العقد والوديعة ودور المُشرّع في حماية حقوق المشترين
محمود محمد علي صبره
استشاري الصياغة التشريعية للأمم المتحدة والبنك الدولي
مع إرتفاع أسعار الوحدات السكنية والتجارية والإدارية وإزاء عدم قدرة كثير من الناس على دفع ثمنها كاملا، ظهر نوع مُستحدث من العقود يُسمّى "عقد البيع على الخريطة"؛ وبمقتضاه يلتزم المُطور العقاري تجاه المشتري ببناء ونقل ملكية وحدة مُفرّزة من تجمع سكني "كمبوند" يكون وقت التعاقد مجرد تصميم مُجسّد على ورق لما سيتم إنشاؤه مستقبلا، أو في طور الإنشاء، أو تم إنشائه لكنه لم يكتمل بعد، على أن يُسدد المشتري ثمنها على أقساط يُتّفق عليها بين الطرفين. وبالإضافة إلى ثمن الوحدة المبيعة، يطلب المُطور من المشتري عند التعاقد أن يدفع له مبلغا بصفة "وديعة صيانة" قد تصل نسبته إلى 10% من قيمة الوحدة لتغطية تكاليف الصيانة للمنافع المشتركة لحين تسليم الكمبوند إلى إتحاد الشاغلين.
ومن مزيا هذا العقد، أنه يُتيح للمشتري تسديد ثمن الوحدة على أقساط، بدلا من تسديده دفعة واحدة، وبذلك يتجنب دفع فوائد مُركبة لو حصل على قرض من البنك لشرائها، كذلك، يُوفر للمُطور سيولة مادية من عائد الأقساط التي يدفعها المشترون. ومن مزاياه، أيضا، على المستوى الوطني أنه يُعزز التنمية الاقتصادية ويُوفر العديد من فرص العمل للشباب، ويُحول الأراضي الخالية إلى مجتمعات متكاملة، ناهيك عن جذب الاستثمار وتوفير بيئة مُلائمة للأعمال.
لكن الأمر لا يخلو من المشاكل؛ وأبرزها تلك المتعلقة بوديعة وفروق الصيانة. ومن الناحية القانونية، تُسلم الوديعة إلى المُطور بصفة أمانة للإنفاق من عوائدها على صيانة المكان. وقبل إكتمال بناء العقار، يتولى المُطور بنفسه إدارتها والصرف منها. ويُفترض أنه لا يجوز له أن يتصرف فيها في غير الأغراض المُخصصة لها، لكنه نادرا ما يلتزم بذلك. وبموجب مادة (8) من قرار رئيس مجلس الوزراء المصري رقم 2184 لسنة 2022 بشأن ضوابط بيع وحدات مشروعات التطوير العقارى "لا تعتبر مبالغ الصيانة من مبالغ المشروع." ويعني ذلك أنه لا يجوز للمُطور الصرف منها على إنشائه المشروع بجميع مكوناته بما فيها المنافع المشتركة.
وتنص مادة (9) من القرار نفسه على أن تتم "مراجعة مصاريف الصيانة من خلال مراجعين قانونيين." لكن، بالمخالفة لذلك، يُسلم المُطور العقاري حساب الوديعة إلى إتحاد الشاغلين دون أن يكون قد تمت مراجعته من مراجعين قانونيين مستقلين. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل، عادة، يطلب المُطور من إتحاد الشاغلين عند تسليمهم المشروع بعد إكتماله دفع "فروق الصيانة" بزعم أن تكاليف الصيانة كانت أكثر من مبلغ الوديعة. وغالبا، تكون قيمتها غير مُبرّرة وتفوق بكثير المبالغ التي تم صرفها، الأمر الذي يُثير غضب المُلاك واعتراضهم ويترتب عليه حدوث العديد من المشاكل بين المُطور والمُلاك.
وتحدث المشكلات بين المُطور والمُلاك، غالبا، بسبب عدم شفافيته حول إدارة الوديعة، وعدم تقديمه معلومات كافية عن كيفية حساب تكاليف الصيانة، وعدم وجود رقابة كافية عليه لضمان إستخدامها بشكل صحيح. وقد يُبرم المُطور عقودا مع مشترين جُدد دون إبلاغهم بوجود فروق صيانة على الوحدة، وهو ما يُعتبر نوعًا من التدليس.
ويثور التساؤل أيضا حول ما إذا كانت "الأجزاء المُشتركة في التجمعات السكنية" تُعتبر مِلكا للمُطور، أم لا؟ وفي هذا الخصوص، ينبغي التفريق بين ثلاثة مصطلحات يتم الخلط بينها؛ وهي: 1- "الأجزاء المشتركة في ملكية الأرض وأجزاء البناء"، وبوجه خاص، الأساسات والجدران الرئيسة والمداخل والأفنية والأسطح والمصاعد وغيرها. 2- "المنافع المشتركة" المُخصصة للانتفاع بها من جميع المُلاك، وتشمل: الحدائق والمساحات الخضراء والنوافير والشوارع والبحيرات وحمامات السباحة المشتركة والملاعب والساحات العامة ومواقف السيارات وممرات المشاة، وغيرها. 3- "المناطق المملوكة للمُطور مِلكية خاصة" والتي يُخصصها للإستخدام الخاص أو التجاري أو الإستثماري عند اعتماد مُخطط المشروع وبعد الحصول على موافقة الجهة المختصة؛ ومثالها، مستشفى أو مدرسة أو مول تجاري، أو نادي، وغيرها.
وفي الحالة الأولى، بموجب مادة (856) من القانون المدني المصري، يُعتبر مُلاك الوحدات السكنية شركاء في "الأجزاء المشتركة في ملكية الأرض وأجزاء البناء"، ما لم يوجد في سندات الملك ما يُخالف ذلك. وفي الحالة الثانية، تعد "المنافع المشتركة" مِلكا للمُطور مِلكية مُقيدة، ولا يجوز له تحويلها إلى ملكية خاصة أو تقسيمها أو التصرف فيها كليا أو جزئيا إلا بعد الحصول على موافقة الجهة المختصة مُسبقا حتى وإن كان المبنى مازال في مرحلة الإنشاء. ومن أهم صلاحيات مجلس إدارة إتحاد الشاغلين إدارة "المنافع المشتركة" للعقار، وتوظيف الشركات المتخصصة للقيام بأعمال الصيانة اللازمة لها. أما في الحالة الثالثة، فيجوز للمُطور التصرف في "المناطق المملوكة له مِلكية خاصة" دون الحاجة إلى موافقة مسبقة من الجهة المختصة.
ويُعتبر عقد "البيع على الخريطة" من العقود المُستحدثة التي ترد على الملكية والعمل، وبموجبه يظل البائع محتفظا بصلاحياته الفنية والإدارية، كوْنه صاحب المشروع، حتى يتم الإنتهاء من تنفيذه وتسليمه إلى إتحاد الشاغلين. ونتيجة لحداثته وغياب أي تنظيم تشريعي له، يثور التساؤل حول تكييفه القانوني، وما إذا كان يُعتبر من البيوع التقليدية؟ أم عقد مقاولة؟ أم عقد مُركب من عقدي المقاولة والبيع ؟ أم عقد مستقل؟ وكيف تنتقل ملكية العقار وهو غير موجود وقت التعاقد؟ وهل تنطبق عليه شروط بيع السَلَم؟ ويُقصد به بيع شيء غير موجود وقت التعاقد ومؤجل تسليمه إلى أجل معلوم في مقابل ثمن مدفوع عاجلا؛ وهو من البيوع التي أقرها الشرْع لحاجة الناس إليها. ومثاله، بيع السمك في الماء، وبيع الأسمنت قبل تصنيعه، إلخ.
وبالإضافة إلى مشكلة وديعة وفروق الصيانة، تحدث مشكلات أخرى؛ منها، تأخر المُطور في تسليم الوحدة المبيعة وفقا للوقت المُحدد في العقد أو عدم تسليمها على الإطلاق. وتنص مادة (5) من قرار رئيس مجلس الوزراء المصري المُشار إليه على أنه "مع عدم الإخلال ببنود التعاقد المُبرمة بين المطور العقارى والعميل، فى حالة تأخر المطور العقارى فى تسليم الوحدة العقارية المبيعة إلى العميل عن الموعد المتفق عليه فى العقد المُبرم ... يُمنح المُطور 12 شهرا للإلتزام بتسليم الوحدة طبقا للتاريخ المُحدد في العقد .. وإذا تجاوزت مدة التأخير 12 شهرا، تُرحّل الأقساط المُستحقة بذات المدة إلى ما بعد الإنتهاء من الأقساط المتبقية لحين الإستلام.. وفي حال تجاوز مدة التأخير (24) شهرًا يحق للعميل الإختيار بين إستمرار ترحيل المدة لحين الإستلام أو إسترداد ما تم سداده فى خلال مدة (3) أشهر من الطلب."
وللتهرب من تطبيق نص القرار المُشار إليه، يلجأ المُطور، عادة، إلى تضمين العقد نصا يُجيز له تمديد مدته في حال حدوث "ظروف طارئة". وتتيح هذه العبارة للمُطور التهرب من تنفيذ إلتزامه بالتسليم في التاريخ المُحدد. وعند اللجوء إلى التقاضي، تكون للقاضي سلطة تقديرية فيما إذا كانت الظروف التي يستند إليها تُبرر التمديد، أم لا، وما إذا كانت مدة التمديد معقولة، أم لا.
وفي راينا، أنه ينبغي وضع تشريع عاجل لتنظيم إدارة وتشغيل وصيانة مشروعات التطوير العقاري بحيث يتم تحديد المقصود "بوديعة الصيانة" وأوجه الصرف منها، وإلزام المُطور العقاري بالتعاقد مع شركة متخصصة لصيانة المشروع تخضع للرقابة المالية من الأجهزة الحكومية المختصة. وتنص مادة (158) من قانون البناء المصري رقم (119) لسنة 2008 على أنه "في حالة التجمعات السكنية المتكاملة ... يلتزم الشاغلون وملاك هذه التجمعات بالتنسيق مع المطور العقاري فور إدخال الكهرباء العمومية وإشغال 60% من اجمالي وحدات التجمع بتأسيس شركة أو اكثر للإدارة والصيانة طبقا لقانون الشركات، يُعهد اليها باختصاصات إتحاد الشاغلين إضافة إلي صيانة المنافع والخدمات العامة داخل التجمع..." لكن، للأسف، لا المُطور العقاري ولا إتحاد الشاغلين يلتزم بإسناد أعمال الصيانة إلى شركة متخصصة!
كذلك، ينبغي أن يُحدد التشريع إلتزامات المُطور في "عقد البيع على الخريطة"؛ ومنها، إلتزامه بما يلي: 1- تحمل المخاطر التي قد تنتج عن البناء طوال فترة إنجاز المشروع. 2- تسليم الوحدة المبيعة للمشتري في التاريخ المتفق عليه خالية من أية حقوق عليها. 3- نقل ملكية الوحدة وتسجيلها للمشتري بعد إكتمال المبنى وسداد كامل الثمن. 4- الضمان العشري (لمدة 10 سنوات) لأعمال البناء من الأساسات والخرسانة والأعمال الميكانيكية والكهربائية وغيرها، أولا، باعتباره بائعا من جهة مسئوليته عن العيوب الخفية، وثانيا، باعتباره مسئولا عن تشييد المبنى، فتقع عليه المسئولية عن الأضرار.
5- "التأمين ضد العيوب" أو "تأمين الصيانة" لمدة سنة من تاريخ التسليم. 6. التعاقد مع جهة مؤهلة لصيانة الأجزاء المشتركة للمدة المتفق عليها في الضمانات. 7- ضمان عدم التعرض من الغير للوحدة المبيعة. 8- تحمل جميع مصروفات الوحدة حتى تاريخ تسليمها للمشتري. 9. تمكين المشتري من زيارة موقع الوحدة في أثناء أعمال الإنشاء. 10. إنشاء إتحاد الشاغلين للمشروع. 11. إطلاع المشتري على السجلات المحاسبية الخاصة بالمشروع. 12. تضمين العقد نصا مفاده أن البيع يشمل حصة من الأرض المُقام عليها العقار على المشاع مع باقي المشترين الآخرين، وأنه لا يجوز للمُطور التصرف فيها إلا بعد فرز الوحدات الموجودة في العقار.
ولكي تتوافر فرص النجاح لهذا العقد المُستحدث، من المهم أن يتدخل المُشرع بشكل عاجل لضمان حقوق المشترين.
