الغرامات المالية الصادرة بأحكام قضائية بين التشريع التقليدي والتشريع الذكي
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
عندما صَدر قانون العقوبات المصري في سنة 1937، كانت عقوبة المُخالفات، عموما، لا تزيد على مبلغ ثابت؛ هو (10) جنيهات؛ وهو مبلغ أقل من ثمن كوز الذرة المشوي حاليا! ومنذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، تم وضع حد أدنى (100 جنيه) وحد أقصى (3000 جنيه) لكل من المخالفات والجنح بدلا من مبلغ ثابت، واستمرت الحُدود المالية للغرامات في التزايد بشكل رهيب وتغيرت طريقة تقديرها. ومثال ذلك ما نصت عليه مادة (6) من قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الإحتكارية المصري رقم (3) لسنة 2005 المعمول به حاليا من أن عقوبة بعض المخالفات التي تتعلق بالممارسات الإحتكارية تتراوح "من 2% حتى 12% من إجمالي إيرادات المُنتَج محل المُخالفة، وفي حال تعذر حساب إجمالي الإيرادات تكون من 500 ألف جنيه حتى 500 مليون جنيه."!
وإزاء هذا التوجه، تُثار تساؤلات عدة حول الهدف من الغرامة المالية، وكيف ينظر القضاء إلى الإشكاليات المُرتبطة بها في التشريعات؟ وما الضوابط التي تنبغي مراعاتها عند فرضها؟ وهل يجوز تحديد الغرامة بمبلغ ثابت على أن تُحدد قيمتها وقت التطبيق وفقا لمؤشر رسمي مُعين؟ وهل يجوز أن تُطبق بنسبة معينة تختلف على حسب المراكز القانونية للمُخالف؟ وهل يجوز تحديد قيمتها وفق معايير مُعينة بدلا من تحديد قيمتها بشكل ثابت أو تحديد حد أدنى وحد أقصى لها؟ وما معايير التشريع الذكي في ضوء الإتجاهات العالمية الحديثة في هذا الخصوص والحلول التي من شأنها أن تجعل الغرامات أكثر فعالية، ومن ثم، تضمن الإمتثال؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.
أول ما يلفت الإنتباه هو ذلك الإتجاه المتزايد إلى تغليظ العقوبات، ومنها الغرامات المالية، والذي يُثير مُشكلات وتحديات عدة؛ أولها، عدم ملاءمته لتصنيف الجرائم في قانون العقوبات الذي يُقسم الجرائم إلى مُخالفات وجُنح وجِنايات. وعمليا، أصبحت هناك جُنَح بل ومُخالفات تتجاوز غراماتها تلك المفروضة في الجنايات، ما أثار جدلا فقهيا ومُطالبات بإعادة النظر في هذا التصنيف، وقُدّمت دفوع بعدم دستورية الغرامات المُغلظة، وطعون بعدم تناسب الغرامة مع المُخالفة. ورغم تعديل بعض المواد الجوهرية في قانون العقوبات، لم تُعدّل الحُدود الفاصلة بين المُخالفة والجُنحة والجِناية، وأصبحت هناك حاجة مُلحة للتحول إلى إستخدام تشريع ذكي بدلا من التشريع التقليدي.
وتتعلق الإشكالية الثانية بالهدف من الغرامة: هل هو العقاب والإنتقام من سلوك خاطئ حدث في الماضي؟ أم الردع الخاص (منع المُخالف من تكرارها) والعام (تحذير غيره)؟ أم التشجيع على الإمتثال وتصحيح السلوك مُستقبلا، وهنا تكون وسيلة إصلاح لا إنتقام؟ والأصل أن الغرامة ليست مُجرد "عقوبة مالية"، بل أداة تشريعية لضمان الإمتثال لأحكام التشريع.
ثالثا، تُعتبر مشكلة "الجمود النقدي" للغرامة وثبات قيمتها من أخطر الإشكاليات العملية في تحقيق الإمتثال التشريعي، خصوصا مع تغير قيمة العملة وارتفاع مستوى التضخم، ويترتب عليهاعدم المُساواة بين المُخالفين عبر الزمن؛ فالمُخالفة التي يُعاقب عليها بشدة وقت صُدور التشريع يُعاقب عليها بشكل أقل بمرور الزمن. وعلاوة على ذلك، تُصبح الغرامة غير متناسبة مع المُخالفة لأن التناسب بينهما يُقاس وقت التطبيق لا وقت التشريع. والأخطر من ذلك، ان الكيانات الكبرى أصبحت تحسب تكلفة الغرامة ضمن التكاليف غير المباشرة للمشروعات ولا تمتثل للتشريع. ومع ذلك، غالبا ما تُهمَل هذه المُشكلة في التشريعات رغم أن القضاء يُواجه آثارها يوميا.
ومن أفضل الحلول التشريعية الذكية لمشكلة تناقص قيمة الغرامة وعدم المُساواة بين المُخالفين بمرور الزمن، تحديد قيمة ثابتة للغرامة في القانون وربط قيمتها وقت التطبيق بمؤشر رسمي للأسعار أو للتضخم صادر عن جهة رسمية، أو بنسبة مئوية من قيمة النشاط أو الصفقة أو إجمالي الإيراد. ولا يُعد هذا الربط تفويضًا للسلطة التنفيذية بإنشاء عقوبة متى كان المُشرّع هو من حَدد مبلغ الغرامة ثابتًا في النص، وهو من قرر آلية التحديث ورَبَطها بمؤشر موضوعي مُحدد، ودور الجهة المُختصة يقتصر على التطبيق الحسابي الآلي أو الفني فقط لا تحديد قيمة الغرامة. وينسجم هذا الحل مع ما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا في مصر بشأن وجوب إحتفاظ المُشرّع بالعناصر الجوهرية للعقوبة، ومن شأنه أن يحقق معادلة دقيقة بين مبادئ الشرعية الجنائية، والتناسب، والمساواة، والفعالية الردعية للعقوبة دون تفويض تقديري مُطلق للجهة الإدارية، أو إنشاء عقوبة لاحقة، أو تعديل جوهر الجزاء خارج البرلمان.
ومن الحلول التقليدية المُتبعة إستخدام نظام الشرائح وبموجبه يتم تحديد حد أدنى وحد أقصى للغرامة مع إعطاء سلطة تقديرية مُقيّدة للقاضي. لكن خطورة هذا النظام أنه قد يُساء إستخدامه فيتحول إلى تعسف أو تفاوت غير مُبرر أو الغلو في تقدير الحد الأقصى إذا غابت معايير التقدير.
ومن الحلول التقليدية السيئة، التعديل الدوري للغرامات عن طريق تغليظها كل عدة سنوات، وللأسف، فإن هذا الحل هو الأكثر شيوعا، ويترتب عليه أن الحل دائما يكون متأخرا عن الواقع بعد فجوات زمنية طويلة. وهنا، يقع على القضاء سد هذه الفجوة لحين صدور التعديل، لكنه لا يجوز له إنشاء غرامة جديدة أو ربطها بمؤشر لا ينص عليه القانون.
وتنشأ مشكلة رابعة عندما يتم الجمع بين غرامتين ماليتين عن الفعل الواحد، أو غرامة وجزاء مُماثل في الأثر أو أشد بدون سند قانوني. ومن المبادئ الدستورية عدم جواز معاقبة الشخص مرتين عن جريمة واحدة ما لم يوجد نص قانوني صريح يُجيز ذلك. وإذا كان الفعل الواحد يتكون من جرائم متعددة، يُعاقب الشخص بالجريمة الأشد فقط، دون غيرها. ويُعتبر هذا المبدأ من حقوق الإنسان الأساسية التي نصت عليها الإتفاقيات الدولية، لكن إذا كان الفعل المُخالف يُشكل أساسا للمساءلة الجنائية والمدنية والتأديبية عن الواقعة نفسها، جازت مجازاته وفق الأنواع الثلاثة من المساءلة بشرط ثبوت إرتكابه لها.
وثمة مشكلة خامسة تتعلق بالغلو في الغرامات المالية؛ والأصل أن تغليظ العقوبة مشروط بثبوت العلاقة السببية القاطعة، ومن ثم، تخضع كل الغرامات المُرتفعة لرقابة التناسب والسببية والتسبيب. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "الجريمة البيئية لا تقوم إلا بثبوت علاقة السببية المباشرة بين الفعل والضرر" (طعن رقم 3821 لسنة 45 ق، جلسة 12/5/2003). وفي حُكم لها في قضية تتعلق بمادة (66) من قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018، قضت أيضا بأن "الغرامة الجنائية يجب أن تكون متناسبة مع جسامة الفعل، وألا تتحول إلى مُصادرة مُقنّعة." مفاد ذلك، قبول الدفع بعدم الدستورية لعدم التناسب إذا جاوزت الغرامة الضرر الفعلي، وكذلك قبول الدفع بوجوب تسبيب إختيار الحد الأقصى للغرامة.
وفيما يتعلق بالغرامات التهديدية اليومية، تنشأ مشكلة سادسة وهي أنها لا يُمكن فرضها إلا بإنذار صحيح يكشف عن عدم إمتثال المحكوم عليه، ولا تُحسب إلا من تاريخ هذا الإخطار في حال إستمرار الإمتناع. وتُعد هذه الغرامة ذات طبيعة إجرائية لا عقابية، ويجوز توقيعها في حدود نسبة مئوية مُعينة عن كل يوم تستمر فيه المُخالفة دون تجاوز الحد الأقصى المنصوص عليه، وتسقط بزوال سببها. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض بأن "الغرامة اليومية لا تُفرض إلا بعد إنذار صحيح وتمكين فِعلي من التنفيذ" (طعن رقم 6489 لسنة 49 ق.، جلسة 10/2/2007).
وإزاء هذه الإشكاليات الستة وغيرها، نشأت الحاجة إلى وجود نوع جديد من التشريع الذكي ينص على الغاية من الغرامة، ونطاق تطبيقها، وما إذا كان معيار تحديدها هو: جَسامة المخالفة، أم المنفعة المُكتسبة، أم الضرر الحاصل؟ أم تحديد حد أدنى وحد أقصى لقيمة المُعاملة محل المُخالفة أو نسبة مئوية من إجمالي إيرادات المُخالف، أيهما أكبر؟ مع مراعاة طبيعة النشاط والمركز الإقتصادي للمُخالف. وإذا ترتب على المُخالفة تحقيق ربح أو تفادي خسارة، جاز أن تُحدّد الغرامة بما لا يقل عن مِثلي المنفعة المُحققة، وبما لا يُجاوز خمسة أمثالها.
ومثال للمعالجة الذكية لموضوع الغرامات المالية، قانون حماية المنافسة المصري المُشار إليه والذي يستخدم الغرامة النسبية من قيمة الأعمال، والجمع بين النسبة المئوية والحد الأدنى المتحرك، والغرامة اليومية. وتُعد الغرامة النسبية الأداة الأكثر إنسجاما مع طبيعة القانون لأن قيمة الأعمال تعكس حجم الكيان، وقدرته الإقتصادية، وأثر المخالفة في السوق. ومن ثم، تتحقق المساواة بين المُخالفين عبر الزمن، والمساواة بينهم عبر الأحجام المختلفة للأعمال، لكن بشرط أن تكون النسبة نفسها مُحددة بنص في القانون مع سقف وحد أدنى.
وتكمن المشكلة العملية في الجمع بين النسبة والحد الأدنى المُتحرك في أنه أحيانًا تكون النسبة من قيمة الأعمال قليلة الأثر في بعض القطاعات. والحل، الأخذ بالقيمة الأكبر بين النسبة والقيمة الفعلية وقت توقيع الجزاء.
ومن مزايا الغرامة التهديدية اليومية في حال الامتناع عن إزالة اسباب المُخالفة، أن الزمن نفسه يُصبح عُنصر الجزاء، ويُزيل عدم المُساواة تلقائيا.
وفي رأينا، أن الزمن الذي كان الهدف فيه من التشريع هو مجرد "عقاب" المُخالفين والردع الخاص والعام قد إنقضى وحل محله التركيز على تشجيع المُخالفين على الإمتثال للتدابير التي يتضمنها التشريع. ومن ثم، عند وضع التشريع، ينبغي التركيز على بحث أسباب المُخالفات والسلوكيات المُصاحبة لها ومُعالجة أسبابها الجذرية ووضع التدابير التنظيمية التي من شأنها منع إرتكابها. وفي حال عدم الإمتثال، يُمكن اللجوء إلى العقوبات الجنائية كملجأ أخير.
.... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن موضوع "الغرامات المالية الصادرة بقرارات إدارية .. بين الفلسفة العقابية والفلسفة التنظيمية"
