك، وتُحدد المواعيد والشكليات والخطوات الواجب إتخاذها بما يؤثر مباشرة في صحة القرار أو الإجراء. وقد تؤدي مُخالفتها إلى البطلان إذا كانت المخالفة جوهرية.
أما قواعد النظام فيُقصد بها تلك التي تُنظم سير الإجتماعات والمداولات داخل هيئة جماعية، مثل، ترتيب الجلسة وإدارة النقاش وطلب الكلمة وآلية التصويت وحفظ النظام والإنضباط. وعلى عكس قواعد الإجراءات، لا تؤدي مخالفة قواعد النظام إلى بُطلان القرار أو الإجراء إلا إذا أثرت فعليًا في نتيجة التصويت، أو حَرَمت عضوًا من حق جوهري، كالحق في التصويت أو إبداء الرأي، أو أخلّت بمبدأ المساواة أو الحياد، وفيما عدا ذلك، تُعد مخالفة شكلية غير جوهرية.
وعند تقرير الأثر المترتب على مُخالفة قواعد الإجراءات وقواعد النظام، يُطبق القضاء الإداري معيارا يُركز على أثر الإجراء وليس على وصف المُخالفة، وبموجبه يسأل القاضي: هل المخالفة أثرت في تكوين إرادة الجهة التي إتخذت القرار، أم لا؟ فإذا كانت الإجابة: نعم، كان الإجراء باطلا. ومثال للمُخالفة التي تؤدي إلى البُطلان: صدور قرار دون عرض الأمر على الجهة المختصة قانونًا، أو تجاوز ميعاد وجوبي، أوعدم استيفاء إجراء جوهري (تحقيق، إخطار، تسبيب، إلخ.). وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه "إذا أوجب المشرّع إتباع إجراء معين كضمانة أساسية، فإن إغفاله يترتب عليه بُطلان القرار الإداري، أما إذا كان الإجراء تنظيميًا لا يترتب على مُخالفته إخلال بحق الدفاع، فلا بُطلان." (طعن رقم 3134 لسنة 44 ق.ع.، جلسة 18/5/2002).
ومثال لمُخالفة قواعد النظام: عدم الإلتزام بترتيب طلب الكلمة، أو إختصار المناقشة، أو تقديم بند قبل آخر دون إعتراض، ولا يترتب على مثل ذلك الإجراء البُطلان، ما لم يثبت التأثير لأن البُطلان لا يُفترض بل يُبنى على الأثر. وفي ذلك قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "قواعد النظام الداخلي التي تضعها الجهة الإدارية لتنظيم سير العمل بها لا ترقى إلى مرتبة القواعد القانونية المُلزمة، ولا يترتب على مُخالفتها بُطلان القرار الإداري ما لم يترتب على المُخالفة إخلال بضمانة جوهرية أو مساس بحقوق الأفراد." (طعن رقم 1656 لسنة 40 ق.ع.، جلسة 27/2/1999).
وفي حالة الشركات والجمعيات، تُعد اللائحة الداخلية بمثابة تنظيم تعاقدي ذو طبيعة تنظيمية؛ بمعنى أنها ليست قرارًا إداريًا، ولا قاعدة دستورية بل إتفاق مُلزم للأعضاء. ومن ثم، تخضع للقانون المدني أو التجاري، ويُنظر النزاع بشأنها أمام القضاء العادي. وفي ذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "اللوائح الداخلية في الشركات والجمعيات تعد جزءًا من العلاقة التعاقدية بين الأعضاء" (طعن رقم 1594 لسنة 52 ق.، جلسة 30/12/1987).
أما في حالة إتحاد الشاغلين، فتُعد بمثابة إتفاق تنظيمي خاص مُلزم لأطرافه. فمن جهة، لا تُعد قرارًا إداريًا لأنها لا تصدر عن جهة إدارية، ومن جهة أخرى، لا تُعد عقدًا خالصا بين طرفين مُتعاقدين لأنها تنشأ بموجب قانون البناء المُوحد، ومن ثم، تخضع غالبًا لرقابة القضاء العادي. وفي ذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "العلاقات الناشئة عن المِلكية المشتركة وتنظيمها لا تُعد منازعات إدارية" (طعن رقم 1502 لسنة 46 ق.، جلسة 25/3/2006).
.... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن موضوع "صياغة دليل السياسات والإجراءات"
