فن التفاوض (4): أرجوك لا ترسلني إلى سيبريا!
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
تابع أساليب التفاوض الفعال ...
11- "أرجوك، لا تُرسلني إلى سيبريا". تقع منطقة "سيبريا" شمال شرق روسيا ويُغطي الجليد معظم سهولها، وقد إشتهرت عبر التاريخ كمكان للنفي والسجن للمعارضين السياسيين ومن أبرزهم لينين وستالين. ويُستخدم هذا الأسلوب للتفاوض بأن يُقدم المُفاوض إقتراحين لحل الخلاف؛ أولهما، مُدمر لمصالح الطرف الآخر، والثاني، يُلحق به ضررا أقل فلا يجد مفرا من قبوله.
12- "التخويف بالمجهول" ومثاله الترويج لأخبار كاذبة مفادها أن هناك إتجاها لرفع سعر السلعة في المستقبل القريب، أو حظر إستيرادها، أو أن هناك مشاكل في خطوط إنتاجها. ومن صوره، أيضا، نشر أخبار كاذبة ومضللة حول الإنخفاض، أو الإرتفاع، المحتمل لأسعار أسهم متداولة في سوق المال. ويُستخدم هذا الأسلوب للإحتيال وجسده فيلم "ذئب وول ستريت" الذي يحكي قصة وسيط في مجال الأوراق المالية كان يشتري أسهم رخيصة الثمن ثم ينشر معلومات مضللة تُبالغ في سعرها ثم يبيعها بأسعار مُصطنعة زائفة مُبالغ فيها.
13. "إشعار الطرف الآخر بالذنب وتأنيب الضمير"، وفي هذا الأسلوب يتم إشعار الطرف الآخر بأنه كان السبب في ضياع صفقة مهمة وفرصة الربح المشترك نتيجة عناده. ويُصور المفاوض نفسه بأنه ضحية تسبب الطرف الآخر في إلحاق الضرر به.
14- "المناورة وكسب الوقت". يُستخدم هذا الأسلوب للتمهيد لطرح مبادرة جديدة أو لإجبار الخصم على كشف أوراقه ومن ثم تجريده من أسلحته. ومثاله، "إدعاء عدم المعرفة" ويهدف إلى إستدراج الخصم ليفضي بكل ما عنده من معلومات وأدلة وأسانيد لدراستها والإعداد للرد عليها.
15- "الإنهاك الجسدي والذهني" ويهدف إلى إرهاق المُفاوض الآخر وعدم إتاحة الفرصة له للتفكير العميق. وتستخدم شركات دولية كثيرة هذا الأسلوب في مفاوضاتها مع الوفود التجارية الزائرة لها من دول العالم الثالث بأن تقوم بإعداد برنامج مُكثف لها لزيارة المصانع وخطوط الإنتاج بالإضافة إلى وضع برنامج ترفيهي ضخم بحيث لا تُتاح لأعضاء الوفد الفرصة لإجراء مناقشات متعمقة، وفي النهاية، يضطر أعضاء الوفد، تحت ضغط ضيق الوقت، إلى الموافقة على كل ما يُعرض عليهم. وقد استخدم هذا الأسلوب مع لاعبي كرة القدم الذين يذهبون لدولة أخرى لأداء مباراة مهمة بأن تقام حفلات صاخبة في الفندق الذي يقيمون فيه لإنهاكهم جسديا وحرمانهم من النوم المريح.
16- "الصمت المرحلي" وفيه يتعمد المُفاوض التزام الصمت على مراحل لتجنب الدخول في نقاش حول أمور خلافية، وربما لدفع الطرف الآخر لأن يكشف عن أوراقه كلها، أو لإجباره على تقديم تنازلات أو مبادرات جديدة أو تعديل شروطه، وربما للتعبير عن عدم الرضا إزاء موقفه.
17- أسلوب "حدود صلاحيات الوفد المفاوض" ويُستخدم لكسب الوقت وإتاحة الفرصة للخبراء لتقييم الموقف التفاوضي وتقييم البدائل، وكذلك لحصر التفاوض حول الشروط التي يقبلها الطرف المفاوض. ومثاله، المفاوضات التي كانت تجري بين إسرائيل وحركة حماس، وفيها كان "نيتنياهو" يُقيد دائما صلاحيات الوفد المفاوض بالتفاوض حول موضوعات معينة فقط دون سواها.
18- "المُدرس والتلميذ" وفيه يتقمص المُفاوض دور الواعظ ويتعامل مع الطرف الآخر على أنه مُذنب وارتكب خطأ خطيرا بحيث يجعله يشعر بالذنب ويُغير موقفه. ويُتيح هذا الأسلوب للمُفاوض أن يُسيطر على الطرف الآخر ويجعله يشعر بنقص خبراته.
19- "إجعله يأكل قطعة من الكعكة". وفيه يُسمح للمُفاوض الآخر بالحصول على السلعة مجانا واختبارها، ومن ثم يتم جر رجله لشرائها. وربما لاحظ كثيرون عند دخول سوبرماركت ضخم أن هناك بائعين يعرضون على المشتري تذوق قطعة من سلعة غذائية معينة مجانا أو عرض سلعة مجانا مع سلعة أخرى. ومثاله أيضا، ما قامت به اليابان عندما أنشأت مستشفيات متكاملة في شكل منح لدول كثيرة، بهدف تعريف أطبائها على المعدات الطبية اليابانية الصنع وتدريبهم عليها.
20- "الطفل المعاند" وفيه يدفع المُفاوض الطرف الآخر إلى الإندفاع المغرور في الاتجاه الخاطئ. ويستخدم البائعون المحترفون في دول الخليج هذا الأسلوب مع السيدات للإيقاع بهن لشراء ملابس بأسعار مُبالغ فيها من خلال إستخدام عبارات إستفزازية، كأن يقول البائع للسيدة: هذه الملابس غالية الثمن ولا اعتقد أنك يُمكنك دفع ثمنها؟ هنا، يخرج الطفل المعاند من داخل السيدة ويدفعها إلى الشراء حتى لو كانت ليست في حاجة إليها!
وبصرف النظر عن الأسلوب المُستخدم في التفاوض، فإنه قلما ينجح مالم يتم التوصل إلى إتفاق يُراعي مصالح الطرفين. ويرى البعض أن أفضل طريقة للتفاوض هي أن تبدأ بتقديم عرض مُبالغ فيه لمصلحتك، وفي رأيهم أن هذه الطريقة تجعلك تسيطر على عملية التفاوض من البداية. وعلى عكس ذلك، يُفضل آخرون أن تترك المُفاوض الآخر يُقدم عرضه أولا حتى يمكنك أن تعرف نواياه وأهدافه وأقصى ما يطمح إليه. وفي رأينا، أن إختيار أي من الأسلوبين يعتمد على طبيعة الموضوعات محل الخلاف ومواقف الطرفين.
