تفسير النص التشريعي بين الواقع والقانون
محمود محمد علي صبره
استشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
يُعتبر تفسير النص التشريعي جزءا أساسيا من عمل المحامي، بل ورجل القانون عموما، للتوصل إلى الرأي القانوني الصحيح في أية واقعة أو مسألة تُعرض عليه. فعندما يكتب المحامي لائحة دعوى أو مذكرة قانونية في قضية لتقديمها للمحكمة، وعندما يكتب وكيل النيابة لائحة إتهام، وعندما يكتب قاضي حُكمه، فإنه يتعين عليه أولا أن يفهم الواقع في الدعوى، ومتى تحقق ذلك فإنه يبحث عن حُكم القانون فيها، حتى يجد النص أو النموذج القانوني الذي ينسجم معها ويُطبقه عليها. وبينما يُعتبر الوصف القانوني من عمل المُشرّع، يُعتبر إنزال حُكم القانون على الواقعة المنظورة، أو ما يُعرف باسم "التكييف القانوني"، من عمل القاضي؛ إذ لا يكفي لصحة الحُكم ثبوت الواقعة من حيث إسنادها إلى الشخص المُسند إليه إرتكابها، بل يتعين بالإضافة إلى ذلك إسنادها إلى النص القانوني الذى تخضع له.
ويُعد تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة والمستندات المُقدمة فيها وتفسير العقود واستخلاص مدى إخلال المتعاقد بالتزاماته التعاقدية من سلطة محكمة الموضوع إلا أن شرط ذلك أن يكون قضاؤها في ذلك سائغا وله مُعينه الثابت بالأوراق يَبين منه أنها محّصت ما تضمنته بنود وشروط العقد وصولا إلى تفسيرها الصحيح المؤدي إلى معرفة إرادة المتعاقدين (طعن رقم 525 لسنة 2013 تجاري، المحكمة الإتحادية العليا في الإمارات). والعبرة في تكييف العقود هي بحقيقة الواقع والنية المشتركة التي اتجهت إليها إرادة المتعاقدين دون الاعتداد بالألفاظ التي صيغت فيها وبالتكييف الذي أسبغه الطرفان عليها (الطعن رقم 289، سنة 27 ق، جلسة 13/12/1962، المحكمة الإتحادية العليا في الإمارات).
ويتصل تحصيل فهم الواقع، غالبا، بتطبيق معايير النص التشريعي على الواقعة المنظورة. ومثاله، ما قضت به محكمة النقض المصرية من أن حادث الإستيلاء على سيارة لنقل مهمات خاصة بصاحب العمل في الطريق العام يُعتبر حادث "سطو مسلح" وليس حادث "سرقة"، ومن ثم يُعتبر قوة قاهرة إذا كان من المستحيل توقع حدوثه ومنعه. وكانت محكمة الموضوع قد قضت بأن الحادث لا يُعتبر قوة قاهرة إستنادا إلى بند في عقد النقل يُلزم الناقل باتخاذ إحتياطيات تحول دون وقوع الحادث، وأيدتها في ذلك محكمة الإستئناف (طعن رقم 147 لسنة 84 قضائية، الدوائر المدنية، جلسة 28/11/2016).
وعلى عكس ذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأن حادث إنقلاب حافلة ركاب نتيجة لانفجار إطارها لا يُعتبر قوة قاهرة على أساس أنه كان من الممكن توقع إنفجار الإطار ومنع حدوثه بناء على تقرير الخبرة. وكانت محكمة الموضوع قد قضت برفض الدعوى التي رفعتها الطاعنة بطلب الحكم بإلزام المطعون ضدها بالتعويض عن ما أصابها من أضرار نتيجة للحادث، وأيدتها محكمة الإستئناف (طعن رقم 5917 لسنة 79 قضائية، الدوائر المدنية، جلسة 24/04/2016).
وقد يُخطئ القاضي في تطبيق النموذج القانوني الصحيح على الواقعة المنظورة. ومثاله، ما قضت به محكمة النقض في أبوظبي في دعوى أقامها المدعي على المدعى عليها بطلب إلزامها بتعويضه عن الفصل التعسفي لتغيبه مدة تجاوزت سبعة أيام دون أن تجري تحقيقا معه، وقدم تقريرا طبيا يُفيد دخوله مستشفى في تركيا خلال مدة الغياب لإجراء عملية جراحية. طلبت المدعى عليها رفض الدعوى مستندة إلى أن الفصل لم يكن تعسفيا بل إستعمالاً مشروعًا لحقها في إنهاء خدمته لتغيبه وفق ما تنص عليه مادة (120-ي) من قانون العمل الإماراتي من أنه "يجوز لصاحب العمل أن يفصل العامل دون إنذار....إذا تغيب بدون سبب مشروع ... أكثر من سبعة أيام متوالية."
قضت محكمة الموضوع وأيدتها محكمة الإستئناف بإلزام المدعى عليها بالتعويض عن الفصل التعسفي إستنادا إلى ما تنص عليه مادة (110) من أنه "لا يجوز توقيع جزاء الفصل على العامل إلا بعد إبلاغه كتابة بما هو منسوب إليه وسماع أقواله وتحقيق دفاعه ..."؛ وهو ما لم يحدث. دفعت الطاعنة بأن مادة (120-ي) لا تستلزم إجراء التحقيق الكتابي مع العامل أو إنذاره، لكن محكمة النقض في أبوظبي أيدت الحكم إستنادا إلى مادة (110).
وقد يُخطئ القاضي في فهم الواقعة ما يجره إلى الخطأ في تطبيق القانون. ومثاله، ما قضت به المحكمة الإتحادية العليا في الإمارات من أن الواقعة المنظورة تتعلق بعقد "بناء" وليس "عقد بيع" في دعوى أقامها الطاعن طلب فيها الحُكم ببطلان الحجز المُوَقّع على قاربين كان قد أبرم عقدا مع المطعون ضده لبنائهما، وقبل إكتمالهما صدر حُكم بإشهار إفلاس المطعون ضده وتوقيع الحجز على أمواله والتحفظ على القاربين توطئة لبيعهما. وفي دعواه، طلب الطاعن إخراج القاربين من الحجز وردهما إليه مستندا إلى ما نصت عليه مادة (20) من العقد المبرم بين الطرفين من أنه "في حالة إخفاق المصنع، يكون للمالك المطالبة باسترداد الدفعات المُسددة، كلها أو بعضها، أو المطالبة بحيازة القاربين بحالتهما وقت الفسخ لتحويلهما إلى ساحة أخرى لإكمال البناء."
قضت محكمة الموضوع، وأيدتها محكمة الإستئناف، برفض الدعوى على أساس أن العقد يقتصر أثره على طرفيه ولا يُنتج آثارا في مواجهة الغير فضلا عن عدم انتقال ملكية القاربين أو حيازتهما إلى الطاعن لعدم تسجيلهما، ولكونه لم يتخذ أية إجراءات سابقة على الحجز عليهما للمطالبة بهما أو استرداد ما تم سداده من مقدم الثمن. طعن الطاعن على الحكم مُبينا أنه أخطأ فهم الواقعة ما جره إلى الخطأ في تطبيق القانون بعد أن خلط بين "عقد البيع" و "عقد البناء" لأن القاربين لم يكن قد تم إكتمال بنائهما حتى يتم تسجيلهما، وذلك فق ما جاء في تقرير الخبرة الذي نص على أن "ما تم بناءه من الأجزاء ليست سوى هياكل معدنية غير مزودة بأية معدات أو أجهزة ما يقطع بعدم صلاحيتها للملاحة ولا ينطبق عليهما وصف السفينة وشرط التسجيل"، ولأن "المصنع يظل مالكا للسفينة حتى يقوم بتسليمها للمُجهز" وفق ما تنص عليه مادة (67-1). ورأت المحكمة الإتحادية العليا في الإمارات أن هذا النعي سديد وقضت بنقض الحكم (الطعن رقم 525 لسنة 2013 تجاري).
وفي قضية أخرى، أقام المطعون ضده دعوى ضد البنك الطاعن بطلب إلزامه بوقف الخصم من راتبه فيما يجاوز ربع راتبه على سند من القول أنه حصل على تسهيلات مصرفية من البنك وتفاجأ بأنه يستقطع مبالغ تتجاوز نصف راتبه الشهري المُحول في حسابه المفتوح لديه. واستند الطاعن إلى ما تنص عليه مادة (87) من قانون الخدمة المدنية في إمارة أبوظبي من أنه "لا يجوز أن يزيد ما يُخصم أو يُحجز من المبالغ الواجبة الأداء من الحكومة للموظف على ربع راتبه الإجمالي."
أصدر قاضي الأمور المستعجلة أمره بإلزام البنك الطاعن بوقف الخصم فيما يجاوز ربع الراتب. تظلم البنك الطاعن من هذا الأمر وتم الحكم برفض تظلمه، وأيدت محكمة الإستئناف الحكم. طعن الطاعن في الحكم بطريق النقض مُستندا إلى أن الراتب بمجرد دخوله الحساب الجاري يفقد صفته كراتب ويُصبح الخصم الذى يُجريه البنك خصما من الحساب الجاري بناء على إتفاق الطرفين وليس خصمًا من الراتب؛ وإلى أن حُكم المحكمة بوقف الخصم أو تخفيضه يُعد تدخلا في إرادة الطرفين وتعديلاً للعقد بما لا يجوز قانونًا وذلك لمخالفته لما تنص عليه مادة (267) من قانون المعاملات المدنية الإماراتي من أنه "إذا كان العقد صحيحاً لازما فلا يجوز لأحد المتعاقدين الرجوع فيه ولا تعديله ولا فسخه إلا بالتراضي أو التقاضي أو بمقتضى نص في القانون." ورأت محكمة النقض في أبوظبي أن هذا الطعن سديد وقضت بنقض الحُكم.
