قواعد الأدلة وأثرها في كسب الدعوى
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
يُقصد بقواعد الأدلة الضوابط التي تُنظّم قبول الأدلة ومدى حجيتها وشروط صحتها والآثار المترتبة عليها، وتعد من أهم عناصر الخصومة القضائية لأنها هي التي تُمَكن القاضي من تكوين عقيدته والفصل في النزاع على اساس قانوني ومنطقي، وتضمن عدالة الحكم واستخلاص النتائج الصحيحة. ومن المبادئ الفقهية ذات الصلة أن "القضاء يقوم على الدليل، والحق لا يَثبت بغير بَيّنة"، وأنه "لا حُكم دون دليل، ولا قيمة لادعاء مُجرّد."
ويثور الخلط بين قواعد الأدلة وقواعد الإثبات وقواعد الإستدلال. ورغم أنها جميعا تُستخدم للتوصل إلى الرأي القانوني الصحيح، ثمة أوجه إختلاف فيما بينها من جهة طبيعتها ووظيفتها وسلطة القاضي في الأخذ بها، ومصادر مشروعيتها، والأثر المترتب عليها. وبينما ترتبط قواعد الأدلة بطبيعة الدليل ذاته وبمدى إتصاله بالوقائع محل النزاع وسلامته ووزنه النسبي مقارنة بالأدلة الأخرى، تُعتبر قواعد الإثبات قواعد قانونية وإجرائية تُنظم طرق الإثبات كالكتابة والشهادة واليمين والخبرة والقرائن والإقرار والمعاينة والأدلة الإلكترونية وغيرها، وتحدد الإجراءات واجبة الإتباع عند تقديمها. أما قواعد الإستدلال، فتُعتبر قواعد موضوعية تُنظم فهم القاضي للدليل واستخلاص النتيجة، وسلامة المنطق الذي يُبنى عليه الحكم.
وبينما تستمد قواعد الأدلة مشروعيتها من سلطة القاضي التقديرية، تستمد قواعد الإثبات مشروعيتها من النصوص النشريعية كقانون الإثبات والقانون المدني والقوانين الخاصة والمبادئ الفقهية. وبينما تُعطي قواعد الأدلة للقاضي سلطة تقدير قيمة الدليل واستخلاص النتيجة منه، فيجوز له أن يطرح ما لا يطمئن إليه ويأخذ ما يراه أكثر مُلاءمة، يُلزَم القاضي بتطبيق قواعد الإثبات وإلا كان حُكمه مشوبا بعيب مُخالفة القانون. أما قواعد الإستدلال، فتركز على التحقق من أن إستخلاص القاضي للنتائج التي توصل إليها سائغ وفق مقتضيات العقل والمنطق وتستمد مشروعيتها من القانون والفقه والمنطق. ومن صور الفساد في الإستدلال التعسف في الإستنتاج، واستناد القاضي في حُكمه إلى أدلة غير مقبولة، وفهم القاضي للواقعة وأدلتها فهما غير سائغ، وأن يَبني القاضي حُكمه على مقدمات فاسدة، فالمقدمات الفاسدة تؤدي إلى نتائج فاسدة.
ويُمكن تقسيم قواعد الإستدلال إلى طائفتين؛ الأولى، القواعد القانونية، والثانية، القواعد المنطقية، وبينما تستمد الأولى مشروعيتها من القانون والمبادئ القضائية والفقهية، تستمد الثانية قوتها من المنطق وتستخدم أدواته كالإستدلال والإستقراء والقياس. ومن أمثلة القواعد القانونية للإستدلال، ما يلي: 1) قاعدة أن "الدليل يُفسَّر وفقاً لطبيعته"، ومؤداها أن الدليل الكتابي له قوة خاصة، والشهادة تُوزَن بميزان القاضي، والقرائن تُستخلص باجتهاد. 2) قاعدة "ترابط الأدلة"، وبموجبها لا يجوز الإستناد إلى دليل منفرد مقطوع الصلة عن بقية الأدلة. 3) قاعدة "سلامة الإستخلاص"، وبموجبها يجب أن تقوى المُقدمات على حمل النتائج التي تم التوصل إلها، وإلا عُدّ الحكم مشوباً بالقصور. 4) قاعدة "عدم المصادرة على المطلوب"، وبموجبها لا يجوز أن يضع القاضي النتيجة في مقدماته، أو يفترض صحة ما يُريد إثباته. 5) قاعدة "إستنتاج القرينة من الوقائع الثابتة"، ومثالها، أن الإمتناع عن تقديم مُستند يُعد قرينة على صحة ما يدعيه الخصم.
6) قاعدة "الشك يُفسّر لمصلحة المُدّعى عليه". 7) قاعدة "تناسب النتيجة مع قوة الدليل" ومؤداها أنه "لا يجوز أن يبني القاضي نتيجة خطيرة على دليل ضعيف". 8) قاعدة "السبب المنطقي" ومؤداها أنه "يجب أن تكون النتيجة متولّدة عن الدليل، لا مجرد متوافقة معه."، 9) قاعدة "التفسير المتكامل للمستندات؛ ومؤداها أنه "إذا تعددت النصوص أو المستندات، وجب تفسيرها باعتبارها وحدة واحدة. 10) قاعدة "الترجيح بين الأدلة"؛ ومؤداها، أنه إذا كان هناك تعارض بين الأدلة، تُقدَّم الأدلة القطعية على الظنية، والكتابية على الشفوية، والخِبرة العلمية على الشهادة العادية، والأدلة المُباشرة على القرائن.
ومثال لقواعد الأدلة، إذا قُدمت إلى المحكمة فاتورتان؛ إحداهما أصلية والأخرى صورة غير واضحة، فللمحكمة تفضيل الأصل على الصورة. ومثال ثان، للمحكمة ترجيح تقرير خبير على شهادة شاهد إستنادا إلى سلطة القاضي في تقدير وزن الدليل وقيمته. ومثال لقواعد الإثبات، إذا إمتنع الخصم عن تقديم مُستند تحت يده، قامت قرينة قانونية ضده. وتطبيقا لذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا المصرية بأن "إمتناع الإدارة عن تقديم المُستندات المطلوبة يُعد قرينة لصالح المُدعى" (طعن رقم 2267 لسنة 43 قضائية عليا). ومثال لقواعد الإستدلال، إذا إمتنع المورد عن تقديم الفاتورة، تُعتبر قد نشأت قرينة قضائية ضده على عدم التوريد أو التقصير فيه. ومثال للتفريق بين القواعد الثلاثة، يُعتبر تقرير اللجنة الفنية دليل فني يخضع لقواعد الأدلة، أما التحقق من توافر الشروط القانونية في التحقيق فيُعد من قواعد الإثبات، على حين يُعد من قواعد الإستدلال إستخلاص سوء السلوك الإداري من تكرار خطأ الموظف.
ويُشترط لصحة الدليل ما يلي: 1) الصلة بالموضوع؛ وبموجب هذا الشرط يجب أن يكون الدليل مُرتبطا بالموضوع محل النزاع و "مُنتجا لأثره" وإلا إستبعده القاضي. ومثالُه، أن يتضمن الحُكم أدلة لا مصدر لها في أوراق الدعوى كأن يَسند الحُكم أقوالا إلى شاهد مُعين لم يقلها، أو إلى نتيجة مُعينة في تقرير خبير فني لم ترد فيه. وتعني عبارة "مُنتجا لأثره" أن يكون الدليل مؤثرا في النتيجة التي يتم التوصل إليها، وأنه لو صح لتغير به وجه الرأي في الدعوى. فإذا كان النزاع يتعلق ببطلان العقد لعيب الرضا، وقدم الخصم دليلا على أنه دفع الثمن بالكامل، فهذا الدليل غير مُنتج لأثره لأنه لا ينفي وجود عيب في الرضا. ويُعد الدليل غير المُنتج عديم القيمة.
2) المشروعية، ويُقصد بها أن يكون الدليل قد تم الحصول عليه بطريقة قانونية، ولذلك لا يُقبل الإعتراف إذا تم الحصول عليه تحت الإكراه أو بطريق الغش أو التزوير، كذلك، لا يُقبل أي دليل ناتج عن إجراء باطل. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "كل دليل تم تحصيله بطريق غير مشروع يَفقد حُجيته" (طعن رقم 1335 لسنة 60 قضائية). كذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "القرار القائم على دليل غير صحيح أو غير ثابت يُعد مشوبا بعيب السبب" (طعن رقم 1285 لسنة 39 قضائية عليا).
3) المصداقية، وتعني أن يكون الدليل صادرا عن مصدر موثوق فيه، ومثاله، شهادة شاهد موثوق فيه، أو وثيقة رسمية، إلخ. وتطبيقا لذلك، لا تُقبل شهادة شاهد سيء السمعة.
4) الكفاية، وتعني أن يكون الدليل كافيا لإثبات الدعوى وليس مجرد قرينة ضعيفة تقبل إثبات العكس، فلا يكفي وجود الدليل في حد ذاته بل يجب أن يكون كافيا لإثبات الإدعاء. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "العبرة في الإثبات ليست بكثرة الأدلة بل بمدى قوة الدليل وسلامته" (طعن رقم 129 لسنة 40 قضائية).
5) حجية الدليل وقوته الثبوتية. ومؤداها أن كسب الدعوى يتوقف على حُجية الأدلة المُقدمة فيها؛ فالمُحرر الرسمي أقوى من العُرفي ولا يُدحض إلا بالتزوير، والعُرفي أقوى من الشهادة ولا يُجحد إلا بالإنكار، والشهادة أقوى من القرائن لكنها أضعف من المُستندات المكتوبة. والعِبرة في النهاية بمدى ثقة المحكمة في الدليل واطمئنانها له. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "تقرير الخبير عنصر من عناصر الإثبات يخضع لتقدير محكمة الموضوع، ولا يُلزمها الأخذ به متى كانت أسبابها سائغة" (طعن رقم 1287 لسنة 52 قضائية). كذلك، قضت بأنه "ليس هناك ترتيب قانوني للأدلة المدنية، وللمحكمة أن تعتمد على أي دليل تطمئن إليه ولو كان أقل قوة في الظاهر من غيره" (طعن رقم 129 لسنة 40 قضائية).
6) إنسجام الدليل مع باقي الأدلة، وبموجبه يجب ألا يكون هناك تعارض بين الدليل الذي يُبنى عليه الحُكم وباقي الأدلة. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "الأدلة في المواد الجنائية ضمائم مُتساندة، يشدّ بعضها بعضًا، وأن الدليل يُؤخذ من مجموع الأدلة لا من دليل واحد." ومن العيوب التي تُبطل الأحكام، التناقض في تسبيب الحُكم لأن هذا يجعل الحُكم كأنه غير مُسبب متعينا نقضه، ومن أمثلته التعارض بين الدليل القولى والدليل الفنى، والتسليم ببطلان الإعتراف ثم الإعتماد على ما جاء فيه في ثبوت الإدانة، وعرض الواقعة بصورتين متعارضتين.
وفي رأينا، أن قواعد الأدلة تُعد السلاح الحقيقي لكسب الدعوى، لأنها هي التي تُحدد مدى حُجية كل دليل، ومن ثم، تُرجّح كفة أحد الخصوم على الآخر. وغالباً، تُحسم نتيجة الدعوى في مرحلة الإثبات وليس في مرحلة المرافعة الختامية.
... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن "قواعد المنطق وأثرها في استخلاص الرأي القانوني الصحيح".
