"إستخدام تقنية الذكاء الإصطناعي في صياغة مشروعات القوانين ..
نقلة نوعية في صناعة القوانين"
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
إذا أردت أن تصنع مشروع قانون يُنظم مجالا معينا، إدخل على منصة للذكاء الإصطناعي واطلب منها أن تفعل ذلك، وسيكون لديك مشروع القانون الذي تريده في دقائق معدودة!! ويثور السؤال: هل يُمكن أن يؤدي إستخدام تقنية الذكاء الإصطناعي في مجال صياغة مشروعات القوانين إلى تحسين جودة القوانين وجعلها أكثر كفاءة وفعالية وقُدرة على تحقيق الهدف منها؟ وثمة سؤال آخر: هل يؤدي إستخدامها إلى تقليل الحاجة إلى الصائغين والمُشرَّعين مثلما أدت الثورة الصناعية في فرنسا وما صاحبها من إختراع الآلات إلى تقليل الحاجة إلى فئات معينة من الأيدي العاملة؟
وما يُثير الدهشة، أن هذه التقنية تمتلك فعلا إمكانيات كبيرة تفوق تلك التي يمتلكها الصائغون والمشرعون، بل يُمكنها أن تؤدي الكثير من المهام التي يؤدونها بسرعة وكفاءة أكبر؛ ومنها ما يلي:
1. إقتراح الإطار العام لمشروع القانون.
2. مقارنة نصوص التشريع بالدستور والقوانين القائمة والإتفاقيات الدولية ذات الصلة لاكتشاف أي تعارض مُحتمل، ما يُقلل من فرص الطعن على القانون بعد صدوره.
3. تقليل الوقت اللازم لصياغة مشروع القانون، ومن ثم، تسريع عملية إقرار التشريعات.
4. تَتَبع التعديلات التي يتم إدخالها على التشريع وتوثيقها بدقة.
5. إزالة الخلاف بين المُشرّعين من خلال إقتراح صياغات بديلة للنصوص المُختلف عليها.
6. تبسيط نصوص القانون، ما يُسهّل على المُشرعين والمواطنين فهمها.
7. تقليل الأخطاء اللغوية والقانونية.
8. تلخيص النقاط المهمة في مشروع القانون، ومن ثم، تسهيل مشاركة المخاطبين به في المشاورات العامة حوله.
9. تحليل ردود فعل المجتمع على مشروع القانون المُقترح والتنبؤ بها مُسبقا.
10. تحسين صياغة التشريع من خلال ربط النص بالغاية من التشريع.
11. ربط نصوص التشريع بالمبادئ القضائية المُستقرة.
12. تحليل الآثار المترتبة على التشريع مُسبقا والتنبؤ بها.
وفي الإتحاد الأوروبي، تُستخدم منصات، مثل منصة LEOS لفحص التناسق القانوني والتأكد من صحة الإحالات إلى نصوص في قوانين أخرى، ودقة المصطلحات. كذلك، تُستخدم "نماذج اللغة الضخمة" LLMs لاقتراح صياغات دقيقة ومُتسقة، والتحقق من العلاقة بين ديباجة القانون والنصوص التشريعية الإجرائية تلقائيا.
ولا تقتصر فوائد إستخدام هذه التقنية فحسب على تحسين جودة التشريع بل تمتد لتشمل تحليل الأثار الإقتصادية والإجتماعية والبيئية وغيرها المترتبة عليه قبل إقرارها وذلك من خلال "نماذج التنبؤ" التي تستخدمها. وقد بدأت بالفعل دول الإتحاد الأوروبي في دمج تقنية الذكاء الاصطناعي ضمن عملية صياغة السياسات العامة واستخدامها في مراجعة مشروعات القوانين قبل عرضها على البرلمان. وفي الولايات المتحدة، تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الأثر المالي والإجتماعي للتشريعات المُقترحة على الميزانية العامة قبل عرضها على الكونجرس.
وتُعد دولة الإمارات من أوائل الدول العربية التي إستخدمتها في صياغة التشريعات، وأطلقت خطة طموحة لإنشاء "مكتب للذكاء التشريعي" يتبع مجلس الوزراء، بهدف وضع خريطة تشريعية متكاملة تربط القوانين بالأحكام القضائية والخِدمات الحكومية. وتتوقع الحكومة أن يؤدي إستخدامها إلى تسريع دورة إصدار التشريع بنسبة تصل إلى 70%.
وفي مصر، هناك توجه إستراتيجي بدأ بالفعل في السنوات الأخيرة للإستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال. ويجري حاليا إعداد قانون خاص يُنظم إستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، ضمن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، يُمكن أن يشمل صياغة مشروعات القوانين. كذلك، تُستخدم تقنية الذكاء الإصطناعي لتطوير لوحات معلوماتية ذكية تتضمن سيناريوهات متعددة للتنبؤ بالمؤشرات الإقتصادية والإجتماعية. وقد تم تطوير منصة "حوار" لتحليل المحتوى المِعرفي وتعزيز التواصل مع المواطنين باستخدام تقنيات الذكاء الإصطناعي. وتم أيضا إنشاء "المجلس الوطني للذكاء الإصطناعي" ووضع "الميثاق المصري للذكاء الإصطناعي المسؤول". وتحتل مصر المرتبة الثانية إفريقيا في مؤشر جاهزية الحكومة لتطبيق تقنية الذكاء الإصطناعي.
ومثال على إستخدام تقنية الذكاء الإصطناعي في تحسين جودة صياغة التشريعات، لنفرض أن هناك مادة في مشروع قانون عن حماية البيانات الخاصة تنص على ما يلي: "لا يجوز لأي شخص أن يقوم بجمع أو معالجة أو تبادل البيانات الشخصية للمواطنين إلا بناءً على موافقة صريحة ومُسبقة من صاحب البيانات، وذلك مع مراعاة الاستثناءات المتعلقة بالأمن القومي أو النصوص التشريعية النافذة."
يُمكن للذكاء الإصطناعي أن يُقدم بدائل لصياغتها على النحو الآتي:
البديل رقم (1): لا يجوز لأية جهة عامة أو خاصة إستخدام بيانات المواطنين الشخصية إلا بعد الحصول على موافقة صريحة منهم، وتُستثنى من ذلك الحالات التي يحددها القانون أو تتعلق بالأمن الوطني.
البديل رقم (2): فيما عدا الحالات التي تكون فيها البيانات ضرورية لتنفيذ إلتزامات قانونية أو لحماية الأمن القومي، يُحظر على أي شخص طبيعي أو إعتباري جمع البيانات الشخصية أو تخزينها أو إستخدامها أو نقلها دون موافقة صريحة ومكتوبة من صاحبها، على أن يتم ذلك في أضيق الحدود وبما لا يمس جوهر الحقوق والحريات الأساسية.
البديل رقم (3): ما لم ينص القانون على غير ذلك أو تقتضيه حماية المصالح الحيوية للدولة، لا يجوز لأي شخص، طبيعي أو إعتباري، جمع أو تخزين أو إستخدام أو نقل أو مشاركة أية بيانات شخصية أو الإحتفاظ بها بأي شكل من الأشكال إلا بموافقة صريحة من صاحبها.
ومن خلال عرض هذه البدائل على المُشرعين، يُمكنهم إختيار الصياغة الأنسب منها أو المزج بينها. وفي رأينا، أن إستخدام تقنية الذكاء الإصطناعي في مجال صياغة مشروعات القوانين وتدقيقها وتحليل الآثار المترتبة عليها مُسبقا لم يعد مجرد إختيار بل أصبح أمرا حتميا لمواكبة التطورات العالمية في هذا المجال. وعلينا أن نُسرع في إستخدامه قبل فوات الأوان.
