سلطة القاضي في تعديل العقد وإبطاله
محمود محمد علي صبره
إستشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
من المبادئ القانونية والقضائية والفقهية المستقرة أنه لا يجوز للقاضي أن يتخذ من سلطته في تفسير إرادة الطرفين وسيلة لتعديل العقد، فمتى كانت عبارة العقد صريحة وواضحة وجب تطبيقها كما وردت، وليس من حقه أن يُعدل فحواها تحت ستار التفسير. وتنص مادة (147-1) من القانون المدني المصري على أن "العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التى يقررها القانون." ويُلاحَظ أنه بقدر ما تُلزم هذه المادة القاضي باحترام إرادة المتعاقدين وعدم تعديل العقد، تعطيه الحق في تعديله إذا كانت هناك أسباب يُقررها القانون.
ومن هذه الأسباب، سُلطته في إكمال العقد عن طريق إضافة ما يستلزمه من عناصر لم يتضمنها. وتنص مادة (148-2) من القانون المدني المصري على أن العقد "لا يقتصر على إلزام العاقد بما ورد فيه، ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته، وفقا للقانون والعُرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام." ومفاد ذلك، أن القاضي يتمتع بسلطة تقديرية تتيح له إلزام أطراف التعاقد بالتزامات لا تجد مصدرها المباشر في نصوص العقد نفسه، بل في قواعد العُرف ومقتضيات العدالة.
ومثال ثان، حالة إختلاف الطرفين على المسائل التفصيلية الثانونية رغم إتفاقهما على جميع المسائل الجوهرية. وتنص مادة (95) من القانون المدني المصري على أنه "إذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهريه فى العقد واحتفظا بمسائل تفصيليه يتفقان عليها فيما بعد ولم يشترطا أن العقد لا يتم عند عدم الإتفاق عليها، إعتبر العقد قد تم، وإذا قام خلاف على المسائل التى لم يتم الإتفاق عليها فإن المحكمة تقضى فيها طبقا لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعُرف والعدالة."
ومثال ثالث، سلطة القاضي في إبطال العقد في حال حدوث عيب من العيوب التي تشوب الرضا في أثناء الدخول في العقد؛ ومنها الغلط الجوهري والإكراه والتدليس والغبن، وتقدير حدوث هذه الحالات متروك للقاضي.
ومثال رابع، حالة "الظروف الطارئة". وبموجب مادة (147-2) من القانون المدني المصري "إذا طرأت حوادث استثنائية عامه لم يكن فى الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الإلتزام التعاقدى، وإن لم يُصبح مستحيلا، صار مرهقا للمدين بحيث يُهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضى تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الإلتزام المرهق الى الحد المعقول." ومفاد ذلك، أنه يجوز للقاضي في هذه الحالة تعديل التزامات الطرفين بإنقاص التزامات أحدهما، وزيادة التزامات الآخر.
ويعتبر تطبيق نظرية الظروف الطارئة في القضاء الإداري مثالاً على توسع المحكمة في تفسير نصوص العقد على نحو يخرج عن حروفه وألفاظه لتحقيق العدالة وفق ما تقتضيه الظروف المُعاصرة وقت تفسيرها. وتسمح هذه النظرية للقاضي بتعديل العقد على نحو يُعيد التوازن بين أطرافه. وبعبارة أخرى، لا يلتزم القاضي بتفسير التزامات أطراف العقد كما تُعبر عنها عباراته، بل يضع في الإعتبار تغير الظروف وقت تفسيره عنها وقت إبرامه، ويجوز له تعديل العقد على نحو يرفع الضرر الذي أصاب أحد الطرفين.
وتُعتبر قضية "غاز بوردو" سنة 1916 في فرنسا أساس هذه النظرية، وتتلخص في أن بلدية مدينة "بوردو" دخلت في عقد مع شركة لتوزيع الغار في مقابل تعرفة معينة، ثم ارتفعت أسعار الفحم بشكل كبير أثناء الحرب ما أدى إلى تكبد الشركة خسائر فادحة. وفي هذه القضية، قضى مجلس الدولة الفرنسي بتعديل بنود العقد بزيادة التعرفة، واعتبر نشوب الحرب من الحوادث التي تستلزم تعديل شروط العقد، لكي تتمكن الشركة من الاستمرار في تأمين خدمة لا يجوز توقفها أو انقطاعها. وسار المجلس في قضائه على هذا النهج في جميع العقود المُبرمة بين الدولة أو المؤسسات العامة ومتعهدي الأشغال العامة، حين تعترض تنفيذ هذه العقود عقبات لم تكن في الحسبان.
ومثال خامس، سلطة القاضي في إنقاص العقد عن طريق شطب النص القابل للإبطال منه، كما في حالة اشتماله على نص يعفي أحد المتعاقدين من المسئولية عن أخطائه أو إهماله. وبموجب مادة (143) من القانون المدني المصري، يجوز للقاضي "إنقاص" الجزء الباطل من العقد مع استمرار سريان باقي أجزائه." ولا يعني تدخل المُشرّع في العلاقة التعاقدية الإنقاص من مبدأ سلطان الإرادة التعاقدية، بل يقتصر فحسب على ضبطها وتحقيق العدالة بين الطرفين.
ومثال سادس، سلطة القاضي في تصحيح الأخطاء الكتابية في صياغة النص العقدي. ومثالها، إذا كان من الواضح وجود خطأ في صياغة النص، يُمكن للقاضي تصحيحه عن طريق إضافة كلمات مُعينة أو حذفها أو استبدالها حتى ينسجم النص مع الغاية من التشريع. لكن سلطته في هذا الخصوص محدودة جدا، وتقتصر فقط على تصحيح الأخطاء الكتابية والأخطاء في الصياغة، حتى لا تتغول السلطة القضائية على اختصاص السلطة التشريعية. ويُفترض أن النص التشريعي صحيح ودقيق، ولذلك، ينبغي على المحاكم أن تتوخى الحذر وتتحقق من الغاية من التشريع قبل أن تُصحح النص.
ومثال سابع، سلطة القاضي في تكييف العقد التكييف القانوني الصحيح بصرف النظر عن ما أسبغه الطرفان عليه من أوصاف. وتطبيقا لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن "لمحكمة الموضوع السلطة في تعريف حقيقة العقد المتنازع عليه واستظهار مدلوله مما تضمنته عباراته على ضوء الظروف التي أحاطت بتحريره وما يكون قد سبقه أو عاصره من اتفاقات عن موضوع التعاقد ذاته (الطعن رقم 478، سنة 26 ق، جلسة 24/5/1962). كذلك قضت محكمة النقض في أبوظبي بأنه "من المقرر أن لمحكمة الموضوع السلطة في تكييف العقد والتعرف على ما قصده المتعاقدان منه، وأن العبرة في ذلك هو بحقيقة الواقع وليس بما يُسبغه الخصوم عليه من أوصاف غير صحيحة، وهو ما تستخلصه المحكمة من الواقع المطروح في الدعوى مُستعينة بظروفها وملابساتها وصولاً منها للتكييف القانوني الصحيح، إلا أن هذا التكييف لقصد المتعاقدين وإنزال حُكم القانون على العقد هو من المسائل القانونية التي تخضع لرقابة محكمة النقض".
وفي رأينا، أن تدخل القاضي في كل الحالات المُشار إليها أعلاه وغيرها لا يعني أن سلطته مطلقة في تعديل العقد بالمخالفة لما اتفق عليه الطرفان بل تقتصر فقط على حالتين؛ الأولى، إستنباط إرادتيهما في المسائل التي لم يتفقا عليها أو لم يكشف العقد بوضوح عنها، والثانية، ضبط بنود العقد وفقا لطبيعة المُعاملة وأحكام القانون وقواعد العُرف والعدالة.
