الشروط الغربية في العقود
الاستشاري/ محمود صبره
الخبير الدولي في الصياغة التشريعية والكتابة القانونية
تخيل أنك دخلت بسيارتك موقف سيارات، وخرجت لك من الماكينة الموضوعة عند مدخله تذكرة تقول "يجب استلام السيارة قبل الساعة 12 مساءً." سيكون هذا الشرط بالنسبة لك عاديا ويمكن توقعه. لكن تخيل أن الشرط يقول "لا تتحمل الشركة أية مسؤولية عن وفاة العميل أو إصابته، حتى إذا نتجت الإصابة عن خطأ أحد العاملين بالشركة." قطعا، سيبدو لك هذا الشرط "غريبا"!
ويُقصد بالشرط الغريب كل شرط تعاقدي لم يتم التفاوض عليه يخرج، من جهة مضمونه أو مكانه في العقد أو الآثار المترتبة عليه أو توزيعه للمخاطر بين الطرفين أو درجة العبء الذي يرتبه، عما يتوقعه الشخص المعتاد توقعًا معقولًا في عقد من النوع ذاته بالنظر إلى طبيعة العقد وظروف إبرامه والممارسات التجارية والمعتادة بين الطرفين ومظهر العقد. ويكثر ظهور هذه الشروط في العقود النموذجية التي ينفرد أحد الطرفين بوضعها مسبقا. فإذا كان الشرط قد تم التفاوض عليه، فإنه يصعب وصفه بالغريب لأن الشخص المتأثر به كان على علم به وربما ناقشه أيضا مع الطرف الآخر. فإذا قال صاحب العمل، في عقد مقاولات إنشائية، أثناء التفاوض "لن نتحمل أية تكاليف ناتجة عن تأخر صدور التراخيص والموافقات، وسيتحمل المقاول هذه المخاطر بالكامل"، ونوقش الأمر وعَدَّل المقاول سعره على هذا الأساس، لا تكون هناك غرابة أو مفاجأة.
ويُشار إلى "الشرط الغريب" بمصطلحات عدة؛ منها: الشرط غير المألوف/غير المعتاد unusual، والشرط المفاجئ/غير المتوقعsurprising ، والشرط المُرهقonerous ، والشرط "غير الشائع" uncommon، والشرط "غير العادل"unfair وشروط "الإعفاء من المسئولية والتخفيف منها" exemption/limitation clauses. وقد تجتمع خصائص كل هذه الشروط في شرط واحد. ويكثر ظهور هذه الشروط في العقود النموذجية والشروط العامة التي ينفرد بوضعها أحد الطرفين.
ويُقصد بالشرط "غير المألوف" الشرط غير المعتاد في نوع معين من العقود؛ وبالشرط "المفاجئ" الشرط الذي لا يتوقعه المتعاقد أو شخص معقول في مركزه؛ وبالشرط "المرهق" الشرط الذي يُرتب "عبئًا أو التزامًا ثقيلًا بصورة استثنائية"؛ وبالشرط "غير الشائع" الشرط النادر وجوده رغم أنه قد يبدو طبيعيا ومتوقعا تماما؛ وبالشرط "غير العادل" الشرط الذي ينقل التبعة من الطرف الذي يُفترض أن يتحملها إلى الطرف الآخر؛ وبشروط الإعفاء من المسئولية أو التخفيف منها الشروط التي تنص على استبعاد مسئولية احد الطرفين المتعاقدين عن ضرر معين أو التخفيف من نطاقها.
ويكون الشرط غير مألوف إذا كان من غير المعتاد وجوده في نوع معين من العقود، أو كان مكانه لا يُتوقع وجوده فيه، أو إذا كان نفسه مألوفا لكن وجوده في نوع العقد الموجود فيه غير متوقع، أو إذا كان الأثر المترتب عليه جسيما يفوق ما يمكن توقعه، أو يُسقط أو يُقيد حقًا قانونيًا جوهريًا بصورة غير متوقعة، أو يُحمِّل أحد الطرفين التبعات التي يتحملها عادة الطرف الآخر وفق التوزيع المعروف للمخاطر في ذلك النوع من العقود. ومثال للشرط غير المألوف في حد ذاته لكن وجوده في نوع العقد الموجود فيه غير متوقع شرط "الاستلام أو دفع الثمن" take-or-pay، والذي ينص على أن "يلتزم المشتري بسداد قيمة الحد الأدنى السنوي من المنتجات سواء تسلمها أم لم يتسلمها". ويشيع هذا الشرط خصوصا في عقود توريد الغاز والطاقة والمواد الأولية طويلة الأجل، لكنه غير مألوف في العقود الأخرى.
ومثال للشرط الذي يُسقط أو يُقيد حقا قانونيا، أن ينص عقد تخزين على أنه "عند فقد البضاعة، لا تتجاوز مسؤولية المستودع، مهما بلغت قيمتها، مبلغ 1000 جنيه" في حين أن قيمة البضاعة تُقدر بمئات الآلاف. ومثال ثان، أن ينص الشرط على "أن توقيع المقاول على المستخلص الشهري يعتبر تنازلًا نهائيًا عن جميع المطالبات المتعلقة بالأعمال المنفذة حتى تاريخه، سواء كانت معلومة للمقاول أم غير معلومة."
ومثال للشرط المرهق الشرط الذي ينقل التبعات من أحد الطرفين إلى الطرف الآخر. ومثال ثان، الشرط الذي ينص على أن "المقاول يعتبر قد تحقق من جميع ظروف الموقع، ويتحمل وحده كل المخاطر المتعلقة بظروفه المادية، سواء كان من الممكن توقعها أم لا." ومثال للشرط المتعسف، أن ينص الشرط على أنه "يجوز لصاحب العمل إنهاء العقد في أي وقت دون إبداء الأسباب، ولا يستحق المقاول سوى قيمة الأعمال المنفذة، بدون أية تعويضات عن إنهاء العقد أو إلغاء الطلبات."
وقد يكون الشرط مفاجئًا لكنه غير مرهق ماليًا. وقد يكون الشرط غريبًا لكنه عادل، وقد يكون مرهقًا لكنه مألوفًا في قطاع معين. كذلك، تُستخدم الشروط الغريبة على نطاق أوسع بكثير من شروط الإعفاء من المسئولية والتخفيف منها؛ فقد يكون الشرط الغريب متعلقًا بالسعر أو التعويض أو التجديد التلقائي أو الاختصاص أو التحكيم أو نقل المخاطر، وليس بالإعفاء من المسؤولية.
ولا تتناول الأنظمة القانونية في الدول الشروط الغريبة في العقود تحت عنوان واحد، ولا يترتب على وجودها الأثر نفسه. فالقانون الألماني يقرر صراحةً نظرية الشروط المفاجئة، ومؤداها أن الأحكام الواردة في الشروط العامة التي تكون، بالنظر إلى نوع العقد ومظهره، غير معتادة لدرجة لا يتوقع معها الطرف الآخر وجودها، لا تصبح جزءًا من العقد.
ويشبه القانون الإنجليزي القانون الألماني في أن "المفاجأة" تؤدي إلى استبعاد الشرط من العقد، لكنه يركز على ما إذا كان قد تم لفت انتباه المتعاقد المتأثر به إليه، أم لا. فإذا تم لفت الانتباه إلى الشرط بصورة كافية فإنه قد يصبح نافذًا رغم غرابته. وفي قضية J Spurling Ltd v Bradshaw سنة 1956، صاغ القاضي "اللورد ديننج" ما عُرف بعد ذلك باسم "قاعدة اليد الحمراء" ومؤداها أن بعض الشروط تكون شديدة الغرابة أو القسوة بحيث يلزم لفت الانتباه إليها بصورة استثنائية، وذلك بأن تتم طباعتها بالحبر الأحمر مع يد حمراء تشير إليها. وقد عُرف ذلك فيما بعد باسم "قاعدة اليد الحمراء" Red Hand Rule ومضمونها العملي أنه "كلما زادت غرابة الشرط أو جسامة أثره، زادت الحاجة إلى لفت الانتباه إليه بشكل أكثر وضوحا لكي يصبح جزءًا من العقد."
وتخلص وقائع هذه القضية، في أن "فرانسيس ثورتون" دخل بسيارته موقف سيارات آلي في لندن. وعند مدخل الموقف، كانت هناك لوحة نصت في أخرها على أن "السيارات تُركن على مسؤولية مالكيها". وخرجت له تذكرة تنص بخط صغير على أن "تُعفي الشركة صاحبة الموقف من المسؤولية ليس فقط عن الأضرار التي تلحق بالسيارة، وإنما كذلك عن أية إصابة شخصية للعميل، بصرف النظر عن كيفية حدوثها". وعند استلام سيارته، وقع حادث أدى إلى إصابته إصابة جسيمة. ورأت محكمة الدرجة الأولى أن جزءا من المسؤولية عن الحادث يرجع إلى خطأ الشركة، وحكمت له بالتعويض. وأمام محكمة الاستئناف، لم تنازع الشركة في ثبوت خطئها، وإنما تمسكت بشرط الإعفاء من المسؤولية المنصوص عليه في اللوحة والتذكرة.
وأثير أمام المحكمة سؤالان جوهريان؛ 1) هل أصبح شرط الإعفاء من المسؤولية المكتوب في اللوحة والتذكرة جزءًا من العقد؟ 2) ولو فرضنا ذلك، هل تم لفت نظر العميل إليه بالقدر الكاف؟ وفيما يتعلق بالسؤال الأول، قال اللورد ديننج إن الشروط التي يراد إدماجها في العقد يجب إبلاغ الطرف الآخر بها قبل أو وقت انعقاده، وليس بعده. لكن، في حالة التعامل مع آلة تعمل بشكل تلقائي، فإن العميل يضغط على زر الدخول إلى الموقف فتخرج التذكرة تلقائيا دون أن يوافق على ما ورد فيها من شروط. وبعبارة أخرى، لا يمكن للشركة إدخال شرط تعاقدي بعد انعقاد العقد. فإذا انعقد العقد أولًا ثم وجد العميل لاحقًا لوحة في الموقف تحتوي على شروط إضافية، فالأصل أن هذه الشروط جاءت بعد التعاقد. ومن هذا المنظور، تعد التذكرة أقرب إلى مستند ظهر بعد إتمام التعاقد.
ويمكن استخراج ثلاث قواعد مهمة من هذه القضية: 1) قاعدة التوقيت؛ ومؤداها أنه يجب إتاحة الشرط للطرف الآخر قبل أو عند انعقاد العقد. 2) قاعدة الإخطار؛ ومؤداها أنه يجب اتخاذ خطوات معقولة للفت انتباه الطرف الآخر إلى الشرط. 3) قاعدة الشرط المرهق؛ ومؤداها أنه كلما كان الشرط غريبا ومرهقا، وجب أن يتم التنبيه إليه بشكل أكثر وضوحًا وبروزًا.
ولنفرض أن عقد خدمة إلكترونية يقول في الصفحة الأولى "قيمة الاشتراك السنوي 10 دولار أمريكي". لكن، يوجد في الشروط العامة رابط يشير إلى مستند مرفق يحتوي على 40 صفحة، وفي الصفحة 38 نجد عبارة تقول "يُعوض العميل المورد في مواجهة كل الخسائر والمسئوليات والمطالبات من الغير بدون أية حدود". فإنه وفق المنطق الذي أسسته قضية "ثورن"، لا يكفي أن تقول الشركة "لقد جعلنا الشروط متاحة للعميل." بل يصبح السؤال: هل هذا الشرط، بالنظر إلى خطورته وغرابته ومكانه، تم إبرازه بطريقة تتناسب مع آثاره؟ ويترتب على ذلك، أنه يجب على من يريد التمسك به أن يثبت أنه لفت نظر الطرف الآخر إليه بصورة واضحة ونزيهة وكافية.
ويركز القانون الأمريكي على مبدأ "التوقع المعقول"، وخصوصا، في حال وجود الشروط الغريبة في العقود النموذجية التي يقوم بإعدادها أحد الطرفين بشكل منفرد دون تفاوض مع الطرف الآخر. ويخلص إلى النتيجة نفسها وهي أن الشرط الذي يخرج عن التوقع المعقول لا يكون جزءا من العقد.
أما القانون الفرنسي، ومعه معظم القوانين العربية، فيتناول المسألة غالبًا من خلال عقود الإذعان والشروط التعسفية ومبدأ حسن النية، ويُطبق معيارا أساسيا هو الاختلال الجسيم في التوازن العقدي. فإذا أحدث الشرط اختلالًا جسيمًا بين حقوق والتزامات الأطراف، يُعد كأن لم يكن ولا يصبح جزءا من العقد. ويختلف معيار التوازن العقدي عن معيار الغرابة والمفاجأة، فقد يكون الشرط مفاجئًا لكنه متوازن، وقد يكون واضحًا ومتوقعًا لكنه شديد الاختلال. وتنص مادة (149) من القانون المدني المصري على أنه "إذا تم العقد بطريق الإذعان وتضمن شروطًا تعسفية، جاز للقاضي تعديلها أو إعفاء الطرف المذعن منها وفقًا لما تقتضيه العدالة، ويبطل كل اتفاق يخالف ذلك".
وفي رأينا، أنه ينبغي التعامل مع الشروط الغريبة على أنها عالية المخاطر. ويُفضل وضعها في متن العقد وليس ضمن الشروط العامة. وإذا كانت تترتب عليها آثار قانونية جسيمة على المتعاقد، يجب لفت الانتباه إليها بوسائل مثل وضع عنوان واضح لها، أو إبرازها بشكل واضح بل والتوقيع بجوارها، وربما، الحصول على إقرار مستقل مسبقا بالموافقة عليها. وكلما كان الشرط غير متوقع عقلا، وجب لفت الانتباه إليه بشكل أكثر وضوحا. واستثناء من ذلك، قد يصبح الشرط الغريب جزءا من العقد إذا استند إلى العرف التجاري أو معاملات مماثلة سابقة بين الطرفين تبرره.
