قواعد المنطق وأثرها في إستخلاص الرأي القانوني الصحيح
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
موظف إستولى على مال مملوك لجهة عمله في حيازة زميل له في العمل، فهل تُوجه إليه جريمة "الإختلاس"، أم "السرقة"؟ لكي يستخلص القاضي الحُكم الصحيح، عليه أن يستعمل قواعد المنطق. لكن، ما المقصود بالمنطق؟ وما هي قواعده وأدواته؟ وما العلاقة بين القانون والمنطق؟ سنحاول في هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة.
يُعرّف المنطق بأنه القواعد التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ عند التفكير، ويهتم بكيفية الإنتقال من المُقدمات إلى النتائج إنتقالًا صحيحًا. وعرّفه "أرسطو" بأنه "آلة لضبط التفكير وتمييز الإستدلال الصحيح من الفاسد." وعَرّفه "الفارابي" بأنه "آلة للفهم الصحيح." وهو لا يُحدد الحُكم، لكنه يُحدد سلامة الطريق المُؤدي إليه، ولا يبحث في صِدق الوقائع، بل في صِحَة الاستدلال. والعلاقة بين القانون والمنطق علاقة متلازمة، فلا يُمكن أن تكون هناك قاعدة قانونية تُخالف المنطق، والعكس صحيح. وكل إستنتاج أو رأي أو حُكم قضائي يُفترض فيه أن يكون منسجما مع العقل والمنطق وإلا شابه عيب الفساد في الإستدلال.
ومن أدوات المنطق الإستدلال بطريق الإستنباط، والإستدلال بطريق الإستقراء، والإستدلال بطريق القياس (أو المِثل). ويعني الإستدلال الإستنباطي الإنتقال من قاعدة عامة "مُقدمة كبرى" مَعلوم حُكمها إلى الواقعة المعروضة حالتها (مُقدمة صُغرى) غير معروف حُكمها، ثم تطبيق "القاعدة" على "الواقعة" لاستخلاص نتيجة تلزم عنها. ولضمان صحة النتيجة، ينبغي أن تكون هناك راابطة سببية بين القاعدة والواقعة. ويُعد الإستدلال الإستنباطي أكثر الأساليب المنطقية إستخداما في تحليل الوقائع وتطبيق القواعد القانونية ذات الصلة عليها، ويُشكل الأساس الذي تعتمد عليه مُعظم الأحكام القضائية.
ومن القواعد المنطقية للإستدلال القضائي ما يلي: 1) قاعدة اللزوم العقلي؛ ومؤداها أن النتيجة يجب أن تكون لازمة عن المقدمات لزوماً عقليًا. وتطبيقا لذلك، قُضيى بأنه إذا كانت النتيجة لا تستقيم منطقيًا مع الوقائع، كان الحُكم فاسد الإستدلال. 2) قاعدة عدم التعارض؛ ومؤداها أنه لا يجوز الجمع بين دليلين متعارضين في آن واحد. ومثال للتعارض، إثبات الخطأ في بحث الواقعة ثم نفيه ضمنًا في النتيجة التي يتوصل إليها القاضي. 3) قاعدة الدليل المُنتج؛ ومؤداها أنه لا يُعتد إلا بالدليل الذي من شأنه، لو صح، أن يُغير وجه الرأي في الدعوى. وتُمارس محكمتا النقض والإدارية العليا في مصر رقابة قانونية ومنطقية، على حد السواء، على الإستدلال القضائي؛ فلا حَصانة لحُكم يقوم على إستنتاج غير لازم أو مُتناقض.
والآن، دعونا نحاول إستخلاص الرأي القانوني الصحيح في الواقعة المذكورة في صَدر هذا المقال بطريق الإستدلال الإستنباطي لمِعرفة ما إذا كانت تُشكل جريمة "سرقة" أم "إختلاس". علينا أولا أن نُمْعِن النظر في الواقعة وعناصرها، وأهمها: صِفة المتهم، ومحل الجريمة (المال)، وفعل الإستيلاء على المال (الركن المادي)، والوظيفة ومدى صلتها بالجريمة، والقصد الجنائي (الركن المعنوي، ويتطلب إتجاه إرادة المتهم إلى تملك المال أو تبديده). وفي كل هذه العمليات نستخدم أدوات الإستقراء؛ وهي التصنيف والتمييز والتحليل والإستبعاد، وهو ما سنتناوله لاحقا. ثانيا، علينا أن نبحث عن الوصف القانوني للحالة الماثلة في النصوص التشريعية ذات الصلة، تليها المبادئ القضائية المُستقرة، ثم القواعد الفقهية، وغيرها. ثالثا، نطبق الوصف القانوني على الواقعة الماثلة لنخرج بالنتيجة.
وتُحدد مادة (112-1) من قانون العقوبات المصري المعايير العامة لجريمة الإختلاس وتنص على أن "كل موظف عام إختلس أموالاً أو أوراقاً أو غيرها وُجدت فى حيازته بسبب وظيفته يُعاقَب بالسجن المشدد." ويُشكل هذا النص الوصف القانوني للواقعة (أو المُقدمة الكبرى)، أما الواقعة المُشار إليها فهي المقدمة الصغرى المطلوب مِعرفة ما إذا كان النص ينطبق عليها، أم لا. وقد تبدو عملية تطبيق النص على الواقعة للوهلة الأولى مسألة سهلة، لكنها ليست كذلك. إذْ ينبغي، أولا، تفسير النص باستخدام قواعد المنطق وأدواته والتحقق من مدى إنطباقه عليها.
إنظر، مثلا، إلى عبارة "موظف عام"، إنها تعني موظف بجهة عامة، لكن هل ينطبق هذا الوصف على من هو في حُكم الموظف العام، ومثاله، الموظف الذي يعمل في شركة ليست مملوكة بالكامل للدولة؟ أجابت محكمة النقض المصرية عن هذا السؤال بأن "العِبرة ليست بالمُسميات، بل بطبيعة العمل ومدى إتصاله بالمِرفق العام." وقضت أيضا بأن "جناية الإختلاس تتحقق متى كان الشيء المُختلَس مُسلما إلى الموظف بسبب وظيفته سواء كان مملوكا للدولة أو مملوكا للأفراد، لأن العِبرة بتسليم المال للجاني ووجودِه في عُهدته هي بسبب الوظيفة (طعن رقم 25583 لسنة 86 قضائية).
وثمة سؤال آخر: هل تسري جريمة الإختلاس على الإستيلاء غير المشروع على المال؟ الإجابة: لا، لأنه يُشترط فيها أن يكون المال قد سُلِّم إلى الجاني تسليمًا مشروعًا بسبب أو بمناسبة الوظيفة، وهذا هو الفارق الجوهري بين الإختلاس والسرقة. ففي الإختلاس، حيازة المال تتم بطريقة مشروعة أما في السرقة، فالإستيلاء على المال غير مشروع أصلا. لكن ماذا لو أن المال لم يُسلم للجاني ولم يكن في حيازته؟ في هذه الحالة، أيضا، لا نكون بصدد جريمة إختلاس لأنه يُشترط في جريمة الإختلاس أن يكون المال في حيازة المتهم.
وعلى عكس الإستدلال الإستنباطي، الذي ينطلق من تطبيق قاعدة عامة تنطبق على الواقعة المنظورة لاستخلاص النتيجة، يقوم الإستدلال بطريق الإستقراء على الإنتقال من أحكام قضائية في وقائع متشابهة إلى إستخلاص قاعدة عامة. ويعتمد الإستقراء على إستخدام أدوات منطقية، مثل، التصنيف؛ ويعني تجميع الوقائع المتشابهة، والتمييز؛ ويعني فصل الحالات المختلفة، والتحليل؛ ويعني تفكيك الأحكام القضائية إلى عناصرها الجوهرية (الواقعة، العِلة، السَنَد القانوني، إلخ.)، والإستبعاد؛ ويعني إزالة الحالات الشاذة، وكشف المغالطات؛ ويعني كشف الأخطاء في الإستدلال، مثل، التركيز على واقعة منعزلة، والتعميم غير المُبرر، والقفز إلى النتائج، والسبب الكاذب.
ومثال للمبادئ القضائية المُستخلصة بطريق الإستدلال الإستقرائي، إستخلاص معيار "السبب المُنتِج للضرر" من أحكام، مثالها، ما قضت به محكمة النقض المصرية بأن "العلاقة السببية تقوم على أن يكون الخطأ سَببا مُنتجا للضرر، بحيث لا يُتصور وقوع الضرر بدونه" (طعن رقم 1199 لسنة 50 قضائية). كذلك قضت المحكمة الإدارية العليا بأنه "يُشترط لقيام المسؤولية التأديبية أن يكون الإهمال سَببًا مُباشرًا لما وقع من ضرر أو خلل في العمل" (طعن رقم 1229 لسنة 44 الإدارية العليا). ومثال ثان، ما قضت به محكمة النقض المصرية من أن "العِبرة في تفسير العقود هي بما قَصده المُتعاقدان، ويُستدل عليه بظروف التعاقد ومُلابساته وسلوك الطرفين اللاحق" (طعن رقم 2187 لسنة 60 قضائية). ومثال ثالث، شروط القوة القاهرة، ومؤداها أن القوة القاهرة تعفي المدين من تنفيذ إلتزاماته إذا توافرت الشروط الآتية: (1) كانت غير متوقعة وقت الدخول في العقد، (2) لا يُمكن دفعها، (3) لا يد للمدين فيها، (4) تجعل التنفيذ مُستحيلاً. وكل المعايير في الأمثلة الثلاثة المُشار إليها تم إستخلاصها من أحكام قضائية متواترة.
ومن صُوَر الأخطاء ذات الصلة بالإستدلال في الأحكام القضائية ما يلي: 1) فساد الإستدلال. وفي ذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن الحُكم "يكون فاسد الإستدلال إذا إنطوى على خطأ في فهم الواقع أو في إستخلاصه أو كانت النتيجة التي إنتهى إليها لا تؤدي إليها المقدمات التي أقامها عليها." 2) التعسف في الاستنتاج، ويتحقق ذلك إذا أقام القاضي قضاءه على إفتراض لا سند له من الأوراق، وبذلك يكون الإستنتاج قد ترتب على القفز إلى النتيجة دون مُقدمات كافية. 3) القصور في التسبيب، ومثاله، التسبيب المُجَهّل أو القاصر وهو يعادل إنعدام الأسباب لأنه يعني غياب الربط المنطقي بين الوقائع والنتيجة أو إغفال حلقة من حلقات الإستدلال.
كذلك، قضت المحكمة الإدارية العليا بأن "رقابة المحكمة على مشروعية القرار الإداري تمتد إلى سلامة إستخلاص النتيجة من عناصرها الواقعية"، وهذه رقابة منطقية قبل أن تكون قانونية. وقضت أيضا بأنه "إذا شاب القرار الإداري غلو أو مُجافاة للعقل والمنطق، كان مَشوبًا بعيب إساءة إستعمال السُلطة"، وبأن "الإنحراف بالسُلطة قد يتحقق عندما تُذكر أسباب ظاهرة لكن الإستنتاج لا يتفق معها منطقيًا."
أما القياس فهو إعطاء نفس الحُكم الخاص بواقعة نص عليها المُشرّع لواقعة أخرى تُشبهها لم ينص عليها وذلك لاتحادهما في العِلة. ومن أنواعه: القياس العادي، والقياس بمفهوم المخالفة، والقياس من باب أولى. ومثال للقياس العادي ما نصت عليه مادة (312) من قانون العقوبات المصري من أنه "لا تجوز مُحاكمة كل من إرتكب سرقة إضرارا بزوجِه أو زوجته أو أصوله أو فروعه إلا بناء على طلب المجني عليه…" ومُؤداها أن المُشرّع جعل مُعاقبة الجاني في يد المجني عليه في حالة وجود صلة قرابة. ويُلاحظ أن النص تناول تحديدا جريمة السرقة، لكن بطريق القياس العادي يُمكن أن يمتد حُكمه إلى حالة وقوع جريمة خيانة الأمانة أو النصب بين الأقارب لتوافر العِلة نفسها.
ومثال للقياس بمفهوم المخالفة، مانصت عليه مادة (312) من قانون العقوبات المصري من أن "كل من إختلس منقولا مملوكا لغيره فهو سارق." إذْ يُستفاد من هذا النص أن جريمة السرقة لا تقع على العقار.
ومثال للقياس من باب أولى، ما نصت عليه مادة (237) من القانون المدني المصري من أن "مَن فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها في الحال هي ومن يزني بها يُعاقب بالحبس (من 24 ساعة حتى 3 سنوات)...." فماذا يكون الحُكم إذا أحدث الزوج في زوجته عاهة مُستديمة وعُقوبتها السجن من 3 إلى 5 سنوات؟ هل يُعاقب بالحبس، وفقا لمادة (237) أم بالسجن وفقا لمادة (237)؟ وبتطبيق القياس من باب أولى وقاعدة "القانون الأصلح للمتهم"، يُمكن للقاضي أن يُخفف العقوبة، أو يُقرر سَببا للإباحة أو الإعفاء من العقاب.
وفي رأينا، أن أهم سلاح لكسب الدعوى القضائية هو سِلاح المنطق والإقناع بالحجج، وأن الصراع فيما بين المحامين، وبين الدفاع والنيابة العامة ما هو إلا نوع من المُبارزة بالمنطق تكون الغَلبة فيه للأكثر إقناعا بحُجَجِه المنطقية. وتُعد قواعد المنطق وأدواته أهم الأدوات التي تمكّن القاضي من الوصول إلى الحُكم الصحيح. ويُعتبر الخطأ في المنطق خطأ في القانون.
... تابعونا في مقالنا يوم الخميس القادم عن "عقود الخدمات وما يتشبه بها".
